عبد الله بن السائب
عبد الله بن السائب ، أبو السائب المخزومي المديني . قدم الأنبار على أبي العباس السفاح ، وكان أديبا فاضلا مشتهرا بالغزل يهش عند سماع الشعر ، ويطرب له ، وكان مذكورا بالصلاح ، والعفاف . أخبرنا علي بن عبد العزيز الطاهري ، قال : أخبرنا علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : حدثني أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، قال : حدثني أبو ضمرة أنس بن عياض ، عن أبي السائب المخزومي قال : كان جدي في الجاهلية يكنى أبا السائب ، وبه اكتنيت ، وكان خليطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ، إذا ذكره في الإسلام قال : نعم الخليط كان أبو السائب ، لا يشاري ، ولا يماري .
قلت : واسم جده أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . أخبرني الأزهري ، قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي الأزهر ، قال : حدثنا حماد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثني أبو عبد الله الزبيري قال : كان أبو السائب المخزومي مع حسن بن زيد بالأنبار ، وكان له مكرما وذلك في ولاية أبي العباس ، فأنشده ليلة الحسن بن زيد أبياتا لمجنون بني عامر [ من الطويل ] : وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا قال : فجعل أبو السائب يحفظها ، فلما انصرف إلى منزله تذكرها فشذ عنه بعضها ، فرجع إلى الحسن بن زيد ، فلما وقف على الباب صاح بأعلى صوته أبا فلان فسمع ذلك الحسن ، فقال : افتحوا الباب لأبي السائب فقد دهاه أمر ، فلما دخل عليه قال : أجاء من أهلنا خبر ؟ قال : أعظم من ذاك ، قال : ما هو ويحك ؟ قال : تعيد علي . وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فأعادها عليه حتى حفظها .
قال إسحاق : وكان أبو السائب خيرا فاضلا ، وكان يشهد ، وكان مع هذا مشتهرا بالغزل . أخبرنا الطاهري ، قال : أخبرنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : حدثني الزبير بن بكار ، قال : حدثني محمد بن الضحاك قال : أرسل الحسن بن زيد إلى أبي السائب بصحفة من هريس في رمضان فوضعت بين يديه حين غابت الشمس ، ومعه ابنه وزوجته قبل أن يتعشوا ، فقال له ابنه : أحسن والله يا أبتاه الذي يقول [ من الطويل ] : فلما علونا شعبة بفنائه تقطع من أهل الحجاز علائقي فلا زلن دبري ظلعا لما حملتها إلى بلد ناء قليل الأصادق فقال أبو السائب : أمُّك طالق إن تعشينا ولا تسحرنا إلا بهذين البيتين ، فرفعت الهريس ، وجعلوا يرددون البيتين ، ثم أيقظهم سحرا فأنشدوهما . وقال الزبير : حدثني سليمان بن عبد العزيز الزهري ، قال : حدثني أبو ثابت محمد بن ثابت قال : مر أبو السائب بزقاق الصواغين ، فقال له صائغ : يا أبا السائب ما أحسن الذي يقول [ من الطويل ] : أليس بلاء أنني ذو صبابة بمن لا ترى عيني ومن لا أناطق وأن أمنح الهجران من غير بغضة بمن شكله للشكل مني موافق قال : فحلف أبو السائب لينفخن له بمنفاخه أبدا ، وينشده حتى يؤذن المغرب .
أخبرني أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان السلمي بدمشق ، قال : حدثنا جدي ، قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زبر القاضي ، قال : حدثنا الحسن بن عليل ، قال : حدثنا مسعود بن بشر ، قال : حدثنا الأصمعي قال : مر أبو السائب ذات يوم بغلام من آل أبي لهب يردد بيتا من شعر ، فاستمع له ففطن به الغلام فأمسك ، فقال له : فديتك أعد علي هذا البيت ، فقال : قد ذهب عني قال : فإني لا أفارقك أبدا حتى تذكره فآخذه عنك ، واتبع الغلام حتى عرف منزله فمضى أبو السائب فجاء بفراشه ودثاره فبسطه بباب الغلام واستلقى عليه ، ولج الغلام فلم يخبره به ثلاثا ، وهو بمكانه حتى سأله فيه أقاربه وجيرانه ، وجعل الناس يجيئون أفواجا ينظرون إلى أبي السائب ، ويعجبون منه ، حتى إذا كان بعد ثلاث أخبره الغلام بالبيت ، فجعل يردده حتى حفظه ، ثم انصرف . أخبرني أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قال : أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري ، قال : أخبرنا علي بن أحمد الفارسي ، قال : حدثنا أبو بكر بن زوران ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي ، قال : حدثني أبي قال : بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجل يتغنى بهذه الأبيات [ من البسيط ] : أبكي الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم قلبي وأن تجدي بعض الذي أجد ألقيت بيني وبين الحب معرفة فليس تنفد حتى ينفد الأبد وليس لي مسعد فامنن عليَّ به فقد بليت وقد أضناني الكمد قال : فخرج أبو السائب من داره يسعى خلفه ، فقال : قف يا حبيبي دعوتك ، أنا مسعدك ، إلى أين تريد ؟ قال : إلى خيام الشغف من وادي العرج ، فأصابتهما سماء شديدة ، فجعل أبو السائب يقرأ : فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ قال : فرجع إلى منزله وقد كادت نفسه أن تتلف ، فدخل عليه أصحابه وإخوانه ، فقالوا له : يا أبا السائب ما الذي تصنع بنفسك ؟ قال : إليكم عني فإني مشيت في مكرمة ، وأحييت مسلما والمحسن معان .