خبر سلمان الفارسي وابتداء أمره وشرح ما لقي في طول عمره
خبر سلمان الفارسي وابتداء أمره وشرح ما لقي في طول عمره أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي ، قال : أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، قال : حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق . وأخبرنا أحمد بن عثمان بن مياح السكري وعلي بن محمد بن علي الإيادي - قال أحمد أخبرنا ، وقال علي : حدثنا - أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، قال : حدثنا أبو يعلى محمد بن شداد المسمعي ، قال : حدثنا عبد الله بن هارون بن أبي عيسى ، قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق . وأخبرني علي بن محمد الإيادي أيضا ، قال : حدثنا أبو بكر الشافعي إملاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن محمد بن أبي كثير القاضي الفارسي ، قال : حدثنا شهاب بن معمر البلخي ، قال : حدثنا أبو يحيى بكر بن سليمان الأسواري ، عن ابن إسحاق .
وأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن البراء . وأخبرني علي بن محمد المالكي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن محمد الشطوي أبو أحمد ؛ قالا : حدثنا الفضل - زاد الشطوي : ابن غانم - قال : حدثنا سلمة - قال الشطوي : ابن الفضل – قال : حدثني محمد بن إسحاق ؛ ولفظ الحديث وسياقه ليونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، قال : حدثني سلمان الفارسي ، قال : كنت رجلا من أهل فارس من أهل أصبهان من قرية يقال لها : جي ، وكان أبي دهقان قريته ، وكان يحبني حبا شديدا لم يحبه شيئا من ماله ولا ولده ، فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية . واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها فلا يتركها تخبو ساعة ، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه ، حتى بنى أبي بنيانا له وكانت له ضيعة فيها بعض العمل .
فدعاني فقال : أي بني إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه ، ولا بد لي من اطلاعها ، فانطلق إليهم فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني ، فإنك إن احتبست عني شغلتني عن كل شيء ، فخرجت أريد ضيعته . فمررت بكنيسة النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : هؤلاء النصارى يصلون ، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم ، فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس ، وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت ، ولم أذهب إلى ضيعته ، فقال أبي : أين كنت ؟ ألم أكن قلت لك ؟ فقلت : يا أبتاه مررت بناس يقال لهم : النصارى ، فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم فجلست أنظر كيف يفعلون . فقال : أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم .
فقلت : لا والله ما هو بخير من دينهم ، هؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ويصلون له ، ونحن نعبد نارا نوقدها بأيدينا إذا تركناه ماتت . فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني في بيت عنده ، فبعثت إلى النصارى ، فقلت لهم : أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه ؟ فقالوا : بالشام . فقلت : إذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني .
قالوا : نفعل . فقدم عليهم ناس من تجارهم فبعثوا إلي أنه قد قدم علينا تجار من تجارنا ، فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الخروج فآذنوني بهم . قالوا : نفعل .
فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرحيل بعثوا إلي بذلك . فطرحت الحديد الذي في رجلي ولحقت بهم ، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام ، فلما قدمتها ، قلت : من أفضل أهل هذا الدين ؟ قالوا : الأسقف صاحب الكنيسة . فجئته فقلت له : إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك ، وأعبد الله فيها معك ، وأتعلم منك الخير .
قال : فكن معي . قال : فكنت معه ، وكان رجل سوء ، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوها إليه اكتنزها ولم يعطها المساكين ، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله ، فلم ينشب أن مات . فلما جاؤوا ليدفنوه قلت لهم : إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها ؛ حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها إليه ولم يعطها المساكين .
فقالوا : وما علامة ذلك ؟ فقلت : أنا أخرج إليكم كنزه . فقالوا : فهاته . فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا ، فلما رأوا ذلك قالوا : والله لا يدفن أبدا ، فصلبوه على خشبة ، ورموه بالحجارة وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه ؛ فلا والله يا ابن عباس ، ما رأيت رجلا قط لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه ؛ ولا أشد اجتهادا ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أدأب ليلا ونهارا منه ، ما أعلمني أحببت شيئا قط قبله حبه ، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة ، فقلت : يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله وإني والله ما أحببت شيئا قط حبك ، فماذا تأمرني ؟ وإلى من توصيني ؟ فقال لي : أي بني ، والله ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فأته فإنك ستجده على مثل حالي .
فلما مات وغيب لحقت بالموصل ، فأتيت صاحبها ، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا ، فقلت له : إن فلانا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك . قال : فأقم أي بني ، فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة ، فقلت له : إن فلانا أوصاني إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من توصيني ؟ فقال : والله ما أعلمه أي بني إلا رجلا بنصيبين ، وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به . فلما دفناه لحقت بالآخر ، فقلت له : يا فلان ، إن فلانا أوصى بي إلى فلان ، وفلان أوصى بي إليك .
قال : فأقم أي بني . قال : فأقمت عندهم على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة ، فقلت له : يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى ، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان ، وأوصى بي فلان إليك ، فإلى من ؟ قال : أي بني والله ما أعلم أحدا على مثل ما كنا عليه ، إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فأته فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه . فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية فوجدته على مثل حالهم ، فأقمت عنده ، واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات .
ثم حضرته الوفاة ، فقلت : يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك ؛ وقد حضرك ما ترى من أمر الله عز وجل فإلى من توصيني ؟ قال : أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم ، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل ، وإن فيه علامات لا تخفى ، بين كتفيه خاتم النبوة ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل ، فإنه قد أظلك زمانه . فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب من كلب ، فقلت لهم : تحملوني معكم حتى تقدموا بي إلى أرض العرب وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي ؟ قالوا : نعم . فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من رجل من يهود بوادي القرى .
فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي ، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى ، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده ، فخرج بي حتى قدم بي المدينة ، فوالله ، ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعته ، فأقمت في رقي مع صاحبي . وبعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء وأنا أعمل في نخلة له ، فوالله إني لفيها إذ جاء ابن عم له ، فقال : يا فلان قاتل الله بني قيلة ، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي ، فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء - يقول : الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول : ما هذا الخبر ؟ ما هو ؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة ، وقال : ما لك ولهذا ، أقبل على عملك . فقلت : لا شيء ، إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه .
فلما أمسيت ، وكان عندي شيء من طعام ، فحملته وذهبت إلى رسول الله وهو بقباء ، فقلت : إنه بلغني أنك رجل صالح ، وأن معك أصحابا لك غرباء ، وقد كان عندي شيء للصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد فهاك هذا فكل منه ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، وقال لأصحابه : كلوا ، ولم يأكل ، فقلت في نفسي : هذه خلة مما وصف لي صاحبي . ثم رجعت وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به ، فقلت : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه . فقلت : هذه خلتان .
ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي ، وهو في أصحابه ، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره . فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت شيئا قد وصف لي ، فرفع رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي ، فأكببت عليه أقبله وأبكي . فقال : تحول يا سلمان هكذا .
فتحولت ، فجلست بين يديه وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه . فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك ، فلما فرغت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب يا سلمان . فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية ، فأعانني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل ثلاثين ودية ، وعشرين ودية ، وعشرا ، كل رجل منهم على قدر ما عنده .
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقر لها ، فإذا فرغت فآذني ، حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي ، ففقرتها وأعانني أصحابي ، يقول : حفرت لها حيث توضع ، حتى فرغنا منها ، فخرج معي حتى جاءها فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها ؛ فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة ، وبقيت علي الدراهم . فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الفارسي المسلم المكاتب ؟ فدعيت له ، فقال : خذ هذه يا سلمان فأد بها ما عليك .
فقلت : يا رسول الله ، وأين تقع هذه مما علي . قال : فإن الله سيؤدي بها عنك . فوالذي نفس سلمان بيده لقد وزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم ، وعتق سلمان .
وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد ؛ ثم عتقت فشهدت الخندق ، ثم لم يفتني معه مشهد . أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدثنا أبو أحمد الغطريفي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن عبدوس الهمذاني . قال أبو نعيم : وحدثنا أبو محمد بن حيان ، والسياق له ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج وأبو بكر محمد بن عبد الله المؤدب ؛ قالا : حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن عبدوس ، قال : حدثنا قطن بن إبراهيم ، قال : حدثنا وهب بن كثير بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلمان الفارسي قال : حدثتني أمي ، عن أبي كثير بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلمان الفارسي ، عن أبيه ، عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أملى الكتاب على علي بن أبي طالب : هذا ما فادى محمد بن عبد الله رسول الله ؛ فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي ثم القرظي بغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهبا .
وقد برئ محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي ، وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته ، فليس لأحد على سلمان سبيل . شهد على ذلك : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وحذيفة بن سعد بن اليمان ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وبلال مولى أبي بكر ، وعبد الرحمن بن عوف . وكتب علي بن أبي طالب يوم الاثنين في جمادى الأولى من سنة مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال عبد الله بن محمد بن الحجاج : ذكر هذا الحديث لأبي بكر بن أبي داود فقال : لسلمان ثلاث بنات : بنت بأصبهان ، وزعم جماعة أنهم من ولدها ؛ وابنتان بمصر . قلت : في هذا الحديث نظر ؛ وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق ، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة ، ولو كان تخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يفته شيء من المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأيضا فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته ، والله أعلم .
وقد ذكرنا فيما تقدم القول بأن سلمان توفي في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان . أخبرنا علي بن محمد السمسار ، قال : أخبرنا عبد الله بن عثمان الصفار ، قال : حدثنا عبد الباقي بن قانع : أن سلمان توفي بالمدائن في سنة ست وثلاثين ؛ فعلى هذا القول كانت وفاته في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، والله أعلم .