أحمد بن محمد أبو الحسين النوري
أحمد بن محمد، أبو الحسين النوري . شيخ الصوفية في وقته، كان مذكورا بكثرة الاجتهاد وحسن العبادة، وقد رَوَي عنه عن سري السقطي حديث مسند . أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي , قال: أحمد بن محمد النوري كنيته أبو الحسين، ويقال: محمد بن محمد، وأحمد أصح، بغدادي المولد والمنشأ، كان يعرف بابن البغوي قديما، وأصله من خراسان من ناحية بغ، كان الجنيد يعظم شأنه ، مات قبل الجنيد، ولما مات الجنيد أمر أن يدفن بجنبه، فلم يفعل، وهو أعلم العراقيين بلطائف علم القوم .
سمعت أبا نعيم الحافظ يقول: النوري هو أحمد بن محمد بغدادي حدث عن سري السقطي . أخبرني أبو سعد أحمد بن محمد الماليني قراءة، قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس الختلي، قال: ذكر محمد بن عمر بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن عيسى الدهقان، قال: كنت أمشي مع أبي الحسين النوري أحمد بن محمد المعروف بابن البغوي الصوفي، فقلت له: ما الذي تحفظ عن السري السقطي، فقال: حدثنا السري عن معروف الكرخي، عن ابن السماك، عن الثوري، عن الأعمش، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجر كمن خدم الله عمره . محمد بن عيسى: فذهبت إلى سري، فسألته عنه، فقال: سمعت معروفا يقول: خرجت إلى الكوفة، فرأيت رجلا من الزهاد يقال له: ابن السماك فتذاكرنا العلم، فقال لي: حدثني الثوري عن الأعمش مثله؛ أخبرناه أحمد بن أبي جعفر القطيعي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن المترفق الطرسوسي الصوفي بمصر، قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن محمد المالكي يقول: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد النوري البغدادي المعروف بالبغوي، قال: حدثنا سري بن المغلس السقطي، أبو الحسن، قال: حدثنا معروف الكرخي الزاهد، قال: حدثنا محمد ابن السماك، عن الثوري، عن الأعمش، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجر كمن حج واعتمر .
أخبرني أبو الفضل عبد الصمد بن محمد الخطيب، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الهمذاني الفقيه، قال: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت أبا أحمد المغازلي يقول: ما رأيت أعبد ولا أطوع لله من أبي الحسين النوري . حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق، قال: سمعت علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني بمكة يقول: حدثني عبد الكريم بن أحمد بن عبد الكريم البيع، قال: قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحد قط أعبد من النوري، قيل: ولا جنيد، قال: ولا جنيد، وكانت له قنينة تسع خمسة أرطال ماء يشربها في خمسة أيام وقت إفطاره . وقال عبد الكريم: حدثني أبو جعفر الفرغاني، قال: مكث، أبو الحسين النوري عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج ليمضي إلى السوق فيتصدق بالرغيفين، ويدخل إلى المسجد فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق، فيظن أستاذه أنه قد تغدى في منزله، ومن في بيته عندهم أنه قد أخذ معه غداءه، وهو صائم .
أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت علي بن عبد الرحيم يقول: دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين، فسألته عن أمره، فقال: طالبتني نفسي بأكل التمر، فجعلت أدافعها فتأبى علي، فخرجت واشتريت، فلما أن أكلت، قلت لها: قومي حتى تصلي، فأبت علي، فقلت: لله علي إن قعدت على الأرض أربعين يوما فما قعدت . أخبرني أحمد بن علي المحتسب، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى الصوفي، قال: سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول: سمعت علي بن عبد الله البغدادي يقول: سمعت فارسا الجمال يقول: لحق أبا الحسين النوري علة، والجنيد علة، فالجنيد أخبر عن وجده، والنوري كتم، فقيل له: لم لم تخبر كما أخبر صاحبك، فقال: ما كنا نبتلى ببلوى نوقع عليها الشكوى، ثم أنشأ يقول [من المجتث]: إن كنت للسقم أهلا فأنت للشكر أهلا عذب فلم يبق قلب يقول للسقم مهلا فأعيد على الجنيد ذلك، فقال: ما كنا شاكين، ولكن أردنا أن نكشف غبن القدرة فينا . أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت علي بن عبد الله البغدادي بنيسابور يقول: سمعت أبا عمر الأنماطي يقول: اعتل النوري فبعث إليه الجنيد بصرة فيها دراهم , وعاده , فرده النوري، ثم اعتل الجنيد بعد ذلك، فدخل عليه النوري عائدا فقعد عند رأسه، ووضع يده على جبهته فعوفي من ساعته، فقال النوري للجنيد: إذا عدت إخوانك فارفقهم بمثل هذا البر .
أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الهمذاني، قال: سمعت جعفرا الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت النوري يقول: كنت بالرقة، فجاءني المريدون الذين كانوا بها وقالوا: نخرج ونصطاد السمك، فقالوا لي: يا أبا الحسين هات مع عبادتك واجتهادك، وما أنت عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص، فقلت لمولاي: إن لم تخرج لي الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات، فأخرجت سمكة فوزنتها، فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة ولا نقصان، قال الجنيد: فقلت له: يا أبا الحسين لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك، قال: نعم . حدثنا عبد العزيز علي، قال: سمعت علي بن عبد الله بن جهضم يقول: حدثني عمر النجار، قال: دخل أبو الحسين النوري إلى الماء يغتسل، فجاء لص فأخذ ثيابه، فخرج من الماء فلم يجد ثيابه، فرجع إلى الماء، فلم يكن إلا قليل حتى جاء اللص معه ثيابه، فوضعها مكانها، وقد جفت يده اليمنى، فخرج أبو الحسين من الماء ولبس ثيابه، وقال: سيدي قد رد علي ثيابي رد عليه يده، فرد الله عليه يده، ومضى . أخبرنا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعت معروف بن محمد بن معروف الصوفي بالري يقول: سمعت الخلدي يقول: سئل النوري كيف حالك، فقال: كيف حال من ليس معه من الله إلا الله، وقال الخلدي: أنشدني النوري لنفسه [من البسيط]: الذكر يقطعني، والوجد يطلعني والحق يمنع عن هذا وعن ذاك فلا وجود ولا سر أسر به حسبي فؤادي إذا ناديت لباك أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: سمعت محمد بن الحسين النيسابوري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت القناد يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول: رأيت غلاما جميلا ببغداد، فنظرت إليه، ثم أردت أن أردد النظر، فقلت له: تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات، قال: أحسنت التجمش بالعلم، ثم أنشأ يقول [من الطويل]: تأمل بعين الحق إن كنت ناظرا إلى صفة فيها بدائع فاطر ولا تعط حظ النفس منها لما بها وكن ناظرا بالحق قدرة قادر وأخبرنا أبو نعيم، قال: سمعت عمر البناء البغدادي بمكة يحكي، قال: لما كانت منحة غلام الخليل ونسبت الصوفية إلى الزندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ في جملة من أخذ النوري في جماعة، فأدخلوا على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه، فقال له السياف: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك ؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقف السياف عن قتله ، ورفع أمره إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى قاضي القضاة، وكان يلي القضاء يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فتقدم إليه النوري، فسأله عن مسائل في العبادات من الطهارة، والصلاة ، فأجابه، ثم قال له: وبعد هذا لله عباد يسمعون بالله ، وينطقون بالله ، ويصدرون بالله ، ويردون بالله ، ويأكلون بالله ، ويلبسون بالله، فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة، فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة فليس في الأرض موحد، فأمر بتخليتهم، وسأله السلطان يومئذ من أين يأكلون، فقال: لسنا نعرف الأسباب التي يستجلب بها الرزق ، نحن قوم مدبرون، وقال لي: من وصل إلى وده أنس بقربه، ومن توصل بالوداد اصطفاه من بين العباد .
أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: حدثنا علي بن عبد الله الهمذاني، قال: حدثنا محمد بن علي بن المأمون، قال: حدثتنا فاطمة خادمة أبي حمزة محمد بن إبراهيم، والجنيد بن محمد، وأبي الحسين النوري، وكانت تلقب زيتونة، قالت: جئت ذات يوم إلى النوري، وكان يوما باردا شديد البرد والريح، فوجدته في المسجد وحده جالسا، فقلت له: أجيئك بشيء تأكله، فقال: نعم، هاتي، قلت له: أيش تشتهي أجيئك به، فقال: خبز ولبن، فقلت: يوم مثل هذا بارد وأنت فقريب من المثلوج ، أجيئك بغيره، فقال: هذا فضول منك، هاتي ما أقوله لك، فجئته بخبز ولبن في قدح، ووضعته بين يديه، وجعلت بين يديه خزفة فيها نار، وهو يقلب النار بيده ويستدفئ، ثم أخذ يأكل الخبز باللبن، وكان إذا أخذ اللقمة يسيل اللبن على ذراعه فيغسل سواد الدخان من ذراعه، فقلت في نفسي: يا رب ما أوضر أولياءك، ترى ما فيهم واحد نظيف الثوب والبدن، وخرجت من عنده، وجلست على دكان بالقرب من مسجد إبراهيم الخواص، وإلى جانبه بالقرب منه مجلس صاحب الشرطة، فبينا أنا جالسة إذا بامرأة قد ضربت بيدها إلي وقالت: رزمتي أخذتها الساعة من بين يدي ما أخذها غيرك، واجتمع علينا الناس، والمرأة تصيح ما أخذ رزمتي غيرها، واتصل الكلام إلى صاحب الشرطة، فجاء أصحاب الشرطة، وحملوني والمرأة معي متعلقة بي، فوجه بنا صاحب الشرطة إلى الوالي، يعني الأمير ، وبلغ ذلك النوري، فخرج من المسجد، وجاء على أثرنا، فلحقنا ونحن بين يدي الوالي، والمرأة تدعي علي رزمتها، فدخل النوري وقال للوالي: لا تتعرض لهذه المرأة، فإنها بريئة، وعرف الوالي بأبي الحسين النوري: فصاح الوالي: ما حيلتي ومعها خصمها، فقال له النوري: قد عرفتك وأنت أعلم، وخرج، فبينما هم كذلك إذا بجارية سوداء قد أقبلت وقالت: يا امرأة خلي عنها، فقد حملت أنا الرزمة إلى البيت، قالت: ومن أين أخذتها، قالت: من بين يديك، فأخذ النوري بيدي، وقال: قولي أنت ما أوضر أولياءك . أخبرنا عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، قال: سمعت أبا حاتم محمد بن أحمد بن يحيى السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: كان سبب وفاة أبي الحسين النوري أنه سمع هذا البيت [من الكامل]: لا زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله فتواجد النوري وهام في الصحراء، فوقع في أجمة قصب قد قطعت وبقي أصوله مثل السيوف، فكان يمشي عليها ويعيد البيت إلى الغداة، والدم يسيل من رجليه، ثم وقع مثل السكران، فورمت قدماه ومات . حدثنا أبو نصر إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم الجرباذقاني بها قال: حدثنا معمر بن أحمد بن محمد بن زياد الأصبهاني، قال: أخبرني منصور بن محمد، قال: سمعت عبد الله بن شنبذين يقول: سمعت أبا الحسن القناد يقول: مات أبو الحسين النوري في مسجد الشونيزي مقفعا، يعني جالسا , وبقي أربعة أيام لم يعلم بموته أحد، فلم يمكن مده على المغتسل، فلما حملت جنازته نادى الشبلي خلفه: اضربوا على الأرض المنار، فقد رفع العلم من الأرض .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سألت علي بن عبد الرحيم عن موت النوري، فقال: مات سنة خمس وتسعين ومائتين.