حبيب بن أوس أبو تمام الطائي
حبيب بن أوس ، أبو تمام الطائي الشاعر . شامي الأصل ، كان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع , ثم جالس الأدباء ، فأخذ عنهم وتعلم منهم . وكان فطنا فهما ، وكان يحب الشعر ، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد ، وشاع ذكره وسار شعره ، وبلغ المعتصم خبره ، فحمله إليه وهو بسر من رأى فعمل أبو تمام فيه قصائد عدة ، وأجازه المعتصم ، وقدمه على شعراء وقته .
وقدم إلى بغداد فجالس بها الأدباء ، وعاشر العلماء . وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق ، وكرم النفس . وقد رَوَى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارا مسندة ، وهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مرينا بن سهم بن خلجان بن مروان بن دفافة بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الحارث بن طيء ، واسمه جلهم بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن عمران بن موسى ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي سعد البزاز ، قال : أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر قال ، قال : حدثني حبيب بن أوس أبو تمام الطائي قال : حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال : ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس ، فقال سليمان : كلا ، إن من تكلم فأحسن ، قدر على أن يسكت فيحسن ، وليس كل من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن . قال حبيب : وتذوكر الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنه ، والصمت ونبله ، فقال : ليس النجم كالقمر ، إنك إنما تمدح السكوت بالكلام ، ولن تمدح الكلام بالسكوت ، وما نبأ عن شيء فهو أكبر منه . أخبرني علي بن أيوب القمي ، قال : أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال : قال قوم : إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني ، فغير فصير أوسا .
أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ، قال : أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري ، قال : حدثنا محمد بن محمود الخزاعي ، قال : حدثنا علي بن الجهم قال : كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة فيتناشدون الشعر ، ويعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها ، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ، ودعبل وأبو الشيص ، وابن أبي فنن ، والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضا أبصرت شابا في أخريات الناس جالسا في زي الأعراب وهيئتهم ، فلما قطعنا الإنشاد قال لنا : قد سمعت إنشادكم منذ اليوم ، فاسمعوا إنشادي . قلنا : هات ، فأنشدنا [من البسيط] : فحواك دل على نجواك يا مذل حتام لا يتقضى قولك الخطل فإن أسمج من تشكو إليه هوى من كان أحسن شيء عنده العذل ما أقبلت أوجه اللذات سافرة مذ أدبرت باللوي أيامنا الأول إن شئت أن لا ترى صبر القطين بها فانظر على أي حال أصبح الطلل كأنما جاد مغناه فغيره دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل ولو ترانا وإياهم وموقفنا في موقف البين لاستهلالنا زجل من حرقة أطلقتها فرقة أسرت قلبا ومن عذل في نحره عذل وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر عين طوتهن في أحشائها الكلل ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم . تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال : فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره ثم مر فيها إلى آخرها .
فقلنا : زدنا ، فانشدنا [من الكامل] : دمن ألم بها فقال سلام كم حل عقدة صبره الإلمام ثم أنشدها إلى آخرها ، وهو يمدح فيها المأمون . واستزدناه ، فأنشدنا قصيدته التي أولها [من الكامل] : قدك اتئد أربيت في الغلواء كم تعذلون وأنتم سجرائي حتى انتهى إلى آخرها ، فقلنا له : لمن هذا الشعر ؟ فقال : لمن أنشدكموه ، قلنا : ومن تكون ؟ قال : أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، فقال له أبو الشيص : تزعم أن هذا الشعر لك ، وتقول : تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال : نعم ؛ لأني سهرت في مدح ملك ، ولم أسهر في مدح سوقة ، فعرفناه حتى صار معنا في موضعنا ، ولم نزل نتهاداه بيننا ، وجعلناه كأحدنا ، واشتد إعجابنا به ؛ لدماثته ، وظرفه ، وكرمه ، وحسن طبعه ، وجودة شعره ، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه . ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان .
أخبرني علي بن أيوب القمي ، قال : أخبرنا محمد بن عمران الكاتب ، قال : أخبرني الصولي ، قال : حدثني الحسين بن إسحاق قال : قلت للبحتري : الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام ؟ فقال : والله ما ينفعني هذا القول ولا يضير أبا تمام ، والله ما أكلت الخبز إلا به ، ولوددت أن الأمر كما قالوا ، ولكني والله تابع له ، لائذ به ، آخذ منه ، نسيمي يركد عند هوائه ، وأرضي تنخفض عند سمائه . وأخبرني علي بن أيوب ، قال : أخبرنا محمد بن عمران ، قال : أخبرني محمد بن يحيى الصولي , ، قال : حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز قال : حدثت إبراهيم بن المدبر ، ورأيته يستجيد شعر أبي تمام ولا يوفيه حقه ، بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي وجعلته مثلا له ، قال : بعثني أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعارا ، وكنت معجبا بشعر أبي تمام ، فقرأت عليه من أشعار هذيل ، ثم قرأت عليه أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل [من الرجز] : وعاذل عذلته في عذله فظن أني جاهل من جهله حتى أتممتها ، فقال : اكتب لي هذه ، فكتبتها له ، ثم قلت : أحسنة هي ؟ قال : ما سمعت بأحسن منها ، قلت : إنها لأبي تمام . قال : خرق خرق .
قال ابن المعتز : وهذا الفعل من العلماء مفرط القبح ؛ لأنه يجب أن لا يدفع إحسان محسن ، عدوا كان أو صديقا ، وأن تؤخذ الفائدة من الرفيع والوضيع ، فإنه يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال : الحكمة ضالة المؤمن ، فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك . ويروى عن بزر جمهر أنه قال : أخذت من كل شيء أحسن ما فيه ، حتى انتهيت إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب ، فقيل له : وما أخذت من الكلب ؟ قال : إلفه لأهله ، وذبه عن حريمه . قيل : فمن الغراب ؟ قال : شدة حذره ، قيل : فمن الخنزير ؟ قال : بكوره في إرادته ، قيل : فمن الهرة ؟ قال : حسن رفقها عند المسألة ، ولين صياحها .
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين بن محمد الجازري ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن يحيى الصولي , ، قال : حدثنا محمد بن موسى بن حماد ، قال : سمعت علي بن الجهم وقد ذكر دعبلا ، فكفره ولعنه ، وقال : كان قد أغري بالطعن على أبي تمام وهو خير منه دينا وشعرا ، فقال له رجل : لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك له ، فقال : إلا يكن أخا بالنسب ، فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة ، أوما سمعت قوله في طيء [من الكامل] : إن يكد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد أخبرني أبو الحسن بن محمد بن عبد الواحد ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازلي , ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثني أبو علي محرز ، قال : اعتل أبو علي الحسن بن وهب من حمى نافض وصالب , وطاولته ، فكتب إليه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي : يا حليف الندى ويا تؤم الجو د ويا خير من حبوت القريضا ليت حماك في وكان لك الأجـ ر ، فلا تشتكي وكنت المريضا أخبرني أبو القاسم الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة ، قال : سنة ثمان وعشرين فيها مات أبو تمام الطائي . وأخبرني الأزهري ، قال : حدثنا علي بن عمر الحافظ ، قال : حدثنا أبو علي الكوكبي ، قال : حدثنا أبو سليمان النابلسي إدريس بن يزيد قال : قال لي تمام بن أبي تمام الطائي : ولد أبي سنة ثمان وثمانين ومائة ، ومات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين . أخبرني علي بن أيوب ، قال : أخبرنا محمد بن عمران الكاتب ، قال : أخبرني الصولي , قال : حدثني محمد بن موسى ، قال : عني الحسن بن وهب بأبي تمام , وكان يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات ، فولاه بريد الموصل ، فأقام بها أقل من سنتين ، ومات في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، ودفن بالموصل .
قال الصولي : وحدثني عون بن محمد الكندي ، قال : سمعت أبا تمام يقول : مولدي سنة تسعين ومائة ، قال : وأخبرني مخلد الموصلي أن أبا تمام مات بالموصل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين . وقال الصولي : قال علي بن الجهم يرثي أبا تمام [من الكامل] : غاضت بدائع فطنة الأوهام وَعَدَت عليها نكبة الأيام وغدا القريض ضئيل شخص باكيا يشكو رزيته إلى الأقلام وتأوهت غرر القوافي بعده ورمى الزمان صحيحها بسقام أودى مثقفها ورائض صعبها وغدير روضتها أبو تمام أخبرنا علي بن أبي المعدل ، قال : حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثني محمد بن موسى ، قال : قال الحسن بن وهب يرثي أبا تمام الطائي [من الكامل] : فجع القريض بخاتم الشعراء وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاورا في حفرة وكذاك كانا قبل في الأحياء قال محمد بن يحيى : ولمحمد بن عبد الملك الزيات يرثيه وهو حينئذ وزير [من الكامل] : نبأ أتى من أعظم الأنباء لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم ناشدتكم لا تجعلوه الطائي