محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو الحسين الواعظ ابن سمعون
محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس بن إسماعيل ، أبو الحسين الواعظ ، المعروف بابن سمعون . كان واحد دهره ، وفرد عصره في الكلام على علم الخواطر والإشارات ، ولسان الوعظ ، دون الناس حكمه ، وجمعوا كلامه ، وحدث عن عبد الله بن أبي داود السجستاني ، وأحمد بن محمد بن سلم المخرمي ، ومحمد بن مخلد الدوري ، ومحمد بن جعفر المطيري ، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة ، وأحمد بن سليمان بن زبان الدمشقيين ، وعمر بن الحسن الشيباني . حدثنا عنه حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق ، والقاضي أبو علي بن أبي موسى الهاشمي ، والحسن بن محمد الخلال ، وأبو بكر الطاهري ، وعبد العزيز بن علي الأزجي ، وغيرهم ، وكان بعض شيوخنا إذا حدث عنه ، قال : حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة أبو الحسين بن سمعون .
أخبرنا عبد العزيز بن علي ، قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ إملاء ، قال : حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث سنة أربع عشرة وثلاثمائة ، قال : حدثنا محمود بن خالد ، وعمرو بن عثمان ، قالا : حدثنا الوليد ، قال : حدثنا ابن جابر ، قال : سمعت أبا عبد رب يقول : سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة . قال لي عبد العزيز : ذكر لنا ابن سمعون أن جده إسماعيل كسر اسمه فقيل سمعون . حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : سمعت أبا الحسين بن سمعون يقول : ولدت في سنة ثلاثمائة .
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني ، قال : قلت لأبي الحسين بن سمعون : أيها الشيخ ، أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها ، وتلبس أحسن الثياب ، وتأكل أطيب الطعام ، فكيف هذا ؟ فقال : كل ما يصلحك لله فافعله ، إذا صلح حالك مع الله بلبس لين الثياب وأكل طيب الطعام فلا يضرك . حدثني الحسن بن محمد الخلال ، قال : قال لي أبو الحسين بن سمعون : ما اسمك ؟ فقلت : حسن . فقال : قد أعطاك الله الاسم فسله أن يعطيك المعنى .
حدثنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن المظفر الملاح ، قال : سمعت ابن سمعون يقول : رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة . حدثنا أبو بكر محمد بن محمد الطاهري ، قال : سمعت أبا الحسين بن سمعون يذكر : أنه خرج من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قاصدا بيت المقدس ، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا ، فلما وصل إلى بيت المقدس ترك التمر مع غيره من الطعام في الموضع الذي كان يأوي إليه ، ثم طالبته نفسه بأكل الرطب فأقبل عليها باللائمة وقال : من أين لنا في هذا الموضع رطب ؟ فلما كان وقت الإفطار عمد إلى التمر ليأكل منه فوجده رطبا صيحانيا ، فلم يأكل منه شيئا ، ثم عاد إليه من الغد عشية فوجده تمرا على حالته الأولى ، فأكل منه أو كما قال . سمعت أبا الحسن أحمد بن علي بن الحسن بن البادا يقول : سمعت أبا الفتح القواس يقول : لحقتني إضاقة وقتا من الزمان فنظرت فلم أجد في البيت غير قوس لي وخفين كنت ألبسهما ، فأصبحت وقد عزمت على بيعهما ، وكان يوم مجلس أبي الحسين بن سمعون ، فقلت في نفسي : أحضر المجلس ثم أنصرف فأبيع الخفين والقوس ، قال : وكان القواس قل ما يتخلف عن حضور مجلس ابن سمعون ، قال أبو الفتح : فحضرت المجلس ، فلما أردت الانصراف ناداني أبو الحسين : يا أبا الفتح ، لا تبع الخفين ولا تبع القوس ، فإن الله سيأتيك برزق من عنده ، أو كما قال .
حدثني رئيس الرؤساء شرف الوزراء أبو القاسم علي بن الحسن ، قال : حدثني أبو طاهر محمد بن علي ابن العلاف ، قال : حضرت أبا الحسين بن سمعون يوما في مجلس الوعظ ، وهو جالس على كرسيه يتكلم ، وكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام ، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه . فقال له أبو الحسين : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك ؟ قال : نعم . فقال أبو الحسين : لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه ، أو كما قال .
وحدثني رئيس الرؤساء أيضا قال : حكى لي أبو علي بن أبي موسى الهاشمي ، قال : حكى لي دجى مولى الطائع لله ، قال : أمرني الطائع لله بأن أوجه إلى ابن سمعون فأحضره دار الخلافة ، ورأيت الطائع على صفة من الغضب ، وكان يتقى في تلك الحال ، لأنه كان ذا حدة ، فبعثت إلى ابن سمعون وأنا مشغول القلب لأجله ، فلما حضر أعلمت الطائع حضوره فجلس مجلسه فأذن به الدخول ، فدخل وسلم عليه بالخلافة ، ثم أخذ في وعظه ، فأول ما ابتدأ به أن قال : روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وذكر خبرا وأحاديث بعده ، ثم قال : روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وذكر عنه خبرا ، ولم يزل يجري في ميدان الوعظ حتى بكى الطائع وسمع شهيقه وابتل منديل بين يديه بدموعه ، فأمسك ابن سمعون حينئذ ، ودفع إلي الطائع درجا فيه طيب وغيره ، فدفعته إليه وانصرف ، وعدت إلى حضرة الطائع فقلت : يا مولاي ، رأيتك على صفة من شدة الغضب على ابن سمعون ، ثم انتقلت عن تلك الصفة عند حضوره ، فما السبب ؟ فقال : رفع إلي عنه أنه يتنقص علي بن أبي طالب فأحببت أن أتيقن ذاك لأقابله عليه إن صح ذلك منه ، فلما حضر بين يدي افتتح كلامه بذكر علي بن أبي طالب والصلاة عليه ، وأعاد وأبدى في ذلك ، وقد كان له مندوحة في الرواية عن غيره ، وترك الابتداء به ، فعلمت أنه وفق لما تزول به عنه الظنة ، وتبرأ ساحته عندي ، ولعله كوشف بذلك ، أو كما قال . أخبرني الحسن بن غالب بن المبارك المقرئ ، قال : سمعت أبا الفضل التميمي يقول : سمعت أبا بكر الأصبهاني ، وكان خادم الشبلي ، قال : كنت بين يدي الشبلي في الجامع يوم جمعة فدخل أبو الحسين بن سمعون ، وهو صبي وعلى رأسه قلنسوة بشفاشك مطلس بفوطة ، فجاز علينا وما سلم ، فنظر الشبلي إلى ظهره وقال : يا أبا بكر ، تدري أيش لله في هذا الفتى من الذخائر ؟ أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : توفي أبو الحسين بن سمعون في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، الشك من أبي نعيم . أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي ، قال : سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فيها توفي أبو الحسين بن سمعون الواعظ يوم النصف من ذي القعدة ، وكان ثقة مأمونا .
قلت : ذكر لي غير العتيقي أنه توفي يوم الخميس الرابع عشر من ذي القعدة ودفن في داره في شارع العتابيين ، فلم يزل هناك حتى نقل يوم الخميس الحادي عشر من رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة فدفن بباب حرب ، وقيل لي : إن أكفانه لم تكن بليت بعد .