أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق بن عطية أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري
أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق بن عطية أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري . سمع سويد بن سعيد ، وعثمان بن أبي شيبة ، وعمرو بن محمد الناقد ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن سليمان لوينا ، ومحمد بن حميد الرازي ، وإسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني ، ومخلد بن الحسن بن أبي زميل ، وأحمد بن عبد الصمد الأنصاري ، ومحمد بن أبي عتاب الأعين ، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، وهارون بن موسى الفروي ، وخلقا كثيرا أمثال هؤلاء . روى عنه محمد بن مخلد ، وأبو بكر الشافعي ، وأبو علي ابن الصواف ، وحبيب القزاز ، ومحمد بن علي بن حبيش ، وعبد الله بن إبراهيم الزبيبي ، وغيرهم .
وكان ثقة نبيلا رفيعا جليلا ، له منزلة من السلطان ، ومودة في أنفس العوام ، وحال من الدنيا واسعة ، وطريقة في الخير محمودة ، وإليه ينسب شارع ابن أبي عوف المسلوك فيه إلى نهر القلائين ، وما قاربه من المواضع . أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحسين المحاملي ، وعبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدب قالا : أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، قال : حدثنا أحمد بن أبي عوف ، قال : سألت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ، عن بيع النرجس ممن يشرب المسكر ، فقال : لا يعجبني . بلغني أن ابن أبي عوف لم يكن عنده عن أحمد غير هذه المسألة .
قرأت في كتاب علي بن أحمد بن أبي الفوارس بخطه : أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن يعقوب القرنجلي الأنباري ، قال : أخبرنا أبي ، قال : سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي ، وذكر أبا عبد الله بن أبي عوف ، فقال : ابن أبي عوف أحد عجائب الدنيا ، وذكره مرة أخرى ، فقال : ابن أبي عوف عفيف اللسان ، عفيف الفرج ، عفيف الكف . أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، قال : أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عوف جليل نبيل . حدثني علي بن محمد بن نصر ، قال : سمعت حمزة بن يوسف يقول : سألت أبا الحسن الدارقطني عن أبي عبد الله بن أبي عوف البزوري ، فقال : ثقة هو وأبوه وعمه ، إنما تحكى عنه حكاية .
أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ابن النجار النحوي ، قال : أخبرنا أبو الحسن الواقصي ، قال : كان ببغداد رجل يعرف ببوقة ، وكان مشهورا بالكلام ، وكان ابن أبي عوف يطلبه بسبب المذهب ، وكان العدول يطيعون ابن أبي عوف لتمكنه من السلطان ، فقال للعدول : اشهدوا على شهادتي عند السلطان على أن بوقة ملحد حلال الدم ، قال : فشهد وشهدوا على شهادته ، فأحضر ابن أبي عوف للمناظرة ، فلما حضر بوقة ، قال له الخليفة : ما تقول ؟ فنظر ، فإذا هو إن كذب العدول أوجب على نفسه عقوبة ، وإن سكت حقق على نفسه ، فقال : أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، أنا تائب من كل مذهب خالف التوحيد والإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فأمرهم الخليفة ، فانصرفوا . قلت : وكان لابن أبي عوف اختصاص بعبيد الله بن سليمان الوزير ، وسبب ذلك ما أخبرنا القاضي علي بن المحسن التنوخي ، قال : أخبرني أبي ، قال : حدثني القاضي أبو عمر عبيد الله بن الحسين المعروف بابن السمسار ، قال : حدثني أبو علي بن إدريس الجمال الشاهد ، قال : حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف ، قال : كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان أني اجتزت يوما في الجامع بالمدينة ، فوجدته ، وهو ملازم بثلاثمائة دينار في يد غريم له ، وهو في عقب النكبة ، وكنت أعرف محله عن مودة بيننا ، فقلت له : لأي شيء أنت أعزك الله ها هنا جالس وقد مضت الصلاة ؟ فقال : ملازم في يد هذا الرجل بثلاثمائة دينار له علي . فسألت الغريم إنظاره ، فقال لا أفعل ، فقلت : فالمال لك علي ، تصير إلي بعد أسبوع حتى أعطيك إياه .
فقال : تعطيني خطك بذلك . فاستدعيت دواة ورقعة ، وكتبت له ضمانا بذلك إلى شهر ، فرضي وانصرف ، وقام عبيد الله وأخذ يشكرني ، فقلت : تتمم أيدك الله سروري بأن تصير معي إلى منزلي . فحملته ، وأركبته حماري ، ومشيت خلفه إلى أن دخل داري ، فأكلنا ما كان أصلح لي في يوم الجمعة كما تفعل التجار ، ونام ، فلما انتبه أحضرته كيسا وقلت : لعلك على إضاقة ، فأسألك بالله إلا أخذت منه ما شئت .
قال : فأخذ منه دنانير ، وقام فخرج . فأقبلت امرأتي تلومني وتوبخني ، وقالت : ضمنت عنه ما لا تفي به حالك ، ولم تقنع إلا بأن أعطيته شيئا آخر ! فقلت : يا هذه ، فعلت جميلا ، وأسديت يدا جليلة إلى رجل حر كريم جليل ، من بيت وأصل ، فإن نفعني الله بذلك ، فله قصدت ، وإن تكن الأخرى لم يضع عند الله . ومضى على الحديث مدة ، وحل الدين ، وجاء الغريم يطالبني ، فأشرفت على بيع عقار لي ، ودفع ثمنه إليه ، ولم أستحسن مطالبة عبيد الله ، ودفعت الرجل بوعد وعدته إلى أيام ، فلما كان بعد يومين من هذا الحديث جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني ، فجئته ، فقال : قد وردت علي غليلة من ضيعة لي أفلتت من البيع في النكبة ، ومقدار ثمنها مقدار ما ضمنته عني ، فتأخذها وتبيعها ، وتصحح ذلك للغريم .
فقلت : أفعل ، فحمل الغلة إلي فبعتها ، وحملت الثمن بأسره إليه ، وقلت : أنت مضيق وأنا أدفع الغريم ، وأعطيه البعض من عندي ، فاتسع أنت بهذا . فجهد أن آخذ منه شيئا ، فحلفت أن لا أفعل ، ووفرت الثمن عليه . وجاء الغريم فألح فأعطيته من عندي البعض ، ودفعت به مديدة ، ولم يمض على ذلك إلا شيء يسير حتى ولي عبيد الله الوزارة ، فأحضرني من يومه وقام إلي في مجلسه ، وجعلني في السماء ، فكسبت به من الأموال هذه النعمة التي أنا فيها .
قال علي بن المحسن : وذكر أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول أن أباه حدثه ، قال : خرجت من حضرة عبيد الله بن سليمان في وزارته أريد الدهليز ، فخرج ابن أبي عوف ، فصاح البوابون والحجاب والخلق : هاتوا دابة لأبي عبد الله ، هاتوا دابة لأبي عبد الله ، فحين قدمت دابته ليركب خرج الوزير ليركب ، فرآه فتنحى أبو عبد الله بن أبي عوف ، وأمر بإبعاد دابته لتقدم دابة الوزير ، فحلف الوزير أنه لا يركب ، ولا تقدم دابته حتى يركب ابن أبي عوف ، قال : فرأيته قائما والناس قيام بقيامه حتى قدمت دابة ابن أبي عوف ، فركبها ، ثم قدمت دابة الوزير ، فركب ، وسارا جميعا . أخبرنا محمد بن عبد الواحد ، قال : حدثنا محمد بن العباس ، قال : قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع ، قال : ومات أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عوف البزوري في شوال سنة سبع وتسعين بعد ما حمل الناس عنه حديثا ليس بالكثير على ستر وأمانة . أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي ، قال : مات أبو عبد الله أحمد بن أبي عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال سنة سبع وتسعين ومائتين .
قلت : وكان مولده في سنة أربع عشرة ومائتين .