ثمامة بن أشرس أبو معن النميري
ثمامة بن أشرس ، أبو معن النميري . أحد المعتزلة البصريين ، ورد بغداد ، واتصل بهارون الرشيد وغيره من الخلفاء . وله أخبار ونوادر ؛ يحكيها عنه أبو عثمان الجاحظ وغير واحد .
أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال : حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال : حدثنا عبد الله بن جعفر قال : حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال : قال ثمامة بن أشرس : خرجت من البصرة أريد المأمون ، فصرت إلى دير هرقل ، فإذا مجنون مشدود ، فقال لي : ما اسمك ؟ قلت : ثمامة . قال : المتكلم ؟ قلت : نعم . قال : لم جلست على هذه الآجرة ولم يأذن لك أهلها ؟ قلت : رأيتها مبذولة فجلست عليها .
قال : فلعل لأهلها فيها تدبيرا غير البذل . ثم قال لي : أخبرني ؛ متى يجد صاحب النوم لذة النوم ؟ إن قلت : قبل أن ينام ، أحلت ؛ لأنه يقظان . وإن قلت : في حال النوم ، أبطلت ؛ لأنه لا يعقل بشيء .
إن قلت : بعد قيامه ، فقد خرج عنه ، ولا يوجد الشيء بعد فقده . فوالله ما كان عندي فيها جواب . وأخبرنا الصيمري قال : حدثنا المرزباني قال : أخبرني الصولي قال : قال الجاحظ : قال ثمامة : دخلت إلى صديق لي أعوده وتركت حماري على الباب ، ولم يكن معي غلام ، ثم خرجت فإذا فوقه صبي ، فقلت : لم ركبت حماري بغير إذني ؟ قال : خفت أن يذهب فحفظته لك .
قلت : لو ذهب كان أعجب إلي من بقائه . قال : فإن كان هذا رأيك في الحمار فاعمل على أنه قد ذهب وهبه لي ، واربح شكري . فلم أدر ما أقول ! أخبرني أبو الفرج الحسين بن عبد الله بن أبي علانة المقرئ قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن سلم قال : حدثنا أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال : أخبرنا عمرو بن بحر الجاحظ سنة ثلاث وخمسين ومائتين قال : حدثني ثمامة بن أشرس قال : شهدت رجلا يوما من الأيام وقد قدم خصما إلى بعض الولاة ، فقال : أصلحك الله ! ناصبي رافضي جهمي مشبه مجبر قدري ، يشتم الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان ، ويلعن معاوية بن أبي طالب ! فقال له الوالي : ما أدري مما أتعجب ! من علمك بالأنساب أو من معرفتك بالمقالات ؟ فقال : أصلحك الله ، ما خرجت من الكتاب حتى تعلمت هذا كله ! أخبرني أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال : أخبرنا محمد بن جعفر النحوي الكوفي قال : أخبرنا أبو الحسن الواقصي قال : حدثنا ابن النديم قال : دخل ثمامة بن أشرس على المأمون وعنده أبو العتاهية ، فقال أبو العتاهية : يا أمير المؤمنين ، أتأذن في مناظرته في القدر ؟ قال : افعل .
قال : فأدخل أبو العتاهية يده في كمه وحرك أصبعه وقال : من حرك يدي ؟ قال ثمامة : من أمه بظراء . قال : يقول أبو العتاهية : علة قاطعة . أخبرنا الحسين بن علي الصيمري قال : حدثنا محمد بن عمران المرزباني قال : أخبرني محمد بن يحيى قال : حدثنا يموت بن المزرع قال : حدثني الجاحظ قال : دخل أبو العتاهية على المأمون فطعن على أهل البدع ، وجعل يخص القدرية باللعن ، فقال له المأمون : أنت صاحب شعر ولغة ، وللكلام قوم .
قال : يا أمير المؤمنين ، لعمري إن صناعتي لتلك ، ولكني أسأل ثمامة عن مسألة فقل له يجيبني . فقال له المأمون : لا ترد هذا ، فلست في الكلام من طرزه . فقال : يتفضل علي أمير المؤمنين بذلك .
فقال : يا ثمامة ، إذا سألك فأجبه . فأخرج أبو العتاهية يده من كمه ، ثم حركها وقال : يا ثمامة ، من حرك يدي ؟ قال : من أمه زانية . فقال : شتمني والله .
فقال ثمامة : ناقض والله . فقال له المأمون : قد أجاب عن المسألة ، فإن كان عندك زيادة فزده . فانصرف أبو العتاهية .
أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال : حدثنا المبرد قال : أخبرني الميثمي قال : قال رجل لثمامة : أنت إن شئت قضى فلان حاجتي . فقال ثمامة : أنا قدري ، ولم تبلغ قدريتي هذا كله ، إنما قلت : إن شئت فعلت ، ولم أقل : إن شئت فعل فلان . أخبرنا الحسين بن علي بن عبيد الله المقرئ قال : أخبرنا محمد بن جعفر بن هارون التميمي قال : أخبرنا أبو روق الهزاني قال : حدثنا الفضل بن يعقوب قال : لما اجتمع ثمامة بن أشرس ويحيى بن أكثم عند المأمون ، فقال ليحيى : خبرني عن العشق ؛ ما هو ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهتم بها تسمى عشقا .
فقال له ثمامة : يا يحيى ، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا الباب ، ونحن بهذا أحذق منك . قال المأمون : فهات ما عندك . فقال : يا أمير المؤمنين ، إذا امتزجت جواهر النفوس بوصل المشاكلة ، نتجت لمح نور ساطع تستضيء به بواصر العقل ، وتهتز لإشراقه طبائع الحياة ، ويتصور من ذلك اللمح نور خاص بالنفس متصل بجوهرها يسمى عشقا .
فقال المأمون : هذا وأبيك الجواب ! أخبرنا الصيمري قال : أخبرنا المرزباني قال : أخبرنا أبو بكر الجرجاني قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرد ، عن الحسن بن رجاء أن الرشيد لما غضب على ثمامة دفعه إلى سلام الأبرش وأمره أن يضيق عليه ويدخله بيتا ويطين عليه ، ويترك فيه ثقبا ، ففعل دون ذلك ، وكان يدس إليه الطعام ، فجلس سلام عشية يقرأ في المصحف ، فقرأ : ( ﴿ويل يومئذ للمكذبين ﴾) ، فقال له ثمامة : إنما هو للمكذبين ، وجعل يشرحه له ويقول : المكذبون هم الرسل ، والمكذبون هم الكفار . فقال : قد قيل لي : إنك زنديق ، ولم أقبل . ثم ضيق عليه أشد الضيق ! قال : ثم رضي الرشيد عن ثمامة وجالسه ، فقال : أخبروني ؛ من أسوأ الناس حالا ؟ فقال كل واحد شيئا ، قال ثمامة : فبلغ القول إلي ، فقلت : عاقل يجري عليه حكم جاهل .
قال : فتبينت الغضب في وجهه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما أحسبني وقعت بحيث أردت ؟ قال : لا والله ، فاشرح . فحدثته بحديث سلام ، فجعل يضحك حتى استلقى ، وقال : صدقت والله ، لقد كنت أسوأ الناس حالا . أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ قال : أخبرنا دعلج بن أحمد قال : حدثنا موسى بن هارون قال : حدثنا أبي قال : حدثنا محمد بن أبي كبشة قال : كنت في سفينة في البحر ، فسمعت هاتفا يهتف وهو يقول : لا إله إلا الله ، كذب المريسي على الله .
ثم عاد الصوت فقال : لا إله إلا الله ، على ثمامة والمريسي لعنة الله . قال : وكان معنا في المركب رجل من أصحاب المريسي ، فخر ميتا .