ذو النون بن إبراهيم أبو الفيض
ذو النون بن إبراهيم ، أبو الفيض المعروف بالمصري . أصله من النوبة ، وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها إخميم ، فنزل مصر . وكان حكيما فصيحا زاهدا ، وجه إليه جعفر المتوكل على الله فحمل إلى حضرته بسر من رأى ، حتى رآه وسمع كلامه ، ثم انحدر إلى بغداد ، فأقام بها مديدة وعاد إلى مصر .
وقيل : إن اسمه ثوبان ، وذو النون لقب له . وقد أسند عنه أحاديث غير ثابتة والحمل فيها على من دونه . وحكى عنه من البغداديين : سعيد بن عياش الحناط ، وأبو العباس بن مسروق الطوسي .
أخبرنا أحمد بن علي المحتسب ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : ذو النون بن إبراهيم كنيته أبو الفيض ، ويقال : إن اسمه الفيض بن إبراهيم وذو النون لقب ، ويقال : إن اسمه ثوبان . أخبرنا الأزهري ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، قال : ذو النون بن إبراهيم المصري . روي عنه عن مالك أحاديث في أسانيدها نظر ، وكان واعظا .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين السلمي ، قال : سألت علي بن عمر عن ذي النون ، فقال : إذا صح السند إليه فأحاديثه مستقيمة وهو ثقة . أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى ، قال : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت محمد بن داود الرقي يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : لقيت ست مائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة ، أحدهم ذو النون . أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق ، قال : سمعت ذا النون المصري يقول : بينا أنا في بعض مسيري إذ لقيتني امرأة فقالت لي : من أين ؟ قلت : رجل غريب ، فقالت لي : ويحك ! وهل يوجد مع الله أحزان الغربة ، وهو مؤنس الغرباء ، ومعين الضعفاء ؟ فبكيت ، فقالت لي : ما يبكيك ؟ قلت : وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه ، قالت : إن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت : والصادق لا يبكي ؟ قالت : لا ، قلت : ولم ؟ قالت : لأن البكاء راحة القلب ، وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب شيئا أحق من الشهيق والزفير ، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب ، وهذا ضعف عند الألباء يا بطال ، فبقيت متعجبا من كلامها ، فقالت : مالك ؟ قلت : تعجبا من هذا الكلام .
قالت : وقد أنسيت القرحة التي سألت عنها ؟ قلت : لا ، قلت : علميني شيئا ينفعني الله به . قالت : وما أفادك الحكيم في مقامك هذا من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد ؟ قلت : لا ، ما أنا بمستغن عن طلب الزوائد ، قالت : صدقت . حِبَّ ربك واشتق إليه ، فإن له يوما يتجلى فيه على كرسي كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمؤون بعدها أبدا ، قال : ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول : سيدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعدني على البكاء أيام حياتي ؟ ثم تركتني ومضت .
أخبرنا عَلي بن مُحمد بن عبد الله المعدل ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق ، قال : سمعت ذا النون المصري يقول : اعلموا أن الذي أقام الحياء من الله معرفته بإحسانه إليهم ، وعلمهم بتضييع ما افترض من شكره ، فليس لشكره نهاية ، كما ليس لعطيته نهاية . أخبرنا أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فضالة النيسابوري بالري ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي بنيسابور قال : سمعت يوسف بن الحسين يقول : حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل ، وكان المتوكل مولعا به يفضله على العباد والزهاد ، فقال له المتوكل : يا أبا الفيض ، صف لي أولياء الله ؟ فقال ذو النون : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته ، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته ، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته ، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته ، ثم أخرجهم وقد أودع القلوب ذخائر الغيوب ، فهي معلقة بمواصلة المحبوب ، فقلوبهم إليه سائرة ، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة ، ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء ، وعرفهم منابت الأدواء ، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى ، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء ، وقال : يا أوليائي إن أتاكم عليل من فرقي فداووه ، أو مريض من إرادتي فعالجوه ، أو مجروح بتركي إياه فلاطفوه ، أو فار مني فرغبوه ، أو آبق مني فخادعوه ، أو خائف مني فأمنوه ، أو راغب في مواصلتي فمنوه ، أو قاصد نحوي فأدوه ، أو جبان في متاجرتي فجرئوه ، أو آيس من فضلي فعدوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو محب لي فواصلوه ، أو معظم لقدري فعظموه ، أو مستوصف نحوي فأرشدوه ، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه ، أو ناس لإحساني فذكروه . وإن استغاث بكم ملهوف فأغيثوه ، ومن وصلكم في فواصلوه ، فإن غاب عنكم فافتقدوه ، وإن ألزمكم جناية فاحتملوه , وإن قصر في واجب حق فاتركوه ، وإن أخطأ خطيئة فانصحوه ، وإن مرض فعودوه ، وإن وهبت لكم هبة فشاطروه ، وإن رزقتكم فآثروه .
يا أوليائي لكم عاتبت ، ولكم خاطبت ، وإياكم رغبت ومنكم الوفاء طلبت ؛ لأنكم بالأثرة آثرت وانتخبت ، وإياكم استخدمت واصطنعت واختصصت ، لا أريد استخدام الجبارين ، ولا مطاوعة الشرهين . جزائي لكم أفضل الجزاء ، وعطائي لكم أوفر العطاء ، وبذلي لكم أغلى البذل . وفضلي عليكم أكبر الفضل ، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة ، ومطالبتي لكم أشد المطالبة .
أنا مفتش القلوب ، أنا علام الغيوب ، أنا ملاحظ اللحظ ، أنا مراصد الهمم ، أنا مشرف على الخواطر ، أنا العالم بأطراف الجفون ، لا يفزعكم صوت جبار دوني ، ولا مسلط سواي ، فمن أرادكم قصمته ، ومن آذاكم آذيته ، ومن عاداكم عاديته ، ومن والاكم واليته ، ومن أحسن إليكم أرضيته ، أنتم أوليائي ، وأنتم أحبائي ، أنتم لي وأنا لكم . حدثنا أبو الفرج محمد بن عبيد الله الخرجوشي لفظا ، قال : حدثنا أبو العباس الحسن بن سعد المطوعي ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن بنان بن عبد الله المصري بمصر ، قال : سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم المصري يقول : سالني جعفر المتوكل أمير المؤمنين أن أكتب له دعاء يدعو به ، وأمر يحيى بن أكثم أن يكتبه له ، فقلت له : اكتب : رب أقمني في أهل ولايتك ، مقام رجاء الزيادة من محبتك ، واجعلني ولها بذكرك في ذكرك إلى ذكرك ، وفي روح بحابح أسمائك لاسمك ، وهب لي قدما أعادل بها بفضلك أقدام من لم يزل عن طاعتك ، وأحقق بها ارتياحا في القرب منك ، وأحف بها جولا في الشغل بك ، ما حييت وما بقيت رب العالمين ، إنك رؤوف رحيم ، اللهم بك أعوذ وألوذ وأؤمل البلغة إلى طاعتك ، والمثوى الصالح من مرضاتك ، وأنت ولي قدير . قال ذو النون : فقال لي يحيى بن أكثم : هذا بس ، يا أبا الفيض ؟ ! فقلت له : هذا لهذا كثير إن أراد الله به خيرا ، قال : ثم خرجت وودعته .
حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق ، قال : حدثنا علي بن عبد الله الهمذاني ، قال : حدثنا أحمد بن مقاتل الحريري مذاكرة قال : لما وافى ذو النون إلى بغداد ، اجتمع إليه جماعة من الصوفية ومعهم من يقول ، فاستأذنوه أن يقول شيئا من عنده ، فقال : نعم ، فابتدأ القوال [من الوافر] : صغير هواك عذبني فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت من قلبي هوى قد كان مشتركا أما ترثي لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى فقام ذو النون قائما ، ثم سقط على وجهه ، نرى الدم يجري منه ولا يسقط إلى الأرض منه شيء . ثم قام بعده رجل ممن كان حاضرا في المجلس يتواجد ، فقال له ذو النون : (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) فجلس الرجل . أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب ، قال : حدثنا الحسن بن الحسين الهمذاني الفقيه ، قال : سمعت محمد بن أبي إسماعيل العلوي يقول : سمعت أحمد بن رجاء بمكة يقول : سمعت ذا الكفل المصري وهو أخو ذي النون يقول : دخل غلام لذي النون إلى بغداد فسمع قوالا يقول ، فصاح غلام ذي النون صيحة خر ميتا ، فاتصل الخبر بذي النون ، فدخل إلى بغداد ، فقال : علي بالقوال ، واسترد الأبيات ، فصاح ذو النون صيحة فمات القوال ، ثم خرج ذو النون وهو يقول : النفس بالنفس والجروح قصاص .
أخبرنا الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن العباس . وأخبرنا الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي ، قالا : أخبرنا أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي ، قال : ودخلها - يعني بغداد - أبو الفيض ذو النون النوبي المعروف بالمصري ، حين أشخص إلى سر من رأى أيام المتوكل ، ثم زار جماعة من إخوانه ، فأقام ببغداد أياما يسيرة ، ثم رجع إلى مصر . أخبرنا أبو سعد الماليني إجازة , قال : أخبرنا الحسن بن رشيق المصري ، قال : حدثني جبلة بن محمد الصدفي ، قال : حدثني عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير ، قال : توفي ذو النون المصري سنة خمس وأربعين ومائتين .
وقال ابن رشيق : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الإخميمي ، قال : سمعت أبا العباس حيان بن أحمد السهمي يقول : مات ذو النون بالجيزة ، وحمل في مركب حتى عدي به إلى الفسطاط خوفا من زحمة الناس على الجسر ، ودفن في مقابر أهل المعافر ، وذلك في يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة ست وأربعين ومائتين ، وكان والده يقال له : إبراهيم مولى لإسحاق بن محمد الأنصاري ، وكان له أربعة بنين : ذو النون ، والهميسع ، وعبد الباري ، وذو الكفل ، ولم يكن أحد منهم على مثل طريقة ذي النون .