محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو عبد الله الجعفي البخاري
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ، أبو عبد الله الجعفي البخاري ، الإمام في علم الحديث ، صاحب الجامع الصحيح ، والتاريخ . رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار ، وكتب بخراسان ، والجبال ، ومدن العراق كلها ، وبالحجاز والشام ومصر ، وسمع مكي بن إبراهيم البلخي ، وعبدان بن عثمان المروزي ، وعبيد الله بن موسى العبسي ، وأبا عاصم الشيباني ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ، ومحمد بن يوسف الفريابي ، وأبا نعيم الفضل بن دكين ، وأبا غسان النهدي ، وسليمان بن حرب الواشحي ، وأبا سلمة التبوذكي ، وعفان بن مسلم ، وعارم بن الفضل ، وأبا الوليد الطيالسي ، وأبا معمر المنقري ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي ، وأبا بكر الحميدي ، وسعيد بن أبي مريم المصري ، ويحيى بن بكير المخزومي ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، وأبا اليمان الحمصي ، وإسماعيل بن أبي أويس المديني ، وعبد القدوس بن الحجاج ، وحجاج بن المنهال ، ومحمد بن كثير العبدي ، وخالد بن مخلد القطواني ، وعلي ابن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وخلقا سواهم يتسع ذكرهم . وورد بغداد دفعات وحدث بها فروى عنه من أهلها : إبراهيم بن إسحاق الحربي ، وعبد الله بن محمد بن ناجية ، وقاسم بن زكريا المطرز ، ومحمد بن محمد الباغندي ، ويحيى بن محمد بن صاعد ، ومحمد بن هارون الحضرمي ، وآخر من حدث عنه بها الحسين بن إسماعيل المحاملي .
أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، قال : حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي إملاء ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي بردة ، قال : أخبرني جدي أبو بردة ، عن أبيه أبي موسى ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه وكان صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاءه رجل أو طالب حاجة ، فأقبل علينا بوجهه ، فقال : اشفعوا فلتؤجروا وليقضي الله على لسان رسوله ما شاء . أخبرنا أبو سعد الماليني ، قراءة عليه ، قال : أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، قال : سمعت محمد بن أحمد بن سعدان البخاري يقول : محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة بن بذدزبة البخاري ، وبذدزبة مجوسي مات عليها ، والمغيرة بن بذدزبة أسلم على يدي يمان البخاري والي بخارى ، ويمان هذا هو أبو جد عبد الله بن محمد المسندي الجعفي ، وعبد الله بن محمد هو ابن جعفر بن يمان البخاري الجعفي ، والبخاري قيل له : جعفي لأن أبا جده أسلم على يدي أبي جد عبد الله المسندي ، ويمان جعفي فنسب إليه لأنه مولاه من فوق . وعبد الله قيل له : مسندي لأنه كان يطلب المسند من حداثته .
وأخبرنا أبو سعد الماليني ، قال : أخبرنا عبد الله بن عدي ، قال : سمعت الحسن بن الحسين البزاز ببخارى يقول : رأيت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، شيخا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير . ولد يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر ، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين . عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما .
أنبأنا إبراهيم بن مخلد ، قال : أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح النسوي ، قال : سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام المروزي يقول : سمعت أحمد بن سيار يقول : ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي ، أبو عبد الله ، طلب العلم ، وجالس الناس ، ورحل في الحديث ، ومهر فيه وأبصر ، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ ، وكان يتفقه . حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني ، قال : أخبرني أحمد بن علي الفارسي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : سمعت جدي محمد بن يوسف بن مطر الفربري يقول : حدثنا أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق النحوي ، قال : قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث ؟ قال : ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب . قال : وكم أتى عليك إذ ذاك ؟ فقال : عشر سنين أو أقل ، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره ، وقال يوما فيما كان يقرأ للناس : سفيان ، عن أبي الزبير ، عن إبراهيم .
فقلت له : يا أبا فلان ، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم . فانتهرني ، فقلت له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك . فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي : كيف هو يا غلام ؟ قلت : هو الزبير بن عدي عن إبراهيم .
فأخذ القلم مني وأحكم كتابه ، فقال : صدقت ، فقال له بعض أصحابه : ابن كم كنت إذ رددت عليه ؟ فقال : ابن إحدى عشرة ، فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع ، وعرفت كلام هؤلاء ، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة ، فلما حججت رجع أخي وتخلفت بها في طلب الحديث ، فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم ، وذلك أيام عبيد الله بن موسى ، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة ، وقال : قل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب . أخبرني محمد بن علي بن أحمد المقرئ ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن الجرجاني في كتابه إلي ، وحدثني عنه أبو عمرو البحيري ، قال : أخبرنا خلف بن محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم وراق البخاري ، قال : سمعت البخاري يقول : لو نشر بعض أستاذي ، هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ ولا عرفوه ، ثم قال : صنفته ثلاث مرات . حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني ، قال : أخبرني محمد بن إدريس الوراق ، قال : حدثنا محمد بن حام البخاري ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : أخذ إسحاق بن راهويه كتاب التاريخ الذي صنفت فأدخله على عبد الله بن طاهر ، فقال : أيها الأمير ، ألا أريك سحرا ؟ قال : فنظر فيه عبد الله بن طاهر فتعجب منه ، وقال : لست أفهم تصنيفه .
أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح ، قال : سمعت محمد بن حميد اللخمي يقول : سمعت القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي يقول : سمعت أبا العباس بن سعيد يقول : لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري . قرأت على الحسين بن محمد بن الحسن المؤدب ، أخي أبي محمد الخلال ، عن أبي سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ ، قال : حدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الحافظ ، أبو عبد الله السرخسي بسمرقند ، قال : حدثني الحسن بن الحسين البخاري ، قال : حدثنا عامر بن المنتجع ، قال : سمعت أبا بكر المديني يقول : كنا يوما بنيسابور عند إسحاق بن راهويه ، ومحمد بن إسماعيل حاضر في المجلس ، فمر إسحاق بحديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان دون صاحب النبي صلى الله عليه وسلم عطاء الكيخاراني ، فقال له إسحاق : يا أبا عبد الله ، أيش كيخاران ؟ قال : قرية باليمن كان معاوية بن أبي سفيان بعث هذا الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فسمع منه عطاء حديثين ، فقال له إسحاق : يا أبا عبد الله ، كأنك قد شهدت القوم . أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : سمعت خلف بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول : سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول : كنت عند إسحاق بن راهويه ، فقال لنا بعض أصحابنا : لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب ، يعني كتاب الجامع .
كتب إلي علي بن أبي حامد الأصبهاني يذكر أن أبا أحمد محمد بن محمد بن مكي الجرجاني حدثهم ، قال : سمعت السعداني يقول : سمعت بعض أصحابنا يقول : قال محمد بن إسماعيل : أخرجت هذا الكتاب ، يعني الصحيح ، من زهاء ستمائة ألف حديث . أخبرنا أبو سعد الماليني ، قال : أخبرنا عبد الله بن عدي ، قال : سمعت الحسن بن الحسين البخاري يقول : سمعت إبراهيم بن معقل يقول : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول . حدثني محمد بن علي الصوري ، قال : حدثنا عبد الغني بن سعيد الحافظ ، قال : أخبرنا أبو الفضل جعفر بن الفضل ، قال : أخبرنا محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون ، قال : سئل أبو عبد الرحمن ، يعني النسائي ، عن العلاء وسهيل ، فقال : هما خير من فليح ، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري .
حدثني أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر العطار الأصبهاني بالري ، قال : سمعت أبا الهيثم الكشميهني يقول : سمعت محمد بن يوسف الفربري يقول : قال لي محمد بن إسماعيل البخاري : ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين . حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن الرازي ، قال : سمعت عبد الله بن عدي يقول : سمعت عبد القدوس بن همام يقول : سمعت عدة من المشايخ يقولون : حول محمد بن إسماعيل البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين . أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري بنيسابور ، قال : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي يقول : سمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول : سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف الفربري ، أنه كان يقول : سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري .
قرأت على الحسين بن محمد أخي الخلال ، عن عبد الرحمن بن محمد الإدريسي ، قال : حدثني محمد بن حم ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفربري ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل : تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف ؟ فقال : لا يخفى علي جميع ما فيه . أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نصرويه السمرقندي ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن مت الأشتيخني بها ، قال : حدثنا الفربري محمد بن يوسف ، قال : سمعت محمدا البخاري بخوارزم يقول : رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل ، يعني في المنام ، خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي ، فكلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه وضع أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قدمه في ذلك الموضع . أخبرنا أبو سعد الماليني ، قال : أخبرنا عبد الله بن عدي ، قال : سمعت محمد بن يوسف الفربري ، قال : سمعت النجم بن الفضيل ، وكان من أهل الفهم ، يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام خرج من قرية ماستي ، ومحمد بن إسماعيل خلفه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره .
كتب إلي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الحسين الخرجاني من أصبهان يذكر أنه سمع أبا أحمد محمد بن محمد بن مكي الجرجاني يقول : سمعت محمد بن يوسف الفربري يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي : أين تريد ؟ فقلت : أريد محمد بن إسماعيل البخاري . فقال : أقرئه مني السلام . حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان من لفظه ، قال : حدثنا علي بن محمد بن الحسين الفقيه ، قال : حدثنا خلف بن محمد الخيام ، قال : سمعت أبا محمد المؤذن عبد الله بن محمد بن إسحاق السمسار يقول : سمعت شيخي يقول : ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام ، فقال لها : يا هذه ، قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك ، أو لكثرة دعائك .
قال : فأصبح وقد رد الله عليه بصره . أخبرني أبو الوليد الحسن بن محمد بن علي الدربندي ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن كامل الحافظ ببخارى ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، قال : سمعت أبا حسان مهيب بن سليم يقول : سمعت جعفر بن محمد القطان ، إمام الجامع بكرمينية ، يقول : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : كتبت عن ألف شيخ وأكثر ، ما عندي حديث لا أذكر إسناده . وقال أبو عبد الله : سمعت أبا عمرو ، وأحمد بن محمد بن عمر المقرئ يقول : سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن عمر الأديب يقول : سمعت أحيد بن أبي جعفر والي بخارى يقول : قال محمد بن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر .
قال : فقلت له : يا أبا عبد الله ، بكماله ؟ قال : فسكت . أخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، وأبو نصر أحمد بن أبي حامد الباهلي ، قالا : سمعنا أبا سعيد بكر بن منير يقول : سمعت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي يقول : كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص أسمع كتاب الجامع ، جامع سفيان ، في كتاب والدي ، فمر أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر ، فراجعته فقال الثانية كذلك ، فراجعته الثانية فقال كذلك ، فراجعته الثالثة فسكت سويعة ، ثم قال : من هذا ؟ قالوا : هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بذدزبة ، فقال أبو حفص : هو كما قال ، واحفظوا فإن هذا يوما يصير رجلا ، قال أبو نصر الباهلي : سمعت بكر بن منير يقول : ابن بذدزبة هو بالبخارية ، وبالعربية الزراع . أخبرني الحسن بن محمد البلخي الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر الحافظ ببخارى ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، قال : حدثنا أبو سعيد بكر بن منير ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول : منذ ولدت ما اشتريت من أحد بدرهم شيئا قط ولا بعت من أحد بدرهم شيئا .
فسألوه عن شراء الحبر والكواغد ، فقال : كنت آمر إنسانا يشتري لي . وقال أبو سعيد بكر بن منير : كان حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه فلان ، فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم ، فقال لهم : انصرفوا الليلة . فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردهم ، وقال : إني نويت البارحة أن أدفع إليهم بما طلبوا ، يعني الذين طلبوا أول مرة ، ودفع إليهم بربح خمسة آلاف درهم ، وقال : لا أحب أن أنقض نيتي .
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : أخبرني محمد بن خالد المطوعي ، قال : حدثنا مسبح بن سعيد ، قال : كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية ، وكذلك إلى أن يختم القرآن . وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال ، وكان يختم بالنهار كل يوم ختمة ، وتكون ختمة عند الإفطار كل ليلة ، ويقول : عند كل ختم دعوة مستجابة . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، قال : سمعت أبا سعيد بكر بن منير يقول : كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة ، فلما قضى صلاته قال : انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي ؟ فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعا ، ولم يقطع صلاته .
حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم بن محمد الأصبهاني ، قال : أخبرني أحمد بن علي الفارسي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثني جدي محمد بن يوسف الفربري ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : دعي محمد بن إسماعيل إلى بستان بعض أصحابه ، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بالقوم ، ثم قام للتطوع فأطال القيام ، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه ، فقال لبعض من معه : انظر هل ترى تحت قميصي شيئا ؟ فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا ، وقد تورم من ذلك جسده ، وكان آثار الزنبور في جسده ظاهرة ، فقال له بعضهم : كيف لم تخرج من الصلاة في أول ما أبرك ؟ فقال : كنت في سورة فأحببت أن أتمها . حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : سمعت أحمد بن علي السليماني يقول : سمعت علي بن محمد بن منصور يقول : سمعت أبي يقول : كنا في مجلس أبي عبد الله محمد بن إسماعيل ، فرفع إنسان من لحيته قذاة فطرحها على الأرض ، قال : فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس ، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه ، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها فطرحها على الأرض . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر البخاري الحافظ ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد المقرئ ، قال : سمعت بكر بن منير يقول : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا .
وأخبرني الحسن بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر الحافظ ، قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن هارون الملاحمي ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن صابر بن كاتب يقول : سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول : كنا مع محمد بن إسماعيل البخاري بالبصرة نكتب الحديث ، ففقدناه أياما فطلبناه ، فوجدناه في بيت وهو عريان ، وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء ، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبا وكسوناه ، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث . حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : أخبرني محمد بن إدريس الوراق ، قال : حدثنا محمد بن حام ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا ، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا بيده ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه وكان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم ، فقلت له : إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني ؟ قال : أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك . ورأيته استلقى على قفاه يوما ونحن بفربر في تصنيف التفسير ، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث ، فقلت له : يا أبا عبد الله ، سمعتك تقول يوما : إني ما أتيت شيئا بغير علم قط منذ عقلت ، فأي علم في هذا الاستلقاء ؟ فقال : أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم ، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة ذلك فإن غافصنا العدو كان بنا حراك .
حدثني أبو عبد الله محمد بن علي الصوري ببغداد ، وأبو محمد عبد الله بن علي بن عياض بن أبي عقيل القاضي بصور ، وأبو نصر علي بن الحسين بن أحمد بن أبي سلمة الوراق بصيدا ، قالوا : أخبرنا محمد بن أحمد بن جميع الغساني ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن آدم بن عبيد أبو سعيد ، قال : حدثنا محمد بن يوسف البخاري ، قال : كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثماني عشرة مرة . حدثني أبو الوليد الدربندي ، قال : سمعت محمد بن الفضل المفسر يقول : سمعت أبا إسحاق الريحاني يقول : سمعت عبد الرحمن بن رساين البخاري يقول : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : صنفت كتابي الصحاح لست عشرة سنة ، خرجته من ستمائة ألف حديث ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى . وأخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد الحافظ ، قال : حدثنا محمد بن سعيد التاجر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : سمعت حاشد بن إسماعيل يقول : كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام ، فكنا نقول له : إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع ؟ فقال لنا بعد ستة عشر يوما : إنكما قد أكثرتما علي وألححتما ، فاعرضا علي ما كتبتما فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر القلب حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه ، ثم قال : أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد .
قال : وكان أهل المعرفة من أهل البصرة يعدون خلفه في طلب الحديث ، وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسونه في بعض الطريق ، فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه ، قال : وكان أبو عبد الله عند ذلك شاب لم يخرج وجهه . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر الحافظ ، قال : حدثنا خلف بن محمد ، قال : سمعت أبا العباس الفضل بن إسحاق بن الفضل البزاز يقول : حدثنا أحمد بن المنهال العابد ، قال : حدثنا أبو بكر الأعين ، قال : كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة ، فقلت : ابن كم كنت ؟ قال : ابن سبع عشرة سنة . وأخبرني الحسن بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأسدي يقول : سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم الداغوني يقول : سمعت يوسف بن موسى المروروذي يقول : كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي : يا أهل العلم ، قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري ، فقاموا في طلبه ، وكنت معهم ، فرأينا رجلا شابا لم يكن في لحيته شيء من البياض ، يصلي خلف الأسطوانة ، فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء ، فأجابهم إلى ذلك ، فقام المنادي ثانيا فنادى في جامع البصرة : قد قدم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء ، فقد أجاب بأن يجلس غدا في موضع كذا ، قال : فلما أن كان بالغداة حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار حتى اجتمع قريب من كذا كذا ألفا ، فجلس أبو عبد الله محمد بن إسماعيل للإملاء ، فقال قبل أن أخذ في الإملاء ، قال لهم : يا أهل البصرة ، أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم ، وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكل ، قال : فبقوا الناس وتعجبوا من قوله ، ثم أخذ في الإملاء فقال : حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد العتكي ، بلديكم ، قال : أخبرنا أبي ، عن شعبة ، عن منصور ، وغيره ، عن سالم ابن أبي الجعد ، عن أنس بن مالك ، أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، الرجل يحب القوم ، فذكر حديث المرء مع من أحب .
ثم قال محمد بن إسماعيل : هذا ليس عندكم ، إنما عندكم عن غير منصور عن سالم . قال يوسف بن موسى : وأملى عليهم مجلسا على هذا النسق ، يقول في كل حديث : روى شعبة هذا الحديث عندكم كذا ، فأما من رواية فلان فليس عندكم ، أو كلاما ذا معناه . قال يوسف بن موسى : وكان دخولي البصرة أيام محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وهلال الرأي ، وأحمد بن عبدة الضبي ، وحميد بن مسعدة ، وغيرهم ، ثم دخلت البصرة مرات بعد ذلك .
ذكر وصف البصريين البخاري ومدحهم إياه أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا محمد بن سعيد التاجر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف بن مطر ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت حاشد بن إسماعيل يقول : كنت بالبصرة فسمعت قدوم محمد بن إسماعيل ، فلما قدم قال محمد بن بشار : دخل اليوم سيد الفقهاء . وأخبرني الحسن ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : أخبرنا أبو شجاع الفضيل بن العباس بن الخصيب التميمي ، قال : حدثنا أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف ، قال : سمعت بندارا محمد بن بشار يقول : حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالري ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا عمر بن محمد بن بجير ، قال : سمعت محمد بن بشار العبدي بندارا يقول : عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي ، غلماني خرجوا من تحت كرسيي .
وقال خلف : سمعت أبا على الحسين بن إسماعيل الفارسي يقول : سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول : سمعت بندارا محمد بن بشار سنة ثمان وعشرين ومائتين يقول : ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل . قرأت على الحسين بن محمد أخي الخلال ، عن أبي سعد الإدريسي ، قال : حدثنا محمد بن حام بن ناقب البخاري بسمرقند ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفربري ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس محمد بن بشار ، فلما خرج وقع بصره علي ، فقال : من أين الفتى ؟ قلت : من أهل بخارى . قال : كيف تركت أبا عبد الله ؟ فأمسكت ، فقال له أصحابه : رحمك الله ، هو أبو عبد الله ، فقام فأخذ بيدي وعانقني ، وقال : مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين .
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : أخبرنا أبو الفضل محمد بن يوسف بن ريحان الأمير ببخارى ، قال : حدثني أبي يوسف بن ريحان ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : كان علي ابن المديني يسألني عن شيوخ خراسان ، فكنت أذكر له محمد بن سلام فلا يعرفه ، إلى أن قال لي يوما : يا أبا عبد الله ، كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضا . أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدويي ، قال : سمعت محمد بن محمد بن العباس يقول : سمعت جدي أحمد بن عبد الله يقول : سمعت جدي محمد بن يوسف يقول : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني ، وربما كنت أغرب عليه . حدثني عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني لفظا ، قال : حدثنا علي بن محمد بن الحسين الفقيه ، قال : حدثنا خلف الخيام ، قال : سمعت إسحاق بن أحمد بن خلف يقول : سمعت محمد بن إسماعيل غير مرة يقول : ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني ، ما سمعت الحديث من في إنسان أشهى عندي أن أسمعه من في علي .
وقال إسحاق : حدثني حامد بن أحمد ، قال : ذكر لعلي ابن المديني قول محمد بن إسماعيل : ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني ، فقال : ذروا قوله ، هو ما رأى مثل نفسه . أخبرنا علي بن أبي علي المعدل ، قال : أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن إبراهيم الحازمي البخاري ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حريث ، قال : حدثنا أحمد بن سلمة ، قال : حدثني فتح بن نوح النيسابوري ، قال : أتيت علي ابن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالسا عن يمنيه ، وكان إذا حدث التفت إليه كأنه يهابه . حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : أخبرني محمد بن إدريس الوراق ، قال : حدثنا محمد بن حام ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديث ، فقلت : لا أعرفه ، فسروا بذلك ، وصاروا إلى عمرو بن علي ، فقالوا له : ذاكرنا محمد بن إسماعيل البخاري بحديث فلم يعرفه ، فقال عمرو بن علي : حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث .
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو نصر محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد التاجر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف بن مطر ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : سمعت محمد بن قتيبة - قريب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل - يقول : كنت عند أبي عاصم النبيل فرأيت عنده غلاما ، فقلت له : من أين أنت ؟ قال : من بخارى . قلت : ابن من ؟ فقال : ابن إسماعيل . فقلت له : أنت قرابتي ، فعانقته .
فقال لي رجل في مجلس أبي عاصم : هذا الغلام يناطح الكباش . أخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد ، قال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الخولاني ، قال : حدثنا أبو ذر محمد بن محمد بن يوسف القاضي ، قال : سمعت أبا معشر حمدويه بن الخطاب يقول : لما قدم أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل من العراق قدمته الأخيرة ، وتلقاه من تلقاه من الناس وازدحموا عليه وبالغوا في بره ، فقيل له في ذلك وفيما كان من كرامة الناس وبرهم له ، فقال : فكيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة . وصف أهل الحجاز والكوفة له أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ، قال : حدثنا محمد بن سعيد التاجر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه ، وقال : هذه أحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي .
قال محمد بن أبي حاتم : وسمعت حاشد بن عبد الله يقول : قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر المديني : محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل ، فقال رجل من جلسائه : جاوزت الحد ، فقال أبو مصعب : لو أدركت مالكا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت : كلاهما واحد في الفقه والحديث . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا خلف بن محمد ، قال : حدثنا أبو عمرو عامر بن المنتجع ، قال : حدثنا أحمد بن الضوء ، قال : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، يقولان : ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل . أخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول : دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ، ورأيت علماءها ، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم .
ذكر عقد البخاري مجلس التحديث ببغداد وامتحان البغداديين له أخبرني الحسن بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو نصر أحمد بن أبي حامد الباهلي ، قال : سمعت إسحاق بن أحمد بن خلف ، قال : سمعت أبا علي صالح بن محمد البغدادي يقول : كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد ، وكنت أستملي له ، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا . وقال محمد بن أبي بكر : سمعت أبا صالح خلف بن محمد يقول : سمعت محمد بن يوسف بن عاصم يقول : رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد ، وكان اجتمع في مجلسه زيادة على عشرين ألف رجل . حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن الرازي ، قال : سمعت أبا أحمد بن عدي يقول : سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث ، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث ، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري ، وأخذوا الموعد للمجلس ، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ، ومن البغداديين ، فلما اطمأن المجلس بأهله ، انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث : فقال البخاري : لا أعرفه فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه ، فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه .
فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : الرجل فهم ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم . ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة ، فقال البخاري : لا أعرفه . فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه .
فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه . فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد آخر حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه . ثم انتدب له الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة ، والبخاري لا يزيدهم على : لا أعرفه .
فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم ، فقال : أما حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني فهو كذا ، والثالث والرابع على الولاء ، حتى أتى على تمام العشرة ، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها ، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل ، وكان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول : الكبش النطاح . ذكر البغداديين فضله . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن يوسف الأزدي ، قال : حدثنا أبو عمرو محمد بن عمر بن الأشعث البيكندي ، قال : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : سمعت أبي يقول : انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان : أبو زرعة الرازي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ، والحسن بن شجاع البلخي .
وأخبرني الحسن بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد بن موسى البزاز ، قال : سمعت أبا بكر عبد الرحمن بن محمد بن علويه الأبهري يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : سمعت أبي يقول : ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نصر محمد بن سعيد ، قال : سمعت محمد بن يوسف بن مطر يقول : سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم يقول : حدثني حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد ، قال : سمعت يعقوب بن إبراهيم الدورقي يقول : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة . أخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد ، قال : حدثنا أحمد بن أبي حامد الباهلي ، قال : سمعت أبا سعيد حاتم بن محمد بن حازم يقول : سمعت موسى بن هارون الحمال ببغداد يقول : عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن ينصبوا مثل محمد بن إسماعيل آخر ما قدروا عليه .
أخبرني محمد بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران الحافظ ، قال : أخبرنا عبد المؤمن بن خلف النسفي ، قال : سألت أبا علي صالح بن محمد عن محمد بن إسماعيل ، وأبي زرعة ، وعبد الله بن عبد الرحمن ، فقال : عن أي شيء تسأل ؟ فهم مختلفون في أشياء . فقلت : من أعلمهم بالحديث ؟ فقال : محمد بن إسماعيل ، وأبو زرعة أحفظهم وأكثرهم حديثا . فقلت : عبد الله بن عبد الرحمن ؟ فقال : ليس من هؤلاء في شيء .
أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : قال محمد بن العباس العصمي : حدثنا يعقوب بن إسحاق بن محمود ، قال : قال أبو علي صالح بن محمد الأسدي ، وذكر البخاري ، فقال : ما رأيت خراسانيا أفهم منه . أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الواحد المنكدري ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نعيم الضبي الحافظ ، قال : سمعت يحيى بن عمرو بن صالح الفقيه يقول : سمعت أبا العباس محمد بن عبد الرحمن الفقيه يقول : كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل [ من البسيط ] : المسلمون بخير ما بقيت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد أخبرنا أبو حازم العبدويي ، قال : سمعت محمد بن محمد بن العباس الضبي يقول : سمعت أحمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن مطر يقول : سمعت جدي محمد بن يوسف يقول : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : دخلت بغداد آخر ثمان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل ، فقال لي في آخر ما ودعته : يا أبا عبد الله ، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان ؟ قال أبو عبد الله : فأنا الآن أذكر قوله . أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب ، قال : أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، قال : أخبرني عبد الله بن محمد الفرهياني ، قال : حضرت مجلس ابن إشكاب ، فجاءه رجل ذكر اسمه من الحفاظ ، فقال : ما لنا بمحمد بن إسماعيل البخاري طاقة ، فقام وترك المجلس ، أي : أتقول هذا وأنا بالحضرة ؟ قول أهل الري فيه أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : أخبرنا خلف بن محمد ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن حريث يقول : سمعت أبا زرعة الرازي يقول ، وسألته عن ابن لهيعة ، فقال : تركه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل .
وسألته عن محمد بن حميد الرازي ، فقال : تركه أبو عبد الله ، قال محمد بن حريث : فذكرت ذلك لمحمد بن إسماعيل ، فقال : بره لنا قديم . وقال خلف : سمعت أبا بكر محمد بن حريث يقول : سمعت الفضل بن العباس الرازي ، وسألته فقلت : أيهما أحفظ ؛ أبو زرعة ، أو محمد بن إسماعيل ؟ فقال : لم أكن التقيت مع محمد بن إسماعيل ، فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد ، قال : فرجعت معه مرحلة ، قال : وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه ، فما أمكنني . قال : وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعره .
أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب الجويباري ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمر المنكدري ، قال : حدثنا إسحاق بن أحمد بن زبرك ، قال : سمعت محمد بن إدريس الرازي يقول : في سنة سبع وأربعين ومائتين يقدم عليكم رجل من أهل خراسان لن يخرج منها أحفظ منه ولا قدم العراق أعلم منه . فقدم علينا بعد ذلك محمد بن إسماعيل بأشهر . قال : وقال أبو حاتم الرازي في هذا المجلس : محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق ، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم من أهل الحديث ، ومحمد بن أسلم أورعهم ، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم .
ما حفظ عن أهل خراسان وما وراء النهر من القول فيه أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد التاجر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف بن مطر ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول : سمعت عبدان يقول : ما رأيت بعيني شابا أبصر من هذا . وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل . قال : وسمعت صالح بن مسمار يقول : سمعت نعيم بن حماد يقول : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة .
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : قال لي محمد بن سلام : انظر في كتبي فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه كي لا أرويه . ففعلت ذلك ، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل : رضي الفتى ، وفي الأحاديث الضعيفة : لم يرض الفتى ، فقال له بعض أصحابه : من هذا الفتى ؟ فقال : هو الذي ليس مثله ، محمد بن إسماعيل . وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت يحيى بن جعفر يقول : لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت ، فإن موتي يكون موت رجل واحد ، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم .
حدثني أبو النحيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : أخبرني أحمد بن علي الفارسي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا جدي محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم الوراق ، قال : سمعت سليم بن مجاهد يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي ، فقال لي : لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث ، قال : فخرجت في طلبه حتى لقيته فقلت : أنت الذي تقول : أنا أحفظ سبعين ألف حديث ؟ قال : نعم ، وأكثر منه ، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظ حفظا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر البخاري ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن يعقوب بن يوسف البيكندي ، قال : سمعت علي بن الحسين بن عاصم البيكندي يقول : قدم علينا محمد بن إسماعيل فاجتمعنا عنده ، ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أحد ، فتذاكرنا عنده ، فقال رجل من أصحابنا ، أراه حامد بن حفص : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : كأني أنظر : إلى سبعين ألف حديث من كتابي ، قال : فقال محمد بن إسماعيل : أوتعجب من هذا ؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه وإنما عنى به نفسه . أخبرنا أبو سعد الماليني قراءة ، قال : أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ ، قال : حدثني محمد بن أحمد القومسي ، قال : سمعت محمد بن حمدويه يقول : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح .
حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : أخبرني محمد بن إدريس الوراق ، قال : حدثنا محمد بن حام ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سئل محمد بن إسماعيل عن خبر حديث ، فقال : يا أبا فلان ، أتراني أدلس ؟ تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر ، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر . أخبرني أبو الوليد ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت أبا عمرو المستنير بن عتيق البكري ، قال : سمعت رجاء بن المرجى يقول : فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء ، فقال له رجل : يا أبا محمد ، كل ذلك بمرة ؟ فقال : هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض . أخبرني الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن هارون الملاحمي ، قال : حدثنا أبو ذر محمد بن محمد بن يوسف القاضي ، قال : سمعت عمر بن حفص الأشقر يقول : لما قدم رجاء بن مرجى المروزي الحافظ بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط وصار إليه مشايخنا وصرت فيمن صار إليه ، فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل فأخبرته بسلامته ، وقلت له : لعله يجيئك الساعة ، فأملى علينا وانقضى المجلس ولم يجئ أبو عبد الله .
فلما كان اليوم الثاني لم يجئه ، فلما كان اليوم الثالث قال رجاء : إن أبا عبد الله لم يرنا أهلا للزيارة ، فمروا بنا إليه نقضي حقه ، فإني على الخروج ، وكان كالمترغم عليه ، فجئنا بجماعتنا إليه ودخلنا على أبي عبد الله ، وسأل به ، فقال له رجاء : يا أبا عبد الله ، كنت بالأشواق إليك وأشتهي أن تذكر شيئا من الحديث ، فإني على الخروج ، قال : ما شئت ، فألقى عليه رجاء شيئا من حديث أيوب ، وأبو عبد الله يجيب إلى أن سكت رجاء عن الإلقاء ، فقال لأبي عبد الله : ترى بقي شيء لم نذكره ؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي ويقول رجاء : من روى هذا ؟ وأبو عبد الله يجيء بإسناده ، إلى أن ألقى قريبا من بضعة عشر حديثا أو أكثر أعدها ، وتغير رجاء تغيرا شديدا ، وحانت من أبي عبد الله نظرة إلى وجهه فعرف التغير فيه فقطع الحديث ، فلما خرج رجاء قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل : أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيته ، إلا أني خشيت أن يدخله شيء فأمسكت . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا خلف بن محمد ، قال : حدثنا أبو عمرو نصر بن زكريا المروزي ، قال : سمعت أبا رجاء قتيبة بن سعيد يقول : شباب خراسان أربعة : محمد بن إسماعيل ، وعبد الله بن عبد الرحمن ، وزكريا بن يحيى اللؤلئي ، والحسن بن شجاع البلخي . وقال خلف : حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلف ، قال : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الترمذي يقول : كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فلما قام من عنده قال : يا أبا عبد الله ، جعلك الله زين هذه الأمة ، قال أبو عيسى : فاستجيب له فيه .
أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قال : أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة السنجي المروزي ، قال : أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب ، قال : حدثنا أبو عيسى الترمذي ، قال : ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل . أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، قال : أخبرني محمد بن عبد الله الضبي في كتابه ، وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الواحد المروروذي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن نعيم الضبي الحافظ ، قال : سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد المذكر يقول : سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول : ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن سعيد ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد يقول : رأيت عمرو بن زرارة ومحمد بن رافع عند محمد بن إسماعيل وهما يسألان عن علل الحديث ، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس : لا تخدعوا عن أبي عبد الله ، فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر .
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت حاشد بن إسماعيل يقول : رأيت إسحاق بن راهويه جالسا على السرير ومحمد بن إسماعيل معه ، فأنكر عليه محمد بن إسماعيل شيئا ، فرجع إلى قول محمد ، وقال إسحاق بن راهويه : يا معشر أصحاب الحديث ، انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه ، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه . أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : أخبرنا خلف بن محمد ، قال : سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول : محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيره بعشرين درجة ، قال أبو عمرو الخفاف : ومن قال في محمد بن إسماعيل شيئا فمني عليه ألف لعنة . قال : وسمعت أبا عمرو الخفاف يقول : لو دخل محمد بن إسماعيل البخاري من هذا الباب لملئت منه رعبا ، يعني لا أقدر أن أحدث بين يديه .
وقال خلف : سمعت أبا عمرو الخفاف يقول : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي العالم الذي لم أر مثله . أخبرني الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن يوسف الشافعي وخلف بن محمد ، قالا : سمعنا أبا جعفر محمد بن يوسف بن الصديق الوراق يقول : سمعت عبد الله بن حماد الآملي يقول : وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل . قرأت على الحسين بن محمد أخي الخلال ، عن أبي سعد الإدريسي ، قال : حدثني محمد بن حام بن ناقب البخاري بسمرقند ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفربري ، قال : حدثنا محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعت علي بن حجر يقول : أخرجت خراسان ثلاثة : أبا زرعة الرازي بالري ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى ، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند ؛ ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم .
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : أخبرني أبو بكر محمد بن خالد المطوعي ببخارى ، قال : أخبرنا مسبح بن سعيد البخاري ، قال : سمعت عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي يقول : قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراقين فما رأيت فيهم أجمع من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب ، قال : حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلف ، قال : سمعت العباس بن سورة يقول : سمعت أبا جعفر عبد الله ابن محمد الجعفي المسندي يقول : محمد بن إسماعيل إمام فمن لم يجعله إماما فاتهمه . أخبرنا أبو حازم العبدويي ، قال : سمعت الحسن بن أحمد الزنجويي يقول : سمعت أحمد بن حمدون الحافظ يقول : كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ومعنا أبو عبيدة ، فقال محمد بن إسماعيل : حدثنا ابن أبي أويس ، قال : حدثني أخي أبو بكر عن سليمان بن بلال ، عن عبيد الله ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، القصة ، بطوله ، فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة ، قال : حدثني سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، فقال له مسلم : في الدنيا أحسن من هذا الحديث ؟ ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن سهيل ، يعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا ؟ قال محمد : لا ، إلا أنه معلول ، فقال مسلم : لا إله إلا الله ، وارتعد ، قال : أخبرني به ، قال : استر ما ستر الله ، فإن هذا حديث جليل رواه الخلق عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج فألح عليه وقبل رأسه وكاد أن يبكي مسلم ، فقال له أبو عبد الله : اكتب إن كان لا بد : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثني موسى بن عقبة ، عن عون بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفارة المجلس ، فقال له مسلم : لا يبغضك إلا حاسد ، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك .
أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول : سمعت أبي يقول : رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي محمد بن إسماعيل البخاري وهو يسأله سؤال الصبي المتعلم . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ، قال : حدثنا أبو الحسن عبد الله بن موسى بن الحسين البغدادي ، قال : حدثنا عبد المؤمن بن خلف التميمي ، قال : سمعت الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل يقول : ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل ومسلم الحافظ لم يكن يبلغ محمد بن إسماعيل ، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم يستمعون إلى محمد بن إسماعيل أي شيء يقول يجلسون بجنبه ، فذكرت له قصة محمد بن يحيى ، فقال : ما له ولمحمد بن إسماعيل ، كان محمد بن إسماعيل أمة من الأمم ، وكان أعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا ، وكان محمد بن إسماعيل دينا فاضلا يحسن كل شيء . حدثني أبو النجيب الأرموي ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، قال : حدثني أحمد بن علي السليماني ، قال : حدثني أحمد بن محمد القارئ ، قال : سمعت أبا حسان مهيب بن سليم يقول : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : الحامد والذام عندي سواء .
ذكر قصة البخاري مع محمد بن يحيى الذهلي بنيسابور أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، قال : سمعت محمد بن حامد البزاز يقول : سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول : سمعت محمد بن يحيى يقول : لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه . قال : فذهب الناس إليه وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى ، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه . أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب ، قال : أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار ، قال : حدثني محمد بن خشنام ، وسمعته يقول : سئل محمد بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظ ، فقال : حدثني عبيد الله بن سعيد ، يعني أبا قدامة ، عن يحيى بن سعيد ، قال : أعمال العباد كلها مخلوقة .
فمرقوا عليه ، قال : فقالوا له بعد ذلك : ترجع عن هذا القول حتى يعودوا إليك ؟ قال : لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي . وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته . أخبرني محمد بن علي بن أحمد المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفربري ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول : أما أفعال العباد فمخلوقة ، فقد حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا أبو مالك ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يصنع كل صانع وصنعته .
قال أبو عبد الله : وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول : سمعت يحيى بن سعيد يقول : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة . قال أبو عبد الله البخاري : حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم ، مخلوقة . فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب ، فهو كلام الله ليس بخلق ، قال الله تعالى : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أخبرنا أبو حازم العبدويي ، قال : سمعت الحسن بن أحمد بن شيبان يقول : سمعت أبا حامد الأعمشي يقول : رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم كأنه يقرأ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى : ألا من يختلف إلى مجلسه لا يختلف إلينا ، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ونهيناه فلم ينته ، فلا تقربوه ، ومن يقربه فلا يقربنا .
فأقام محمد بن إسماعيل هاهنا مدة وخرج إلى بخارى . أخبرنا أبو سعيد محمد بن حسنويه بن إبراهيم الأبيوردي ، قال : أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون ، قال : سمعت أبا حامد ابن الشرقي يقول : سمعت محمد بن يحيى يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته ، وحيث يتصرف ، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج عن الإيمان وبانت منه امرأته ، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئا بين المسلمين ، ولم يدفن في مقابر المسلمين . ومن وقف فقال : لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم ، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه .
أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل ، قال : سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف ببخارى يقول : كنا يوما عند أبي إسحاق القيسي ، ومعنا محمد بن نصر المروزي ، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري ، فقال محمد بن نصر : سمعته يقول : من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أقله . فقلت له : يا أبا عبد الله ، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه ؟ فقال : ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه . قال أبو عمرو الخفاف : فأتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه ، فقلت : يا أبا عبد الله ، هاهنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة .
فقال : يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك : من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والمدينة ومكة والبصرة أني قلت : لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو كذاب ، فإني لم أقل هذه المقالة إلا أني قلت : أفعال العباد مخلوقة . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ، قال : حدثنا أبو نصر أحمد بن سهل بن حمدويه ، قال : حدثنا أبو العباس الفضل بن بسام ، قال : سمعت إبراهيم بن محمد يقول : أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل لما أن مات بخرتنك أردت حمله إلى مدينة سمرقند أن أدفنه بها فلم يتركني صاحب لنا فدفناه بها ، فلما أن فرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه ، قال لي صاحب القصر : سألته أمس قلت : يا أبا عبد الله ، ما تقول في القرآن ؟ فقال : القرآن كلام الله غير مخلوق . قال : فقلت له : إن الناس يزعمون أنك تقول : ليس في المصاحف قرآن ولا في صدور الناس .
فقال : استغفر الله أن تشهد علي بشيء لم تسمعه مني ، أقول كما قال الله تعالى : وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ أقول في المصاحف قرآن وفي صدور الناس قرآن ، فمن قال غير هذا يستتاب ، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر . ذكر خبر البخاري مع خالد بن أحمد الأمير بعد عوده إلى بخارى أخبرني الحسن بن محمد الأشقر ، قال : أخبرنا محمد بن أبي بكر الحافظ ، قال : سمعت أبا عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ يقول : سمعت أبا سعيد بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول : بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع منك . فقال محمد بن إسماعيل لرسوله : أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس ، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري ، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة ، لأني لا أكتم العلم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار .
قال : فكان سبب الوحشة بينهما هذا . أخبرني محمد بن علي بن أحمد المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : سمعت محمد بن العباس الضبي يقول : سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول : كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري البلد ، يعني بخارى ، أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير ، خليفة الطاهرية ببخارى ، سأل أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده فامتنع أبو عبد الله عن الحضور عنده ، فراسله أن يعقد مجلسا لأولاده لا يحضره غيرهم ، فامتنع عن ذلك أيضا ، وقال : لا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون قوم ، فاستعان خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه ونفاه عن البلد ، فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ، فقال : اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم . فأما خالد فلم يأت عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الطاهرية بأن ينادى عليه ، فنودي عليه وهو على أتان ، وأشخص على أكاف ثم صار عاقبة أمره إلى ما قد اشتهر وشاع ؛ وأما حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي بأهله فرأى فيها ما يجل عن الوصف ؛ وأما فلان أحد القوم ، وسماه ، فإنه ابتلي بأولاده وأراه الله فيهم البلايا .
حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن الرازي ، قال : سمعت أبا أحمد بن عدي الحافظ الجرجاني يقول : سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول : جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك ، قرية من قرى سمرقند ، على فرسخين منها ، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم ، قال : فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في دعائه : اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك . قال : فما تم الشهر حتى قبضه الله تعالى ، وقبره بخرتنك . أخبرنا علي بن أبي حامد الأصبهاني في كتابه ، قال : حدثنا محمد بن محمد بن مكي الجرجاني ، قال : سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع ، ذكره ، فسلمت عليه فرد السلام ، فقلت : ما وقوفك يا رسول الله ؟ فقال : أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري .
فلما كان بعد أيام بلغني موته ، فنظرنا فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها . أخبرني أبو الوليد الدربندي ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الحافظ ، قال : حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ ، وأبو عبيد أحمد بن عروة بن أحمد بن إبراهيم ، قالا : سمعنا أبا الحسن مهيب بن سليم بن مجاهد يقول : توفي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ليلة السبت ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين .