محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان
محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان ، أبو عبد الله الضرير ، مولى أبي جعفر المنصور ، ويعرف بأبي العيناء . أصله من اليمامة ، ومولده بالأهواز ، ومنشؤه بالبصرة ، وبها كتب الحديث وطلب الأدب ، وسمع من أبي عبيدة معمر بن المثنى ، وأبي سعيد الأصمعي ، وأبي عاصم النبيل ، وأبي زيد الأنصاري ، ومحمد بن عبيد الله العتبي ، وغيرهم . وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانا وأسرعهم جوابا وأحضرهم نادرة ، وقيل : إن بصرة كف وقد بلغ أربعين سنة ، وانتقل من البصرة إلى بغداد فسكنها وكتب عنه أهلها .
وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، وأبو عبد الله الحكيمي ، ومحمد بن يحيى الصولي ، ومحمد بن العباس بن نجيح ، وأبو بكر الأدمي القارئ ، وأحمد بن كامل القاضي وغيرهم . ولم يسند من الحديث إلا القليل ، والغالب على رواياته الأخبار والحكايات . أخبرني علي بن أيوب القمي ، قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : أخبرني علي بن يحيى ، قال : أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر ، عن أبيه ، عن محمد بن صالح بن النطاح مولى بني هاشم ، قال : حدثني أبي ، قال : طلب المنصور رجالا ليكونوا بوابين له ، فقيل له : إنه لا يضبط هذا إلا قوم لئام الأصول أنذال النفوس صلاب الوجوه ، ولا تجدهم إلا في رقيق اليمامة .
فكتب إلى السري بن عبد الله الهاشمي ، وكان واليه على اليمامة ، فاشترى له مائتي غلام من اليمامة ، فاختار بعضهم فصيرهم بوابين ، وبقي الباقون ، فكان ممن بقي خلاد جد أبي العيناء وحسان جد إبراهيم بن عطاء وجد أحمد بن الحارث الخراز راوية المدائني . أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب ، قال : حدثني جدي محمد بن عبيد الله بن قفرجل ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء ، قال : دعا المنصور جدي خلادا وكان مولاه ، فقال له : أريدك لأمر قد همني ، وقد اخترتك له ، وأنت عندي كما قال أبو ذؤيب الهذلي : ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر فقال له : أرجو أن أبلغ رضى أمير المؤمنين . فقال : صر إلى المدينة على أنك من شيعة عبد الله بن حسن وابذل له الأموال واكتب إلي بأنفاسه وأخبار ولده ، فأرضاه ثم علم عبد الله بن حسن أنه أتي من قبله ، فدعا عليه وعلى نسله بالعمى .
قال : فنحن نتوارث ذاك إلى الساعة . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح ، قال : حدثنا محمد بن القاسم النحوي أبو عبد الله ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن أبي الهندي ، عن أنس ، قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بطائر فقال : اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي . فجاء علي ، فحجبته مرتين ، فجاء في الثالثة فأذنت له ، فقال : يا علي ما حسبك ؟ قال : هذه ثلاث مرات قد جئتها فحجبني أنس ، قال : لم يا أنس ؟ قال : سمعت دعوتك يا رسول الله فأحببت أن يكون رجلا من قومي .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الرجل يحب قومه . غريب بإسناده لم نكتبه إلا من حديث أبي العيناء محمد بن القاسم عن أبي عاصم ، وأبو الهندي مجهول واسمه لا يعرف . أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمل المالكي ، قال : قال لنا أبو الحسن الدارقطني : أبو العيناء ليس بقوي في الحديث .
أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي ، قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن الحسين بن علي بن العباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت ويعرف بالنوبختي ، قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن سليمان الجوهري البصري ، المعروف بجوذاب ، قال : قدم أبو العيناء واسمه محمد بن القاسم بن خلاد أبو عبد الله اليمامي البصرة في سنة ثمانين ومائتين فنزل دار الحويتي في سكة ابن سمرة ، فكنا نصير إليه نجالسه ونسمع كلامه ونكتب ما يجري في المجلس من أخباره ، فسأله رجل فقال : يا أبا عبد الله : كيف كنيت أبا العيناء ؟ قال : قلت لأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري : يا أبا زيد ، كيف تصغر عينا ؟ فقال : عيينا يا أبا العيناء ، فلحقت بي منذ ذاك . حدثنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز ، وأبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر المعدل ، وأبو العلاء محمد بن الحسن الوراق ، قالوا : أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، قال : حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم ، قال : أتيت عبد الله بن داود الخريبي ، فقال : ما جاء بك ؟ قلت : الحديث . قال : اذهب فتحفظ القرآن .
قال : قلت : قد حفظت القرآن . قال : اقرأ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ قال : فقرأت العشر حتى أنفدته . قال : فقال لي : اذهب الآن فتعلم الفرائض .
قال : قلت : قد تعلمت الصلب والجد والكبر . قال : فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو ابن عمك ؟ قال : قلت : ابن أخي . قال : ولم ؟ قال : لأن أخي من أبي وعمي من جدي .
قال : اذهب الآن فتعلم العربية . قال : قلت : علمتها قبل هذين . قال : فلم قال عمر بن الخطاب - يعني حين طعن : يالَ الله ، يالِ المسلمين ، لم فتح تلك وكسر هذه ؟ قال : قلت : فتح تلك اللام على الدعاء ، وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار .
قال : فقال : لو حدثت أحدا حدثتك . واللفظ لأبي الفرج . أخبرني الحسين بن علي الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب ، قال : حدثني علي بن محمد الوراق ، قال : حدثني علي بن سليمان الأخفش ، قال : سمعت أبا العيناء يقول : كنت في أيام الواثق مقيما بالبصرة ، فكنت يوما في الوراقين بها إذ رأيت مناديا مغفلا في يده مصحف مخلق الأداة ، فقلت له : ناد عليه بالبراءة مما فيه ، وأنا أعني به أداته ، فأقبل المنادي ينادي ، بذلك فاجتمع أهل السوق والمارة على المنادي وقالوا له : يا عدو الله ، تنادي على مصحف بالبراءة مما فيه ؟ قال : وأوقعوا به ، فقال لهم : ذلك الرجل القاعد أمرني بذلك .
قال : فتركوا المنادي وأقبلوا إلي وتجمعوا علي ورفعوني إلى الوالي وعملوا علي محضرا وكتب في أمري إلى السلطان ، فأمر بحملي ، فحملت مستوثقا مني . قال : واتصل خبري بأبي عبد الله بن أبي دؤاد ، فتكفل بأمري والفحص عما قرفت به ، وأخذني إليه ، ففك وثاقي . قال : وتجمعت العامة وبالغوا في التشنيع علي ومتابعة رفع القصص في أمري ، فقلت لابن أبي دؤاد : قد كثر تجمع هؤلاء الهمج علي وهم كثير ، فقال : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ فقلت : قد بالغوا في التشنيع علي .
فقال : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ قلت : فإني على غاية الخوف من كيدهم ، ولن يخرج أمري عن يدك . فقال : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فقلت : القاضي ، أعزه الله ، كما قال الصموت الكلابي [ من الكامل ] : لله درك أي جنة خائف ومتاع دنيا أنت للحدثان متخمط يطأ الرجال مكبة وطء الفنيق دوارج القردان ويكبهم حتى كأن رؤوسهم مأمونة تنحط للغربان ويفرج الباب الشديد رتاجه حتى يصير كأنه بابان قال : يا غلام الدواة والقرطاس ، اكتب هذه الأبيات عن أبي عبد الله . قال : فكتبت له ، ولم يزل يلطف في أمري حتى تخلصني .
أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : قال أبو العيناء : قال لي ابن أبي دؤاد : ما أشد ما أصابك في ذهاب بصرك ؟ قلت : خلتان ، يبدؤني قومي بالسلام وكنت أحب أن أبتدئهم ، وإني ربما حدثت المعرض عني وكنت أحب أن أعرف ذاك فأقطع عنه حديثي . قال : أما من ابتدأك بالسلام فقد كافأته بحسن النية ، وأما من أعرض عن حديثك فما أكسب نفسه من سوء الأدب أكثر مما وصل إليك من سوء اجتماعه . أخبرني علي بن أيوب القمي ، قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : قال لي المتوكل : قد أردتك لمجالستي .
فقلت : لا أطيق ذاك ، وما أقول هذا جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف ، ولكني رجل محجوب ، والمحجوب تختلف إشارته ويخفى عليه إيماؤه ، ويجوز علي أن أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض ، وبكلام راض ووجهك غضبان ، ومتى لم أميز هذين هلكت . فقال : صدقت ، ولكن تلزمنا . فقلت : لزوم الفرض الواجب .
فوصلني بعشرة آلاف درهم . قال : وروي أن المتوكل قال : أشتهي أن أنادم أبا العيناء ، لولا أنه ضرير . فقال أبو العيناء : إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة ونقش الخواتيم ، فإني أصلح .
أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل ، قال : حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : أنشدنا أحمد بن أبي طاهر لنفسه في أبي العيناء محمد بن القاسم [ من مجزوء الكامل ] : كنا نخاف من الزما ن عليك إذ عمى البصر لم ندر أنك بالعمى تغنى ويفتقر البشر أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا الجريري ، قال : حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني محمد بن المرزبان ، قال : قال لي أبو العيناء الضرير : مدحني أبو العالية [ من الخفيف ] : كتبت لابن قاسم مأثرات فهو للخير صاحب وقرين أحول العين والمودة زين لا أحولال بها ولا تلوين ليس للمرء شائنا حول العـ ـين إذا كان فعله لا يشين قال أبو بكر : قال لي محمد بن المرزبان : فقلت لأبي العيناء : يا أبا عبد الله ، وكنت قبل أن يذهب بصرك أحول ؟ من حول إلى عمى ؟ من سقم إلى بلاء ؟ فقال لي : ما صعد إلى السماء اليوم أشنع من هذا ، ابن المرزبان يتنادر على أبي العيناء ! أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران الكاتب ، قال : حدثني محمد بن أبي الأزهر ، قال : حدثني أبو العيناء محمد بن القاسم ، قال : كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي : أريد الخروج إلى فلان العامل ، وأحببت أن يكون معي إليه وسيلة ، وقد سألت مَن صديقه ؟ فقيل لي : أبو عثمان الجاحظ ، وهو صديقك ، فأحب أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية . قال : فصرت إلى الجاحظ ، فقال لي : في أيشيء جاء أبو عبد الله ؟ فقلت : مسلما وقاضيا للحق ، وفي حاجة لبعض أصدقائي ، وهي كذا وكذا . فقال : لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا ، إذا كان في غد وجهت إليك بهذا الكتاب .
فلما كان من الغد وجه إلي بالكتاب ، فقلت لابني : وجه بهذا الكتاب إلى فلان ففيه حاجته ، فقال لي : إن أبا عثمان بعيد الغور فينبغي أن نفضه وننظر ما فيه ، ففعل ، فإذا فيه : كتابي إليك مع من لا أعرفه ، فقد كلمني فيه من لا أوجب حقه ، فإن قضيت حاجته لم أحمدك ، وإن رددته لم أذممك . فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري ، فقال : يا أبا عبد الله ، قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب . فقلت : أوليس موضع نكرة ؟ فقال : لا ، هذه علامة بيني وبين الرجل فيمن اعتني به .
فقلت : لا إله إلا الله ، ما رأيت أحدا أعلم بطبعك ولا بما جبلت عليه من هذا الرجل ، علمت أنه لما قرأ الكتاب قال : أم الجاحظ عشرة آلاف في عشرة آلاف ، وأم من يسأله حاجة . فقلت : يا هذا تشتم صديقنا ؟ فقال : هذه علامتي فيمن أشكره ! وأخبرني الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران ، قال : حدثني عبد الواحد بن محمد الخصيبي ، قال : حدثني أبو يوسف عبد الرحمن بن محمد الكاتب ، قال : كان الجاحظ يتقلد في خلافة إبراهيم بن العباس على ديوان الرسائل ، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو العيناء ، فلما أراد أن يخرج من عنده تقدم إلى من يحجبه أن لا يدعه يخرج ولا يدعه يرجع إليه إن أراد الرجوع ، فخرج أبو العيناء يريد الانصراف فمنع من الخروج ومن الرجوع إلى الجاحظ ، فنادى أبو العيناء بأعلى صوته : يا أبا عثمان قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك . أخبرني أبو بكر البرقاني ، قال : أخبرنا محمد بن العباس الخزاز ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، قال : كتب أبو العيناء إلى صديق له ولي ولاية : أما بعد ، فإني لا أعظك بموعظة الله لأنك عنها غني ، ولا أخوفك إياه لأنك أعلم به مني ، ولكني أقول كما قال الأول [ من الطويل ] : أحار ابن بدر قد وليت ولاية فكن جرذا فيها تخون وتسرق وكاثر تميما بالغنى إنما الغنى لسان به المرء الهيوبة ينطق واعلم أن الخيانة فطنة ، والأمانة حرفة ، والجمع كيس ، والمنع صرامة ، وليس كل يوم ولاية ، فاذكر أيام العطلة ، ولا تحقرن صغيرا فإن من الذود إلى الذود إبلا ، والولاية رقدة فتنبه قبل أن تُنبه ، وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر ، وما هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه ، ولكن رأيت الحزم في أخذ العاجل وترك الآجل .
أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الخاركي البصري ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن القاسم المعروف بأبي العيناء يعزي جدي أبا بكر بن أبي عدي على زوجته فاطمة بنت الحسن بن عمران بن ميسرة ، فقال : إذا كان سيدنا إدام الله عزه ، البقية ، ودفعت عنه الرزية ، كانت التعزية تهنئة ، والمصيبة نعمة . ثم جلس وأنشد [ من السريع ] : نحن ومن في الأرض نفديكا لا زلت تبقى ونعزيكا أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، قال : أنشدنا محمد بن القاسم أبو العيناء [ من الطويل ] : لعمرك ما حق امرئ لا يعد لي على نفسه حقا علي بواجب وما أنا للنائي علي بوده بودي وصافي خلتي بمقارب ولكنه إن مال يوما بجانب من الصد والهجران ملت بجانبي أخبرني الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران ، قال : حدثني علي بن محمد الوراق ، قال : قال ابن وثاب لأبي العيناء : أنا والله أحبك بكليتي . فقال : إلا عضوا واحدا ؟ فبلغ ذلك ابن أبي دؤاد ، فقال : لقد وفق في التحديد عليه .
أخبرني علي بن أيوب ، قال : أخبرنا المرزباني ، قال : حدثني محمد بن أحمد الكاتب ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : قال لي المنتصر يوما : ما أحسن الجواب ؟ فقلت : ما أسكت المبطل وحير المحق . فقال : أحسنت والله . أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، وأحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قالا : أخبرنا محمد بن جعفر التميمي ، قال : أخبرنا أبو بكر الصولي ، عن أبي العيناء ، قال : كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها أني مررت بسوق النخاسين يوما فرأيت غلاما ينادى عليه وقد بلغ ثلاثين دينارا ، وهو يساوي ثلاثمائة دينار ، فاشتريته وكنت أبني دارا ، فدفعت إليه عشرين دينار على أن ينفقها على الصناع ، فجاءني بعد أيام يسيرة فقال : قد نفدت النفقة .
فقلت : هات حسابك ، فرفع حسابا بعشرة دنانير . قلت : فأين الباقي ؟ قال : اشتريت به ثوبا مصمتا وقطعته . قلت : ومن أمرك بهذا ؟ فقال : يا مولاي لا تعجل ، فإن أهل المروءات والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلا يعود بالدين على مواليهم .
فقلت في نفسي : أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم . قال : وكانت في نفسي امرأة أردت أن أتزوجها سرا من ابنة عمي ، فقلت له يوما : أفيك خير ؟ قال : إي لعمري . فأطلعته على الخبر .
فقال : أنا نعم العون لك . فتزوجت المراة ودفعت إليه دينار ، فقلت له : اشتر لنا كذا وكذا ويكون فيما تشريته سمك هازبى ؟ فمضى ورجع وقد اشترى ما أردت ، إلا أنه اشترى سمكا مارماهى ، فغاظني ، فقلت له : أليس أمرتك أن تشتري هازبى ؟ قال : بلى ، ولكني رأيت بقراط يقول : إن الهازبى يولد السوداء ، ويصف المارماهى ويقول : إنه أقل غائلة . فقلت له : يا ابن الفاعلة أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس ، وقمت إليه فضربته عشر مقارع ، فلما فرغت من ضربه أخذني وأخذ المقرعة فضربني سبع مقارع ، وقال : يا مولاي الأدب ثلاث ، والسبع فضل ، ولذلك قصاص ، فضربتك هذه السبع المقارع خوفا عليك من القصاص يوم القيامة .
قال : فغاظني جدا فرميته فشججته ، فمضى من وقته إلى ابنة عمي ، فقال لها : يا مولاتي إن الدين النصيحة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من غشنا فليس منا ، وأنا أعلمك يا مولاتي أن مولاي قد تزوج واستكتمني ، فلما قلت له : لا بد من تعريف مولاتي الخبر ضربني بالمقارع وشجني . فمنعتني بنت عمي من دخول الدار ، وحالت بيني وبين ما فيها ، ووقعنا في تخليط ، فلم أر الأمر يصلح إلا بتطليق المراة التي تزوجتها ، وصلح أمري مع ابنة عمي وسمت الغلام الناصح ، فلم يكن يتهيأ لي أن أكلمه ، فقلت : أعتقه وأستريح ، فلعله أن يمضي عني إلى النار . فلما أعتقته لزمني وقال : الآن وجب حقك علي ، ثم إنه أراد الحج فجهزته وزودته وخرج ، فغاب عني عشرين يوما ورجع .
فقلت له : لم رجعت ؟ قال : قطع الطريق وفكرت فإذا الله تعالى يقول : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فكنت غير مستطيع ، وفكرت فإذا حقك أوجب فرجعت . ثم أراد الغزو فجهزته أيضا لذلك وشخص ، فلما غاب عني بعت كل ما املكه بالبصرة من عقار وغيره وخرجت عنها خوفا من أن يرجع . قرأت على الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي ، قال : مات أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان ، المعروف بأبي العيناء ، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، وحمل في تابوت إلى البصرة ، وكان مولده بالأهواز في سنة إحدى وتسعين ومائة ومنشؤه بالبصرة ، وولاؤه للمنصور ، وكان ضريرا يخضب بالحمرة خضابا ليس بالمشبع ، وكان فصيحا سريع الجواب .
قرأت بخط أبي الحسن الدارقطني : مات أبو العيناء الضرير سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وكان خرج من بغداد يريد البصرة في سفينة فيها ثمانون نفسا ، فغرقت ، فما سلم منها غيره ، فلما صار إلى البصرة مات .