باب ما ذكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء والزهاد
باب ما ذكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء والزهاد بالجانب الغربي في أعلى المدينة مقابر قريش ، دفن بها موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وجماعة من الأفاضل معه . أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الإستراباذي ، قال : أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، قال : سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول : ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب . أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب ؛ قالا : أخبرنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا السكوني ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : وكان أول من دفن في مقابر قريش جعفر الأكبر ابن المنصور ، وأول من دفن في مقابر باب الشام عبد الله بن علي ، سنة سبع وأربعين ومائة ، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة .
ومقبرة باب الشام أقدم مقابر بغداد ، ودفن بها جماعة من العلماء والمحدثين والفقهاء . وكذلك بمقبرة باب التبن ، وهي على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر . حدثني أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي ، قال : حدثني أبو طاهر بن أبي بكر ، قال : حكى لي والدي عن رجل كان يختلف إلى أبي بكر بن مالك أنه قيل له : أين تحب أن تدفن إذا مت ؟ فقال : بالقطيعة ، وإن عبد الله بن أحمد بن حنبل مدفون بالقطيعة ، وقيل له ، يعني لعبد الله ، في ذلك ، قال : وأظنه كان أوصى بأن يدفن هناك ، فقال : قد صح عندي أن بالقطيعة نبيا مدفونا ، ولأن أكون في جوار نبي أحب إلي من أكون في جوار أبي .
ومقبرة باب حرب ، خارج المدينة وراء الخندق مما يلي طريق قطربل ، معروفة بأهل الصلاح والخير ، وفيها قبر أحمد بن محمد بن حنبل ، وبشر بن الحارث . وينسب باب حرب إلى حرب بن عبد الله أحد صحابة أبي جعفر المنصور ؛ وإليه أيضا تنسب المحلة المعروفة بالحربية . أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير ، قال : أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي بنيسابور ، قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت عبد الله بن موسى الطلحي يقول : سمعت أحمد بن العباس يقول : خرجت من بغداد فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة ، فقال لي : من أين خرجت ؟ قلت : من بغداد هربت منها لما رأيت فيها من الفساد ، خفت أن يخسف بأهلها .
فقال : ارجع ولا تخف ؛ فإن فيها قبور أربعة من أولياء الله هم حصن لهم من جميع البلايا . قلت : من هم ؟ قال : ثم الإمام أحمد بن حنبل ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي ، ومنصور بن عمار . فرجعت وزرت القبور ، ولم أخرج تلك السنة .
قلت : أما قبر معروف فهو في مقبرة باب الدير ، وأما الثلاثة الآخرون فقبورهم بباب حرب . حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا يوسف بن عمر القواس ، قال : حدثنا أبو مقاتل محمد بن شجاع ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، قال : حدثني أبو يوسف بن بختان ، وكان من خيار المسلمين ، قال : لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأن على كل قبر قنديلا ، فقال : ما هذا ؟ فقيل له : أما علمت أنه نور لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم ، قد كان فيهم من يعذب فرحم . أخبرنا أبو الفرج الحسين بن علي بن عبيد الله الطناجيري ، قال : حدثنا محمد بن علي بن سويد المؤدب ، قال : حدثنا عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أحمد ابن الدورقي يقول : مات جار لي فرأيته في الليل وعليه حلتان قد كسي ، فقلت : إيش قصتك ؟ ما هذا ؟ قال : دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث فكسي أهل المقبرة حلتين حلتين .
قلت : وبنواحي الكرخ مقابر عدة ، منها مقبرة باب الكناس مما يلي براثا ، دفن فيها جماعة من كبراء أصحاب الحديث . ومقبرة الشونيزي ، فيها قبر سري السقطي وغيره من الزهاد ، وهي وراء المحلة المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن علي الهاشمي . سمعت بعض شيوخنا يقول : مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير ، والمقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير .
وكان أخوان يقال لكل واحد منهما الشونيزي ، فدفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه . ومقبرة باب الدير وهي التي فيها قبر معروف الكرخي . أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين السلمي ، قال : سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : سمعت أبا علي الصفار يقول : سمعت إبراهيم الحربي يقول : قبر معروف الترياق المجرب .
أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي ، قال : حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري ، قال : سمعت أبي يقول : قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج ، ويقال : إنه من قرأ عنده مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته . حدثني أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري ، قال : سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن جميع يقول : سمعت أبا عبد الله ابن المحاملي يقول : أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلا فرج الله همه . وبالجانب الشرقي مقبرة الخيزران ، فيها قبر محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة ، وقبر أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه إمام أصحاب الرأي .
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري ، قال : أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ ، قال : حدثنا مكرم بن أحمد ، قال : حدثنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا علي بن ميمون ، قال : سمعت الشافعي يقول : إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم ، يعني زائرا ، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين ، وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده ، فما تبعد عني حتى تقضى . ومقبرة عبد الله بن مالك ، دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصالحين ، وتعرف بالمالكية . ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل .
وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النذور ، يقال : إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته ، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته . حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت جالسا بحضرة عضد الدولة ونحن مخيمون بالقرب من مصلى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام ، نريد الخروج معه إلى همذان في أول يوم نزل المعسكر ، فوقع طرفه على البناء الذي على قبر النذور ، فقال لي : ما هذا البناء ؟ فقلت : هذا مشهد النذور ، ولم أقل قبر لعلمي بطيرته من دون هذا ، فاستحسن اللفظة ، وقال : قد علمت أنه قبر النذور ، وإنما أردت شرح أمره : فقلت : هذا يقال : إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . ويقال : إنه قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وإن بعض الخلفاء أراد قتله خفية ، فجعلت له هناك زبية وسير عليها وهو لا يعلم ، فوقع فيها وهيل عليه التراب حيا ، وإنما شهر بقبر النذور لأنه ما يكاد ينذر له نذر إلا صح ، وبلغ الناذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنذر ، وأنا أحد من نذر له مرارا لا أحصيها كثرة ، نذورا على أمور متعذرة فبلغتها ولزمني النذر فوفيت به .
فلم يتقبل هذا القول ، وتكلم بما دل أن هذا إنما يقع منه اليسير اتفاقا فيتسوق العوام بأضعافه ، ويسيرون الأحاديث الباطلة فيه . فأمسكت . فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن معسكرون في موضعنا ، استدعاني في غدوة يوم ، وقال : اركب معي إلى مشهد النذور ، فركبت وركب في نفر من حاشيته إلى أن جئت به إلى الموضع ، فدخله وزار القبر ، وصلى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدة أطال فيها المناجاة بما لم يسمعه أحد .
ثم ركبنا معه إلى خيمته وأقمنا أياما ، ثم رحل ورحلنا معه يريد همذان ، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورا ، فلما كان بعد ذلك استدعاني ، وقال لي : ألست تذكر ما حدثتني به في أمر مشهد النذور ببغداد ؟ فقلت : بلى . فقال : إني خاطبتك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادا لإحسان عشرتك ، والذي كان في نفسي في الحقيقة أن جميع ما يقال فيه كذب . فلما كان بعد ذلك بمديدة .
طرقني أمر خشيت أن يقع ويتم ، وأعملت فكري في الاحتيال لزواله ولو بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري ، فلم أجد لذلك فيه مذهبا ، فذكرت ما أخبرتني به في النذر لقبر النذور ، فقلت : لم لا أجرب ذلك ؟ فنذرت إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عشرة آلاف درهم صحاحا ، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر ، فتقدمت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف ، يعني كاتبه ، أن يكتب إلى أبي الريان ، وكان خليفته ببغداد ، يحملها إلى المشهد . ثم التفت إلى عبد العزيز وكان حاضرا ، فقال له عبد العزيز : قد كتبت بذلك ونفذ الكتاب . أخبرني علي بن أبي علي المعدل ، قال : حدثني أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الوراق ، قال : حدثنا أبو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب الشيعي ، قال : حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري ، قال : حدثنا سليمان بن أبي شيخ ، وقلت له : هذا الذي بقبر النذور يقال : إنه عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب .
فقال : ليس كذلك ، بل هو عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وعبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها لبيا . وقال أبو بكر الدوري : قال لي أبو محمد الحسن بن محمد ابن أخي طاهر العلوي : عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب مدفون في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها : إلبي ، وقبر النذور إنما هو قبر عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . قلت : وأقدم المقابر التي بالجانب الشرقي مقبرة الخيزران ؛ فأخبرني أبو القاسم الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : وأما مقابر الخيزران ، فمنسوبة إلى الخيزران أم موسى وهارون ، يعني ابني المهدي ، وهي أقدم المقابر فيها قبر أبي حنيفة ، وقبر محمد بن إسحاق صاحب المغازي .
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب ؛ قالا : أخبرنا محمد بن جعفر النحوي ، قال : حدثنا الحسن بن محمد السكوني ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : قال بعض الناس : إن موضع مقابر الخيزران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد ، وأول من دفن فيها البانوقة بنت المهدي ، ثم الخيزران ، ودفن فيها محمد بن إسحاق صاحب المغازي ، والحسن بن زيد ، والنعمان بن ثابت ، وقيل : هشام بن عروة . قلت : كان المشهور عندنا أن قبر هشام بن عروة في الجانب الغربي وراء الخندق أعلى مقابر باب حرب ، وهو ظاهر معروف هناك ، وعليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام ؛ مع ما أخبرنا به الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن العباس الخزاز . وأخبرنا أبو القاسم الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى ، قالا : حدثنا أبو الحسين ابن المنادي قال : أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي ، مات أيام خلافة أبي جعفر في سنة ست وأربعين ومائة ، ودفن بالجانب الغربي خارج السور نحو باب قطربل .
فحدثني أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق ، وكان من أهل الفهم وله قدم في العلم ، أنه سمع أبا الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر ينكر أن يكون قبر هشام بن عروة بن الزبير هو المشهور بالجانب الغربي ، وقال : هذا قبر هشام بن عروة المروزي صاحب ابن المبارك ، وإنما قبر هشام بن عروة بن الزبير بالخيزرانية من الجانب الشرقي . ثم أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة ، قال : حدثنا جدي ، قال : هشام بن عروة يكنى أبا المنذر ، توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومائة . وقد قيل : إن قبره في مقابر الخيزران .
وأخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس ، قال : أخبرنا جدي لأمي إسحاق بن محمد النعالي ، قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق المدائني ، قال : حدثنا قعنب بن المحرر أبو عمرو الباهلي ، قال : مات عبد الملك بن أبي سليمان ، وهشام بن عروة ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة ، ودفنا بسوق يحيى . ومقبرة الخيزران بالقرب من سوق يحيى ، وإليها أشار قعنب بن المحرر . ونرى أن قول أحمد بن عبد الله بن الخضر هو الصواب إلا إنا لا نعرف في أصحاب ابن المبارك من يسمى هشام بن عروة ، ولا نعلم أيضا روي العلم عن أحد يسمى هشاما واسم أبيه عروة ، سوى هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، والله أعلم .
وبالقرب من القبر المنسوب إلى هشام بالجانب الغربي : قبور جماعة تعرف بقبور الشهداء ، لم أزل أسمع العامة تذكر أنها قبور قوم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان وارتثوا في الوقعة ، ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم علي هناك . وقيل : إن فيهم من له صحبة . وقد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر أيضا ما اشتهر عند العامة من ذلك ، وسمعته يزعم أنه لا أصل له ، والله أعلم .