محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد
محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد ، أبو عبد الله الأنصاري القاضي المعروف بالجذوعي . بصري سكن بغداد ، وحدث بها عن مسدد بن مسرهد ، وعلي ابن المديني ، وصالح بن حاتم بن وردان ، وعبيد الله بن عمر القواريري ، ومحمد بن عبد الله بن نمير . روى عنه أبو عمرو ابن السماك ، وإسماعيل بن علي الخطبي ، ومحمد بن علي بن الهيثم المقرئ .
وكان ثقة . أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : حدثنا محمد بن محمد الجذوعي ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى القطان ، عن سفيان ، قال : حدثني حكيم بن جبير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سأل وله ما يغنيه كانت خدوشا ، أو كدوحا في وجهه يوم القيامة ، فقال رجل : يا رسول الله ، ماذا غناه ؟ قال : خمسون درهما أو قيمتها ذهبا . قال يحيى : فسألت شعبة عن هذا الحديث ، فقال : قد سمعته من حكيم إني أخاف الله أن أحدثه .
أخبرني علي بن المحسن القاضي ، قال : أخبرني أبي ، قال : قال أبو الحسين محمد بن علي بن الخلال البصري ، قال : حدثني أبي وسمعته من غيره أن القضاة والشهود بمدينة السلام أدخلوا على المعتمد على الله للشهادة عليه في دين كان اقترضه عند الإضاقة بالإنفاق على صاحب الزنج ، فلما مثلوا بين يديه قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل الكتاب ، ثم قال : إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمركم أن تشهدوا عليه بما في هذا الكتاب ، فشهد القوم حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي ، فأخذه بيده وتقدم إلى السرير فقال : يا أمير المؤمنين ، أشهد عليك بما في هذا الكتاب ؟ فقال : اشهد . فقال : إنه لا يجوز أن أشهد أو تقول نعم ، أفأشهد عليك ؟ قال : نعم . فشهد في الكتاب ثم خرج .
فقال المعتمد : من هذا ؟ فقيل له : الجذوعي البصري . فقال : وما إليه ؟ فقالوا : ليس إليه شيء . فقال : مثل هذا لا ينبغي أن يكون مصروفا ، فقلدوه واسطا ، فقلده إسماعيل وانحدر .
فاحتاج الموفق يوما إلى مشاورة الحاكم فيما يشاور في مثله ، فقال : استدعوا القاضي ، فحضر وكان قصيرا له دنية طويلة ، فدخل في بعض الممرات ومعه غلام له ، فلقيه غلام كان للموفق ، وكان شديد التقدم عنده ، وكان مخمورا أو سكران ، فصادفه في مكان خال من الممر فوضع يده في دنيته حتى غاص رأسه فيها وتركه ومضى ، فجلس الجذوعي في مكانه وأقبل غلامه حتى فتقها وأخرج رأسه منها وثنى رداءه على رأسه وعاد إلى داره ، وأحضر الشهود فأمرهم بتسليم الديوان ، ورسل الموفق يترددون ، وقد سترت الحال عنه حتى قال بعض الشهود لبعض الرسل الخبر ، فعاد إلى الموفق فأخبره بذلك . فأحضر صاحب الشرطة وأمره بتجريد الغلام وحمله إلى باب دار القاضي وضربه هناك ألف سوط . وكان والد هذا الغلام من جلة القواد ومحله محل من لو هم بالعصيان لأطاعه أكثر الجيش ، فلم يقل شيئا وترجل القواد وصاروا إليه وقالوا : مرنا بأمرك ، فقال : إن الأمير الموفق أشفق عليه مني .
فمشى القواد بأسرهم مع الغلام إلى باب الجذوعي فدخلوا عليه وضرعوا له ، فأدخل صاحب الشرطة والغلام . فقال : لا تضربه . فقال : لا أقدم على خلاف الموفق .
فقال : إني أركب إليه وأزيل ذلك عنه ، فركب فشفع له وصفح عنه . أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي ، قال : ومات أبو عبد الله محمد بن محمد الجذوعي القاضي في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ومائتين . وذكر محمد بن مخلد فيما قرأت بخطه : أن وفاته كانت يوم السبت لتسع خلون من جمادى الآخرة ببغداد .