حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ بغداد

جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله العباسي

جعفر ، أمير المؤمنين ، المقتدر بالله بن أحمد المعتضد بالله بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، يكنى أبا الفضل . استخلف بعد أخيه المكتفي ؛ فأخبرنا الحسن بن أبي بكر قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال : وأقعد جعفر بن المعتضد - وهو المقتدر بالله ، واسم أمه شغب - يوم الأحد لأربع عشرة مضت من شهر ذي القعدة من سنة خمس وتسعين ومائتين . وأخبرني عبيد الله بن أبي الفتح قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال : المقتدر بالله جعفر بن أحمد المعتضد بالله بويع له يوم مات المكتفي وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ونحو من شهرين ، وكان مولده لثمان بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين ، وكنيته أبو الفضل .

أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال : حدثني أبي قال : قال أبو محمد إسماعيل بن علي : استخلف جعفر المقتدر بالله أبو الفضل وسنه يومئذ ثلاث عشرة سنة وشهر وعشرون يوما ، ولم يل الأمر قبله أحد أصغر منه سنا . وقتل يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة ؛ فكانت خلافته منذ يوم بويع له بالخلافة إلى يوم قتل أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما . وقد خلع في خلافته مرتين وأعيد ؛ فأما المرة الأولى فكانت بعد استخلافه بأربعة أشهر وسبعة أيام ، وذلك عند قتل العباس بن الحسن الوزير وفاتك مولى المعتضد بالله ، واجتماع أكثر الناس ببغداد على البيعة لأبي العباس عبد الله بن المعتز بالله ، ولقبوه الراضي بالله .

وخلع المقتدر ، واحتجوا في ذلك بصغر سنه وقصوره عن بلوغ الحلم ، ونصبوا عبد الله بن المعتز للأمر في يوم السبت لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين ، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين وبايعوا له بالخلافة . ثم فسد الأمر وبطل من الغد في يوم الأحد ، وثبت أمر المقتدر بالله وجددت له البيعة الثانية في يوم الاثنين . وظفر بعبد الله بن المعتز فقتل ، وقتل جماعة ممن سعى في أمره .

والمرة الثانية في الخلع بعد إحدى وعشرين سنة وشهرين ويومين من خلافته ؛ اجتمع القواد والجند الأكابر والأصاغر مع مؤنس الخادم ونازوك على خلعه ، فقهروه وخلعوه وطالبوه بأن كتب رقعة بخطه يخلع نفسه فيها ، ففعل ، وأشهد على نفسه بذلك . وأحضروا محمد بن المعتضد بالله فنصبوه للأمر وسموه القاهر بالله ، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، وذلك يوم السبت للنصف من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة . فأقام الأمر على ذلك يوم السبت ويوم الأحد ، فلما كان يوم الاثنين اختلف الجند وتغير رأيهم ، ووثبت طائفة منهم على نازوك وعبد الله بن حمدان المكنى بأبي الهيجاء فقتلوهما ، وأقيم القاهر من مجلس الخلافة وأعيد المقتدر بالله إلى داره ، وجددت له بيعة .

وكان قد تبرأ من الأمر يومين وبعض الثالث ، ولم يكن وقع للقاهر بيعة في رقاب الناس ، وقتل المقتدر بباب الشماسية وسنه ثمان وثلاثون سنة وشهر وأيام . قال أبو محمد : وكان رجلا ربعة ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، جميل الوجه ، أبيض مشربا حمرة ، حسن الخلق ، حسن العينين ، بعيد ما بين المنكبين ، جعد الشعر ، مدور الوجه ، قد كثر الشيب في رأسه وأخذ في عارضيه أخذا كثيرا ، كذا رأيته في اليوم الذي قتل فيه ، وأمه أم ولد يقال لها : شغب ، أدركت خلافته . أخبرنا علي بن أبي علي البصري قال : أخبرني أبي قال : حدثنا أبو منصور القشوري - شيخ من الجند المولدين - قال : كنت أخدم وأنا حدث في دار لنصر القشوري المرسومة بالحجبة من دار المقتدر بالله ، فركب المقتدر يوما على غفلة وعبر إلى بستان الخلافة المعروف بالزبيدية في نفر من الخدم والغلمان ، وأنا مشاهد لذلك ، وتشاغل أصحاب الموائد والطباخون بحمل الآلات والطعام وتعبيتها في الجون ، فأبطأت وعجل هو في طلب الطعام ، فقيل له : لم تحمل بعد .

فقال : انظروا ما كان . قال : فخرج الخدم كالمتحيرين ليس يجسرون أن يعودوا فيقولون ما جاء شيء ، وهم يبادرون فيما يعملون ، فسمعهم جعفر - ملاح طيار المقتدر ، والرئيس على الملاحين برسم الخدمة كلهم - فقال : إن كان ينشط مولانا لأكل طعام الملاحين فمعي ما يكفيه ، فمضوا فقالوا له ، فقال : هاتوا ما معه . فأخرج من تحت الطيار جونة خيازر لطيفة فيها جدي بارد ، وسكباج مبردة ، وبزما ورد ، وإدام ، وقطعة مالح منقور طيبة ، وأرغفة سميذ جيدة ، وكل ذلك نظيف ، وإذا هي جونة تعمل له في منزله في كل يوم وتحمل إليه فيأكلها في موضعه من الطيار ، ويلازم الخدمة .

فلما حملت إلى المقتدر استنظفها فأكل منها ، واستطاب المالح والإدام فكان أكثر أكله منه . ولحقته الأطعمة من مطبخه فقال : ما آكل اليوم إلا من طعام جعفر الملاح . فأتم أكله منه ، وأمر بتفرقة طعامه على من حضر ، ثم قال : قولوا له : هات الحلواء .

قال : فقال : نحن لا نعرف الحلواء . فقال المقتدر : ما ظننت أن في الدنيا من يأكل طعاما لا حلواء بعده . قال : فقال الملاح : حلواؤنا التمر والكسب ، فإن نشط أحضرته .

فقال : لا ، هذا حلواء صعب لا أطيقه ، فأحضرونا من حلوائنا . فأحضرت عدة جامات فأكل ، ثم قال لصاحب المائدة : اعمل في كل يوم جونة ينفق عليها ما بين عشرة دنانير إلى مائتي درهم ، وسلمها إلى جعفر الملاح تكون برسم الطيار أبدا ، فإن ركبت يوما على غفلة كما ركبت اليوم كانت معدة ، وإن جاءت المغرب ولم أركب كانت لجعفر . قال : فعملت إلى أن قتل المقتدر ، وكان جعفر يأخذها ، وربما حاسب عليها لأيام وأخذها دراهم ، وما ركب المقتدر بعدها على غفلة ولا احتاج إليها .

أخبرنا علي بن المحسن القاضي قال : حدثني أبي قال : حدثنا أبو علي الحسين بن محمد الأنباري الكاتب قال : سمعت دلويه الكاتب يحكي عن صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد أنه قال : مشيت يوما بين يدي المعتضد وهو يريد دور الحرم ، فلما بلغ إلى باب شغب أم المقتدر وقف يتسمع ويطلع من خلل في الستر ، فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها ، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن ، وبين يديه طبق فضة فيه عنقود عنب في وقت فيه العنب عزيز جدا ، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور ، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى فني العنقود ، والمعتضد يتميز غيظا . قال : فرجع ولم يدخل الدار ، ورأيته مهموما ، فقلت : يا مولاي ، ما سبب ما فعلته وما قد بان عليك ؟ فقال : يا صافي ، والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم ، فإن في قتله صلاحا للأمة . فقلت : يا مولاي ، حاشاه ! أي شيء عمل ؟! أعيذك بالله ، يا مولاي العن إبليس .

فقال : ويحك ! أنا أبصر بما أقوله ، أنا رجل قد سست الأمور ، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد ، ولابد من موتي ، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي ، وسيجلسون ابني عليا - يعني المكتفي - وما أظن عمره يطول للعلة التي به - قال صافي : يعني الخنازير التي كانت في حلقه - فيتلف عن قرب ، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي ، ولا يجدون بعده أكبر من جعفر ، فيجلسونه وهو صبي ، وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل ، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم ، والشح على مثله في طباع الصبيان ، فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن ، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب ، ويبذر ارتفاع الدنيا ويخربها ، فتضيع الثغور ، وتنتشر الأمور ، وتخرج الخوارج ، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا . فقلت : يا مولاي ، بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة منك ، ويصير كهلا في أيامك ، ويتأدب بآدابك ، ويتخلق بخلقك ، ولا يكون هذا الذي ظننت . فقال : احفظ عني ما أقوله ، فإنه كما قلت .

قال : ومكث يومه مهموما ، وضرب الدهر ضربته ومات المعتضد ، وولي المكتفي فلم يطل عمره ، ومات وولي المقتدر ، فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها ، فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه وحللت البدر وجعل يفرقها على الجواري والنساء ويلعب بها ويمحقها ويهبها ، ذكرت مولاي المعتضد وبكيت . قال : وقال صافي : كنت يوما واقفا على رأس المعتضد ، فقال : هاتم فلانا الطيبي ، خادم يلي خزانة الطيب ، فأحضر ، فقال له : كم عندك من الغالية ؟ فقال : نيف وثلاثون حبا صينيا مما عمله عدة من الخلفاء . قال : فأيها أطيب ؟ قال : ما عمله الواثق .

قال : أحضرنيه . فأحضره حبا عظيما يحمله خدم عدة بدهق ومصقلة ، ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذكاء ، فأعجبت المعتضد وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحب ، فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا من غير أن يشعث رأس الحب ، وجعله في لحيته وقال : ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب ، شيلوه . فرفع ، ومضت الأيام ، فجلس المكتفي للشرب يوما وهو خليفة ، وأنا قائم على رأسه ، فطلب غالية ، فاستدعى الخادم وسأله عن الغوالي ، فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه ، فاستدعى غالية الواثق ، فجاءه بالحب بعينه ففتح ، فاستطابه وقال : أخرجوا منه قليلا .

فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالا ، فاستعمل منه في الحال ما أراده ، ودعا بعتيدة له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الأيام ، وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع . ومضت الأيام وولي المقتدر الخلافة ، وجلس مع الجواري يشرب يوما ، وكنت على رأسه ، فأراد أن يتطيب ، فاستدعى الخادم وسأله ، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه ، فقال : هات الغوالي كلها . فأحضرت الحباب كلها ، فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال ، وخمسين ، وأقل وأكثر ، فيشمه ويفرقه على من بحضرته ، حتى انتهى إلى حب الواثق فاستطابه ، فقال : هاتم عتيدة حتى يخرج إليها من هذا ما يستعمل .

فجاءوه بعتيدة ، وكانت عتيدة المكتفي بعينها ، ورأى الحب ناقصا والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كبير شيء ، فقال : ما السبب في هذا ؟ فأخبرته بالخبر على شرحه ، فأخذ يعجب من بخل الرجلين ويضع منهما بذلك ، ثم قال : فرقوا الحب بأسره على الجواري . فما زال يخرج منه أرطالا أرطالا وأنا أتمزق غيظا ، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد ، إلى أن مضى قريب من نصف الحب ، فقلت له : يا مولاي ، إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها ، وما لا يعتاض منه ، فلو تركت ما بقي فيها لنفسك وفرقت من غيرها كان أولى . قال : وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد ، فاستحيى مني ورفع الحب ، فما مضت إلا سنين من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي ، واحتاج أن عجن غالية بمال عظيم .

أخبرنا علي بن المحسن بن علي قال : حدثني أبي قال : أجري في مجلس أبي يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله ، فقال بعض الحضار : كان جاهلا . فقال أبي : مه ؛ فإنه لم يكن كذلك ، وما كان إلا جيد العقل صحيح الرأي ، ولكنه كان مؤثرا للشهوات ، ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يقول - وقد جرى ذكره بحضرته في خلوة : ما هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام متتابعة حتى يصح ذهنه ، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه ولا أبصر بالرأي ، أعرف بالأمور ، وأسد في التدبير ، ولو قلت : إنه إذا ترك النبيذ هذه المدة في أصالة الرأي وصحة العقل كالمعتضد والمأمون ومن أشبههما من الخلفاء ما خشيت أن أقع بعيدا . حدثني عبيد الله بن أبي الفتح ، عن طلحة بن محمد بن جعفر قال : ولليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة قتل المقتدر فوق رقة الشماسية .

موقع حَـدِيث