حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ بغداد

الحسن بن سهل بن عبد الله أبو محمد

الحسن بن سهل بن عبد الله ، أبو محمد ، وهو أخو ذي الرياستين الفضل بن سهل . كانا من أهل بيت الرياسة في المجوس ، وأسلما هما وأبوهما سهل في أيام هارون الرشيد ، واتصلوا بالبرامكة ، وكان سهل يتقهرم ليحيى بن خالد بن برمك ، وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معهما ، فضم جعفر الفضل بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ، ولم يزل معه إلى أن قتل الفضل بخراسان ، فكتب المأمون إلى الحسن بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره ، ويأمره بإجراء الأمر مجراه . فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من سائر القواد يخالف للحسن أمرا ، ولا يخرج له عن طاعة ، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد ، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون ، وبايعوا إبراهيم بن المهدي ، فحاربه الحسن بن سهل ثم ضعف عنه ، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام بها ، وأقبل المأمون من خراسان ، فقوي لذلك الحسن بن سهل ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم بن المهدي ، فضعف أمر إبراهيم واستتر ، ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه ، فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه ، وذلك في سنة أربع ومائتين .

ثم إن المأمون تزوج بوران بنت الحسن بن سهل ، وانحدر إلى فم الصلح للبناء على بوران بها في شهر رمضان من سنة عشر ومائتين ، فدخل بها ، ثم انصرف وخلف بوران عند أمها إلى أن حملت إليه . أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب الوزان قال : حدثني جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الفضل بن قفرجل قال : حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال : حدثنا عون بن محمد قال : حدثنا عبد الله بن أبي سهل قال : لما بنى المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل وانحدر إليهم إلى ناحية واسط ، فرش له يوم البناء حصير من ذهب مسفوف ، ونثر عليه جوهر كثير ، فجعل بياض الدر يشرق على صفرة الذهب وما مسه أحد ، فوجه الحسن إلى المأمون : هذا نثار يجب أن يلقط ، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء : شرفن أبا محمد . فمدت كل واحدة منهن يدها فأخذت درة ، وبقي باقي الدر يلوح على الحصير الذهب ، فقال المأمون : قاتل الله أبا نؤاس ! لقد شبه بشيء ما رآه قط ، فأحسن في وصف الخمر والحباب الذي فوقها ، فقال [ من البسيط ] : كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب فكيف لو رأى هذا معاينة ! وكان أبو نؤاس في هذا الوقت قد مات .

قلت : وقيل : إن الحسن نثر على المأمون ألف حبة جوهر ، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل ، ونثر على القواد رقاعا فيها أسماء ضياع فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة التي فيها ، وأنفق الحسن في وليمته أربعة آلاف ألف دينار ، وكان يجري مدة إقامة المأمون عنده على ستة وثلاثين ألف ملاح ! فلما أراد المأمون أن يصاعد أمر له بألف ألف دينار وأقطعه مدينة الصلح . وعاش الحسن إلى أيام جعفر المتوكل . أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال : أخبرنا أبو علي محرز الكاتب قال : حضرت مجلس أبي محمد الحسن بن سهل ووردت عليه رقعة من الحسن بن وهب ، واستأذنته في نسخها فأذن لي ، فكانت نسختها : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ، أعز الله الأمير وأكرمه وأيده ، وأتم نعمته عليه ، إن من اكتتم - أبقى الله الأمير - بحاجته وسترها عمن لا مذهب له فيها إلا إليه ، ولا سداد لها إلا عنده ، فقد أضاع حظه ، وظاهر على نفسه ، وقد أصبحت - أعز الله الأمير - موصول الرغبة بالأمير ، ممدود الأمل في فضله ، لا أنسب قديما إلا إليه ، ولا أرجو حديثا إلا عنده ، فأستوهب الله بقاء الأمير ودوام الكرامة له ، وقد ابتعت منزلا بالحضرة جمعت فيه ما كان متفرقا من أمري ، وتوخيت أن تظهر به نعم الأمير عندي ، ومبلغ ثمنه أربعون ألف درهم ، فإن رأى الأمير أن يتحمل عن عبده وصنيعته ما رأى تحمله من هذه النائبة ويصل ذلك بما تقدم من إحسانه وإنعامه ، ويلحقه فيه بنظرائه الذين شملتهم نعم الأمير وتظاهرت عليهم - فعل إن شاء الله .

فوجه إليه بمائة ألف درهم . أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن همام الشيباني قال : أخبرنا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان المقرئ الخاقاني قال : حدثني أبي ، عن أبيه قال : حضرت الحسن بن سهل وجاءه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها ، فأقبل الرجل يشكره ، فقال له الحسن بن سهل : علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ! ثم أنشأ الحسن يقول [ من الكامل ] : فرضت علي زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع فاجهد بوسعك كله أن تنفعا أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن المازني قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال : حدثنا جعفر بن أبي العيناء قال : لما مات الحسن بن سهل قال أبي : والله لئن أتعب المادحين لقد أطال بكاء الباكين ، ولقد أصيبت به الأيام ، وخرست بموته الأقلام ، ولقد كان بقية وفي الناس بقية ، فكيف اليوم وقد بادت البرية ؟ أخبرني محمد بن علي الصوري قال : أخبرنا الحسن بن حامد الأديب قال : حدثنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال : قرئ على الحسن بن عليل وأنا أسمع : حدثكم مسعود بن بشر المازني قال : حدثنا يانس بن عبد الله الخادم قال : سأل محمد بن عبد الملك الزيات أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي عرض رقعة على الحسن بن سهل فعرضها عليه ، فقال له الحسن : نحن في شغل عن هذا . فقال له أبو دلف : مثلك - أطال الله بقاءك - لا يشتغل عن محمد بن عبد الملك .

فقال لخازنه : احمل مع أبي دلف إليه عشرين ألف درهم ، قال : فلما وصلت إلى محمد كتب إليه بهذين البيتين [ من البسيط ] : أعطيتني يا ولي الحق مبتديا عطية كافأت مدحي ولم ترني ما سمت برقك حتى نلت ريقه كأنما كنت بالجدوى تبادرني فعرضها أبو دلف على الحسن بن سهل فقال : يا غلام ، احمل إلى محمد خمسة آلاف دينار . أخبرني أبو القاسم الأزهري قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : سنة ست وثلاثين - يعني ومائتين - فيها مات الحسن بن سهل ، وقد أتت له سبعون سنة . وكان من أسمح الناس وأكرمهم ، فحدثني بعض ولده أنه رأى سقاء يمر في داره ، فدعا به ، فقال : ما حالتك ؟ فشكا ضيقه ، وذكر أن له ابنة يريد زفافها ، فأخذ ليوقع له بألف درهم فأخطأ فوقع له بألف ألف درهم ، فأتى بها السقاء وكيله فأنكر ذلك ، وتعجب أهله منه واستعظموه ، وتهيبوا مراجعته ، فأتوا غسان بن عباد بن عباد ، وكان غسان أيضا من الكرماء ، فأتى الحسن بن سهل فقال له : أيها الأمير ، إن الله لا يحب المسرفين .

فقال له الحسن : ليس في الخير إسراف . ثم ذكر أمر السقاء فقال : والله لا رجعت عن شيء خطته يدي . فصولح السقاء على جملة منها ودفعت إليه .

موقع حَـدِيث