محمد بن القاسم بن محمد
1491 - محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة ، أبو بكر ابن الأنباري ، النحوي .
كان من أعلم الناس بالنحو والأدب ، وأكثرهم حفظا له . ولد في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين ، حدثت بذلك عن إسماعيل بن سعيد بن سويد عنه . وسمع إسماعيل بن إسحاق
القاضي ، وأحمد بن الهيثم بن خالد البزاز ، ومحمد بن يونس الكديمي ، وأبا العباس ثعلبا ، ومحمد بن أحمد بن النضر ، وغيرهم من هذه الطبقة .
وكان صدوقا فاضلا دينا خيرا ، من أهل السنة ، وصنف كتبا كثيرة في علوم القرآن ، وغريب الحديث ، والمشكل ، والوقف والابتداء ، والرد على من خالف مصحف العامة .
روى عنه أبو عمر بن حيويه ، وأبو الحسين ابن البواب ، وأبو الحسن الدارقطني ، وأبو الفضل بن المأمون ، وأحمد بن محمد بن الجراح ، ومحمد بن عبد الله ابن أخي ميمي ، وغيرهم . وبلغني أنه كتب عنه وأبوه حي وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى .
وقال أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي : كان أبو بكر ابن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن .
حدثني علي بن أبي علي البصري ، عن أبيه ، قال : أخبرني غير واحد ممن شاهد أبا بكر محمد بن القاسم ابن الأنباري يملي من حفظه ، لا من كتاب ، وإن عادته في كل ما كتب عنه من العلم كانت هكذا ، ما أملى قط من دفتر .
سمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول : كان أبو بكر ابن الأنباري يملي كتبه المصنفة ومجالسه المشتملة على الحديث والأخبار والتفاسير والأشعار ، كل ذلك من حفظه .
قال حمزة : وحدثني أبي عن جدي أن أبا بكر ابن الأنباري مرض فدخل عليه أصحابه يعودونه ، فرأوا من انزعاج أبيه وقلقه عليه أمرا عظيما ، فطيبوا نفسه ورجوه عافية أبي بكر ، فقال لهم : كيف لا أقلق وأنزعج لعلة من يحفظ جميع ما ترون ، وأشار لهم إلى حيري مملوء كتبا .
قال حمزة : وكان مع حفظه زاهدا متواضعا ، حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضره في مجلس أملاه يوم جمعة ، فصحف اسما أورده في إسناد حديث - أما كان حبان فقال حيان ، أو حيان فقال حبان - قال أبو الحسن : فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم ، وهبته أن أوقفه على ذلك ، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي وذكرت له وهمه ، وعرفته صواب القول فيه وانصرفت . ثم حرضت الجمعة الثانية مجلسه ، فقال أبو بكر للمستملي : عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما املينا حديث كذا في الجمعة الماضية ، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب ، وهو كذا ، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال .
أخبرني علي بن المحسن القاضي ، قال : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعدل ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله المقرئ يقول : قال لي أحمد بن محمد بن يوسف الأصبهاني ، وهو ابن أختي : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت : يا رسول الله ، عمن آخذ علم القرآن ؟ فقال : عن أبي بكر ابن الأنباري . قلت : فالفقه ؟ قال : عن أبي إسحاق المروزي " .
أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي ، قال : قال محمد بن جعفر التميمي النحوي : فأما أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري فما رأينا أحفظ منه ولا أغزر بحرا من علمه .
وحدثني عنه أبو الحسن العروضي ، قال : اجتمعت أنا وهو عند الراضي على الطعام ، وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر ، فكان يسوي له قلية يابسة . قال : فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه وهو يعالج تلك القلية .
ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها ، وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين الخيشين ، ونمنا نحن في خيش ينافس فيه ، ولم يشرب ماء إلى العصر ، فلما كان مع العصر قال لغلام : الوظيفة . فجاءه بماء من الحب ، وترك الماء المزمل بالثلج ، فغاظني أمره فصحت بصيحة ، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري وقال : ما قصتك ؟ فأخبرته وقلت : هذا يا أمير المؤمنين يحتاج إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه ، لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها . قال : فضحك وقال له : في هذا لذة ، وقد جرت به العادة وصار إلفا ، فلن يضره . ثم قلت : يا أبا بكر ، لم تفعل هذا بنفسك ؟ قال : أبقي على حفظي . قلت له : قد أكثر الناس في حفظك ، فكم تحفظ ؟ قال : أحفظ ثلاثة عشر صندوقا .
قال محمد بن جعفر : وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده ، وكان أحفظ الناس للغة ، ونحو ، وشعر ، وتفسير قرآن ، فحدثت أنه كان يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها .
وقال لنا أبو العباس بن يونس : كان آية من آيات الله في الحفظ .
وقال لنا أبو الحسن العروضي : كان يتردد ابن الأنباري إلى أولاد الراضي ، فكان يوما من الأيام قد سألته جارية عن شيء من تفسير الرؤيا ، فقال : أنا حاقن . ثم مضى ، فلما كان من غد عاد وقد صار معبرا للرؤيا ، وذاك أنه مضى من يومه فدرس كتاب الكرماني وجاء .
قال : وكان يأخذ الرطب يشمه ويقول : أما إنك لطيب ، ولكن أطيب منك حفظ ما وهب الله لي من العلم .
قال محمد بن جعفر : ومات ابن الأنباري فلم نجد من تصنيفه إلا شيئا يسيرا ، وذاك أنه إنما كان يملي من حفظه . وقد أملى كتاب غريب الحديث ، قيل : إنه خمس وأربعون ألف ورقة . وكتاب شرح الكافي ، وهو نحو ألف ورقة . وكتاب الهاءات ، نحو ألف ورقة . وكتاب الأضداد ، وما رأيت أكبر منه . وكتاب المشكل أملاه وبلغ إلى ( طه ) وما أتمه ، وقد أملاه سنين كثيرة . والجاهليات ، سبعمائة ورقة . والمذكر والمؤنث ، ما عمل أحد أتم منه .
وعمل رسالة المشكل ردا على ابن قتيبة ، وأبي حاتم ، ونقضا لقولهما .
وحدثت عنه أنه مضى يوما في النخاسين وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف ، قال : فوقعت في قلبي ، ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي ، فقال لي : أين كنت إلى الساعة ؟ فعرفته ، فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي ، فجئت فوجدتها ، فعلمت الأمر كيف جرى ، فقلت لها : كوني فوق إلى أن أستبرئك ، وكنت أطلب مسألة قد اختلت علي فاشتغل قلبي ، فقلت للخادم : خذها وامض بها إلى النخاس ، فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي . فأخذها الغلام فقالت : دعني أكلمه بحرفين . فقالت : أنت رجل لك محل وعقل ، وإذا أخرجتني ولم تبين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي في ظنا قبيحا ، فعرفنيه قبل أن تخرجني . فقلت لها : ما لك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي . فقالت : هذا أسهل عندي . قال : فبلغ الراضي أمره فقال : لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل . ولما وقع في علة الموت أكل كل شيء كان يشتهي ، وقال : هي علة الموت .
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله النحوي المؤدب مذاكرة من حفظه ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت أبا بكر ابن الأنباري يقول : دخلت البيمارستان بباب المحول فسمعت صوت رجل في بعض البيوت يقرأ : أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فقال : أنا لا أقف إلا على قوله : كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ فأقف على ما عرفه القوم وأقروا به ، لأنهم لم يكونوا يقرون بإعادة الخلق ، وابتدئ بقوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ فيكون
خبرا ، وأما ما قرأه علي بن أبي طالب : ( وادكر بعد أمة ) ، فهو وجه حسن ، الأمة : النسيان . وأما أبو بكر بن مجاهد فهو إمام في القراءة ، وأما ما قرأه الأحمق ، يعني ابن شنبوذ : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ) فخطأ لأن الله تعالى قد قطع لهم بالعذاب في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال : فقلت لصاحب البيمارستان : من هذا الرجل ؟ فقال : هذا إبراهيم الموسوس محبوس . فقلت : ويحك ، هذا أبي بن كعب ! افتح الباب عنه . ففتح الباب فإذا أنا برجل منغمس في النجاسة والأدهم في قدميه ، فقلت : السلام عليكم . فقال : كلمة مقولة . فقلت : ما منعك من رد السلام علي ؟ فقال : السلام أمان ، وإني أريد أن أمتحنك ، ألست تذكر اجتماعنا عند أبي العباس ، يعني ثعلبا ، في يوم كذا وفي يوم كذا ، وعرفني ما ذكرته فعرفته ، وإذا به رجل من أفاضل أهل العلم . فقال لي : هذا الذي تراني منغمسا فيه ما هو ؟ فقلت : الخرء يا هذا . فقال : وما جمعه ؟ فقلت : خروء . فقال لي : صدقت . وأنشد :
كأن خروء الطير فوق رؤوسهم ثم قال لي : والله لو لم تجبني بالصواب لأطعمتك منه . فقلت : الحمد لله الذي أنجاني منك . وتركته وانصرفت .
حدثني علي بن أبي علي ، قال : حدثنا محمد بن العباس الخزاز ، قال : ولد أبو بكر ابن الأنباري سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وتوفي ليلة النحر من ذي الحجة من سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة .