ذِكْرُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْمَدِينَةِ
ذِكْرُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْمَدِينَةِ [ هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ وَحَدِيثُهَا عَمَّا لَقِيَا ] فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ : أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَاسْمُهُ : عَبْدُ اللَّهِ ، هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي ، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ ، فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتنَا عَلَيْهَا ، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ ؟ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ ؟ قَالَتْ : فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ . قَالَتْ : وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ ، فَقَالُوا : لَا وَاَللَّهِ ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا .
قَالَتْ : فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلِمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ . قَالَتْ : فَفَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي . قَالَتْ : فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي ، حَتَّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي ، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ : أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا قَالَتْ : فَقَالُوا لِي : الْحَقِي بِزَوْجِكَ إنْ شِئْتِ .
قَالَتْ : وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي . قَالَتْ : فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي ، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ . قَالَتْ : وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ .
قَالَتْ : فَقُلْتُ : أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيَّ زَوْجِي ، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي : إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ . قَالَ : أَوَمَا مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : لَا وَاَللَّهِ ، إلَّا اللَّهُ وَبُنَيَّ هَذَا . قَالَ : وَاَللَّهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرَكٍ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي ، فَوَاَللَّهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطُّ ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي ، حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي ، فَحَطَّ عَنْهُ ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ ، ثُمَّ تَنَحَّى ( عَنِّي ) إلَى شَجَرَةٍ ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا ، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ ، قَامَ إلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي ، وَقَالَ : ارْكَبِي .
فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ ، فَقَادَهُ ، حَتَّى يَنْزِلَ بِي . فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ ، قَالَ : زَوْجُكَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ - وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا - فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ . قَالَ : فَكَانَتْ تَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ