دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن
4448- دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن ، أبو محمد السجستاني المعدل .
سمع الحديث ببلاد خراسان ، وبالري ، وحلوان ، وبغداد ، والبصرة ، والكوفة ، ومكة . وكان من ذوي اليسار والأحوال ، وأحد المشهورين بالبر والإفضال ، وله صدقات جارية ووقوف محبسة على أهل الحديث ببغداد ، ومكة ، وسجستان .
وكان جاور بمكة زمانا ، ثم سكن بغداد واستوطنها ، وحدث بها عن محمد بن عمرو الحرشي ، ومُحَمد بن النضر الجارودي ، وجعفر بن محمد الترك ، وعبد الله بن شيرويه النيسابوريين ، وعن عثمان بن سعيد الدارمي ، وعلي بن محمد بن عيسى الجكاني الهرويين ، وعن محمد بن إبراهيم
البوشنجي ، والحسن بن سفيان النسوي ، ومُحَمد بن أيوب ، وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازيين ، وإبراهيم بن زهير الحلواني ، ومُحَمد بن رمح البزاز ، ومُحَمد بن أحمد ابن البراء العبدي ، وأحمد بن القاسم بن المساور ، ومُحَمد بن شاذان الجوهريين ، ومُحَمد بن سليمان الباغندي ، ومُحَمد بن غالب التمتام ، وبشر بن موسى الأسدي ، وعلي بن الحسن بن بنان الباقلاني ، وإسحاق بن الحسن الحربي ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وأحمد بن علي الأبار ، وموسى بن هارون الحافظ ، ومعاذ بن المثنى العنبري ، وأبي مسلم الكجي ، وعبيد الله بن موسى الإصطخري ، ومُحَمد بن يحيى بن المنذر القزاز البصري ، وعباس بن الفضل الإسفاطي ، وعبد العزيز بن معاوية القرشي ، وأحمد بن موسى الحمار الكوفي ، ومُحَمد بن عبد الله الحضرمي ، وعلي بن عبد العزيز البغوي ، ومُحَمد بن علي بن زيد الصائغ المكي ، وخلق كثير سوى هؤلاء .
رَوَى عنه أبو عمر بن حيويه ، وأبو الحسن الدارقطني . وحدثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه ، وأبو الحسين بن الفضل ، وعلي وعبد الملك ابنا بشران ، وعلي بن أحمد الرزاز ، وأحمد بن علي البادا ، وأحمد بن عبد الله ابن المحاملي ، وغيلان بن محمد السمسار ، وأبو علي بن شاذان ، وغيرهم .
وكان ثقة ثبتا ، قبل الحكام شهادته ، وأثبتوا عدالته ، وجمع له المسند ، وحديث شعبة ومالك ، وغير ذلك . وبلغني أنه بعث بكتابه المسند إلى أبي العباس بن عقدة لينظر فيه ، وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين دينارا .
وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله ، والمصنف له كتبه ، فحدثني القاضي أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني ، قال : صنفت لدعلج المسند الكبير ، فكان إذا شك في حديث ضرب عليه ، ولم أر في مشايخنا أثبت منه .
قال لي أبو العلاء : وقال عمر بن جعفر البصري : ما رأيت ببغداد ممن انتخبت عليهم أصح كتبا ، ولا أحسن سماعا من دعلج بن أحمد .
حدثني علي بن محمد بن نصر الدينوري ، قال : سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول : سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد ، فقال : كان ثقة مأمونا . وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله .
حدثني أبو القاسم الأزهري ، عن أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه ، قال : أدخلني دعلج إلى داره ، وأراني بدرا من المال معبأة في منزله ، وقال لي : يا أبا عمر ، خذ من هذه ما شئت ، فشكرت له ، وقلت : أنا في كفاية وغنى عنها ، فلا حاجة لي فيها .
حكى لي القاضي أبو العلاء الواسطي عن دعلج أنه سئل عن سبب مفارقته مكة بعد أن سكنها ، فقال : خرجت ليلة من المسجد ، فتقدم ثلاثة من الأعراب ، فقالوا : أخ لك من أهل خراسان قتل أخانا ، فنحن نقتلك به . فقلت : اتقوا الله ، فإن خراسان ليس بمدينة واحدة ، فلم أزل أداريهم إلى أن اجتمع الناس وخلوا عني ، فكان هذا سبب انتقالي إلى بغداد . وكان يقول : ليس في الدنيا مثل داري ، وذاك أنه ليس في الدنيا مثل بغداد ، ولا ببغداد مثل القطيعة ، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف ، وليس في الدرب مثل داري .
حدثني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد ، وكان من أهل الدين والقرآن والصلاح ، عن شيخ سماه ، فذهب عني حفظ اسمه ، قال : حضرت يوم جمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور ، فرأيت رجلا بين يدي في الصف حسن الوقار ، ظاهر الخشوع ، دائم الصلاة ، لم يزل يتنفل مذ دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة ، ثم جلس ، قال : فعلتني هيبته ودخل قلبي محبته ، ثم أقيمت الصلاة فلم يصل مع الناس الجمعة ، فكبر علي ذلك من أمره ، وتعجبت من حاله ، وغاظني فعله ، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه وقلت له : أيها الرجل ، ما رأيت أعجب من أمرك ! أطلت النافلة وأحسنتها وتركت الفريضة وضيعتها ؟ فقال : يا هذا ؛ إن لي عذرا وبي علة منعتني عن الصلاة ، قلت : وما
هي ؟ فقال : أنا رجل علي دين ، اختفيت في منزلي مدة بسببه ، ثم حضرت اليوم الجامع للصلاة ، فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحبي الذي له الدين علي ورائي ، فمن خوفه أحدثت في ثيابي فهذا خبري ، فأسألك بالله إلا سترت علي ، وكتمت أمري ، قال : فقلت : ومن الذي له عليك الدين ؟ قال : دعلج بن أحمد ، قال : وكان إلى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وهو لا يعرفه ، فسمع هذا القول ، ومضى في الوقت إلى دعلج فذكر له القصة ، فقال له دعلج : امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام ، واطرح عليه خلعة من ثيابي ، وأجلسه في منزلي ، حتى انصرف من الجامع ، ففعل الرجل ذلك ، فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام فأحضر ، فأكل هو والرجل ، ثم أخرج حسابه فنظر فيه ، وإذا له عليه خمسة آلاف درهم ، فقال له : انظر لا يكون عليك في الحساب غلط ، أو نسي لك نقده ، فقال الرجل : لا ، فضرب دعلج على حسابه وكتب تحته علامة الوفاء ، ثم أحضر الميزان ووزن خمسة آلاف درهم ، وقال له : أما الحساب الأول فقد حللناك مما بيننا وبينك فيه ، وأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف الدرهم ، وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك إيانا في مسجد الجامع ، أو كما قال .
حدثني أبو منصور محمد بن أحمد العكبري ، قال : حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسين الواعظ ، قال : أودع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار ليتيم ، فضاقت يده وامتدت إليها ، فأنفقها ، فلما بلغ الغلام مبلغ الرجال أمر السلطان بفك الحجر عنه ، وتسليم ماله إليه ، وتقدم إلى ابن أبي موسى بحمل المال ليسلم إلى الغلام ، قال ابن أبي موسى : فلما تقدم إلي بذلك ضاقت علي الأرض بما رحبت ، وتحيرت في أمري ، لا أعلم من أي وجه أغرم المال ، فبكرت من داري ، وركبت بغلتي ، وقصدت الكرخ لا أعلم أين أتوجه ، فانتهت بي بغلتي إلى درب السلولي ، ووقفت بي على باب مسجد
دعلج بن أحمد ، فثنيت رجلي ، ودخلت المسجد فصليت خلفه صلاة الفجر ، فلما سلم انفتل إلي ورحب بي ، وقام وقمت معه ، ودخل إلى داره ، فلما جلسنا جاءته الجارية بمائدة لطيفة وعليها هريسة . فقال : يأكل الشريف ، فأكلت وأنا لا أحصل أمري ، فلما رأى تقصيري ، قال : أراك منقبضا ، فما الخبر ؟ فقصصت عليه القصة ، وإني أنفقت المال . فقال : كل ؛ فإن حاجتك تقضى ، ثم أحضر حلواء ، فأكلنا ، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا ، قال : يا جارية ، افتحي ذلك الباب ، فإذا خزانة مملوءة زبلا مجلدة ، فأخرج إلي بعضها وفتحها إلى أن أخرج النقد الذي كانت الدنانير منه ، واستدعى الغلام والتخت والطيار ، فوزن عشرة آلاف دينار وبدرها ، وقال : يأخذ الشريف هذه ، فقلت : يثبتها الشيخ علي ، فقال : أفعل ، وقمت وقد كاد عقلي يطير فرحا ، فركبت بغلتي وتركت الكيس على القربوس وغطيته بطيلساني ، وعدت إلى داري ، وانحدرت إلى دار السلطان بقلب قوي وجنان ثابت ، فقلت : ما أظن إلا أنه قد استشعر في أني قد أكلت مال اليتيم واستبددت به ، والمال قد أخرجته ، فأحضر قاضي القضاة والشهود والنقباء وولات العهود ، وأحضر الغلام وفك حجره ، وسلم المال إليه ، وعظم الشكر لي والثناء علي ، فلما عدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخلافة ، وكان عظيم الحال ، فقال : قد رغبت في معاملتك وتضمينك أملاكي ببادوريا ونهر الملك ، فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال ، وجاءت السنة ووفيته ، وحصل في يدي من الربح ما له قدر كبير ، وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين ، فلما مضت حسبت حسابي وقد تحصل
في يدي ثلاثون ألف دينار ، فعزلت عوض العشرة الآلاف دينار التي أخذتها من دعلج وحملتها إليه ، وصليت معه الغداة ، فلما انفتل من صلاته ورآني نهض معي إلى داره ، وقدم المائدة والهريسة ، فأكلت بجأش ثابت وقلب طيب ، فلما قضينا الأكل قال لي : خبرك وحالك ؟ فقلت : بفضل الله وبفضلك قد أفدت - بما فعلته معي - ثلاثين ألف دينار ، وهذه عشرة آلاف عوض الدنانير التي أخذتها منك ، فقال : يا سبحان الله ، والله ما خرجت الدنانير عن يدي ونويت آخذ عوضها ، حل بها الصبيان . فقلت له : أيها الشيخ ، أيش أصل هذا المال حتى تهب لي عشرة آلاف دينار ؟ فقال : نشأت وحفظت القرآن ، وسمعت الحديث ، وكنت أتبزز ، فوافاني رجل من تجار البحر ، فقال لي : أنت دعلج بن أحمد ؟ فقلت : نعم ، فقال : قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر به ، فما سهل الله من فائدة كانت بيننا ، وما كان من جائحة ، كانت في أصل مالي . وسلم إلى بارنامجات بألف ألف درهم ، وقال : أبسط يدك ، ولا تعلم موضعا ينفق فيه هذا المتاع إلا حملته إليه ، واستنبت فيه الكفاة ، ولم يزل يتردد إلي سنة بعد سنة يحمل إلي مثل هذا والبضاعة تنمى ، فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها . قال لي : أنا كثير الأسفار في البحر ؛ فإن قضى الله علي بما قضاه على خلقه فهذا المال لك ، على أن تصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير . فأنا أفعل مثل هذا ، وقد ثمر الله المال في يدي ، فأسألك أن تطوي هذا الحديث أيام حياتي .
حدثنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان والحسن بن أبي بكر بن شاذان ؛ قالا : توفي دعلج بن أحمد يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت ،
وقال ابن شاذان : لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة .