محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب بن مروان
محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب بن مروان ، أبو العلاء الواسطي . أصله من فم الصلح ، ونشأ بواسط ، وحفظ بها القرآن ، وقرأ على شيوخها في وقته ، وكتب بها أيضا الحديث من أبي محمد ابن السقاء وغيره ، ثم قدم بغداد فسمع من ابن مالك القطيعي ، وأبي محمد بن ماسي ، وأبي القاسم الآبندوني ، ومخلد بن جعفر الباقرحي ، وطبقتهم . ورحل إلى الكوفة فسمع من أبي الحسن بن أبي السري ، وغيره من أصحاب مطين .
ورحل إلى الدينور فكتب عن أبي علي بن حبش ، وقرأ عليه القرآن بقراءات جماعة . ثم رجع إلى بغداد فاستوطنها ، وقبلت شهادته عند الحكام ، ورد إليه القضاء بالحريم من شرقي بغداد وبالكوفة ، وبغيرها من سقي الفرات . وكان قد جمع الكثير من الحديث ، وخرج أبوابا وتراجم وشيوخا ، كتبت عنه منها منتخبا .
وكان أهل العلم بالقراءات ممن أدركناه يقدحون فيه ويطعنون عليه فيما يرويه ، ويذكرون أنه روى عن ابن حبش رواية لم تكن عنده ، وزعم أنه قرأ بها عليه . وسمعت أبا يعلى محمد بن الحسين السراج - وكان أحد من يرجع إليه في شأن القراءات وعلم رواياتها - يذكره ذكرا غير جميل . وحدثني أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن علي الصيرفي ، قال : كان عبد السلام البصري قد قرأ على أبي علي الفارسي معاني القرآن عن أبي إسحاق الزجاج ، ووقعت إلي النسخة فلم أجد لأبي العلاء فيها سماعا إلا في المجلس الأول ، فذُكر ذلك لأبي العلاء فقال : أنا قرأت الكتاب كله على أبي علي من نسخة أخرى .
قال أبو الفضل : ولم يُقرأ كتاب المعاني على أبي علي الفارسي غير دفعة واحدة ، وسمعه الناس منه مع عبد السلام البصري . ورأيت لأبي العلاء أصولا عتقا سماعه فيها صحيح وأصولا مضطربة ، وسمعته يذكر أن عنده تاريخ شباب العصفري فسألته إخراج أصله به لأقرأه عليه فوعدني بذلك . ثم اجتمعت مع أبي عبد الله الصوري فتجارينا ذكره فقال لي : لا ترد أصله بتاريخ شباب فإنه لا يصلح لك .
قلت : وكيف ذاك ؟ فذكر أن أبا العلاء أخرج إليه الكتاب فرآه قد سمع فيه لنفسه تسميعا طريا ، مشاهدته تدل على فساده . وذاكرت أبا العلاء يوما بحديث كتبته عن أبي نعيم الحافظ عن أبي محمد ابن السقاء ، فقال : قد سمعت هذا الحديث من ابن السقاء وكتبه عني عبد الله بن بكير ، وكتاب ابن بكير عندي ، فسألته إخراجه إلي فوعدني بذلك . ثم أخرجه إلي بعد أيام وإذا جزء كبير بخط ابن بكير قد كتب فيه عن جماعة من الشيوخ ، وقد علق عن أبي العلاء فيه الحديث ، ونظرت في الجزء فإذا ضرب طري على تسميع من بعض أولئك الشيوخ ، ظننت أن أبا العلاء كان قد ألحق ذلك التسميع لنفسه ، ثم لما أراد إخراج الجزء إلي خشي أن أستنكر التسميع لطراوته فضرب عليه .
ورأيت له أشياء سماعه فيها مفسود إما محكوك بالسكين أو مصلح بالقلم . ثم قرأت عليه حديثا من المسلسلات فقال : هذا الحديث عندي بعلو من طريق غير هذا ، فسألته إخراجه فأخرجه إلي في رقعة بخطه ، وقرأه علي من لفظه فقال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثنا أبو الربيع الزهراني ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني مالك ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني نافع وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني ابن عباس ، وهو آخذ بيدي ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي : من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده . فلما قرأه علي استنكرته وأظهرت التعجب منه وقلت له : هذا الحديث من هذا الطريق غريب جدا ، وأراه باطلا .
فذكر أن له به أصلا نقله منه إلى الرقعة ، وأن الأصل قريب إليه ، لا يتعذر إخراجه عليه ، واعتل بأن له شغلا يمنعه عن إخراجه في ذلك الوقت ، فسألته أن يخرجه بعد فراغه من شغله فأجاب إلى أنه يفعل ذلك ، وانصرفت من عنده فالتقيت ببعض من كان يختص به ، فذكرت له القصة ، وقلت : هذا حديث موضوع على أبي يعلى الموصلي ، وكنت قد سمعته من غير أبي العلاء بنزول ، وقلت : ما أظن القاضي إلا قد وقع إليه نازلا من الطريق الموضوع ، فركبه وألزقه في روايته فحدث به عن عبد الله بن محمد بن عثمان المعروف بابن السقاء ، فلما كان بعد أسبوع اجتمعت معه ، فقال لي : قد طلبت أصل كتابي بالحديث ، وتعبت في طلبه فلم أجده ، وهو مختلط بين كتبي ، فسألته أن يعيد طلبه إياه . فقال : أنا أفعل . ومكثت مدة أقتضيه به وهو يحتج بأنه ليس يجده ، ثم قال لي : أيش قدر هذا الحديث ؟ وكم عندي مثله يروى عني ؟ فما سمعني غيره .
وسئل أبو العلاء بعد إنكاريه عليه أن يحدث به فامتنع ولم يروه أحد بعدي والله أعلم . حدثني القاضي أبو العلاء بعد هذه القصة التي شرحتها بمدة طويلة من أصل كتابه وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني أبو الطيب أحمد بن علي بن محمد الجعفري ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسين الفقيه الشافعي الصوفي ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عاصم المعروف بابن المقرئ بأصبهان ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثنا أبو يعلى الموصلي ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثنا أبو الربيع الزهراني ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني مالك ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني نافع ، وهو آخذ بيدي ، قال : حدثني ابن عباس ، وهو آخذ بيدي ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي : من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده . فلما حدثني أبو العلاء بهذا الحديث قال لي : كنت سمعت من أبي محمد ابن السقاء حديث أبي يعلى الموصلي عن أبي الربيع الزهراني كله ، ثم كتبت هذا الحديث عن الجعفري فظننته في جملة ما سمعته من ابن السقاء عن أبي يعلى فرويته عنه .
فأعلمت أبا العلاء أنه حديث موضوع لا أصل له . فقال : لا يروى عني غير حديث الجعفري هذا . ورأيت بخط أبي العلاء عن بعض الشيوخ المعروفين حديثا استنكرته ، وكان متنه طويلا موضوعا مركبا على إسناد واضح صحيح عن رجال ثقات أئمة في الحديث ، فذاكرت به أبا عبد الله الصوري فقال لي : قد رأيت هذا الحديث في كتاب أبي العلاء واستنكرته ، فعرضته على حمزة بن محمد بن طاهر ، فقال لي : اطلب من القاضي أصلا به ، فإنه لا يقدر على ذلك .
وكانت مذاكرتي به الصوري بعد مدة من وفاة حمزة رحمه الله . أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي من كتابه في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة ، قال : أحبرنا عبد الله بن موسى السلامي الشاعر بفائدة ابن بكير ، قال : حدثني أبو علي مفضل بن الفضل الشاعر ، قال : حدثني خالد بن يزيد الشاعر ، قال : حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الشاعر ، قال : حدثني صهيب ابن أبي الصهباء الشاعر ، قال : حدثني الفرزدق الشاعر ، قال : حدثني عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر ، قال : حدثني أبي حسان بن ثابت الشاعر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهج المشركين وجبريل معك . وقال لي : إن من الشعر حكمة .
أفدت هذا الحديث عن أبي العلاء جماعة من أصحابنا البغداديين والغرباء مع تعجبي منه ، فإن عبد الله بن موسى السلامي صاحب عجائب وطرائف ، وكان موطنه وراء نهر جيحون ، وحدث ببخارى وسمرقند وتلك النواحي ، ولم ألحق بخراسان من سمع منه ، ولا علمت أنه قدم بغداد . فلما حدثني عنه أبو العلاء جوزت أن يكون ورد إلينا حاجا فظفر به أبو عبد الله بن بكير وسمع معه أبو العلاء منه ، ولم يتسع له المقام حتى يروي ما يشتهر به حديثه وتظهر عندنا رواياته . فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ، وقع إلي جزء بخط أبي عبد الله بن بكير قد كان جمع فيه أحاديث مسندة لجماعة من الشعراء وكتبها بخطه ، فوجدت في جملتها بخط ابن بكير : حدثني الحسن بن علي بن طاهر أبو علي الصيرفي ، قال : أخبرني عبد الله بن موسى السلامي الشاعر مشافهة ، قال : حدثني أبو علي مفضل بن الفضل الشاعر بالحديث الذي ذكرته عن أبي العلاء عن السلامي بعينه ، بسياقه ولفظه .
وكان في الجزء حديث آخر عن ابن طاهر الصيرفي أيضا عن السلامي ، ذكر ابن الطاهر أن السلامي أخبرهم به مناولة ، فأوقفت على كتاب ابن بكير جماعة من شيوخنا وأصحابنا ، وشرحت هذه القصة لأبي القاسم التنوخي فاجتمع مع أبي العلاء ، وقال له : أيها القاضي ، لا ترو عن عبد الله بن موسى السلامي ، فإن هذا الشيخ حدث بنواحي بخارى ولم يرد بغداد . فقال أبو العلاء : ما رأيت هذا السلامي ولا أعرفه . مات أبو العلاء في ليلة الإثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، ودفن يوم الثلاثاء في داره وصليت عليه .
وحدثني من سمعه يقول : ولدت لعشر خلون من صفر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة .