حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ بغداد

عبد الله أمير المؤمنين المأمون

حرف الهاء

5283 - عبد الله أمير المؤمنين المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يكنى أبا العباس ، وقيل : أبا جعفر .

دعي له بالخلافة بخراسان في حياة أخيه الأمين ، ثم قدم بغداد بعد قتله .

وكان مولد المأمون على ما أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاء ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، قال : حدثنا عباس ، يعني ابن هشام ، عن أبيه قال : ولد المأمون ليلة ملك هارون في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومِائَة .

[11/431]

أخبرنا ابن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان قال : سنة سبعين ومِائَة فيها ولد المأمون ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول ليلة مات موسى .

أخبرنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي بن الحسن المؤدب ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا محمد بن موسى الخراساني ، قال : أخبرنا الزبير بن بكار قال : أخبرتني ميمونة كاتبة إبراهيم بن المهدي قالت : سمعت إبراهيم يقول : مات خليفة ، وولي خليفة ، وولد خليفة في ليلة واحدة ؛ مات موسى ، وولي الرشيد ، وولد المأمون في ليلة واحدة .

أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد المفيد ، قال : حدثنا أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي ، قال : أخبرني علي بن الحسن بن علي بن الجعد ، قال : حدثني حاتم بن أبي حاتم الجوهري ، قال : حدثنا علي بن الجعد قال : لما قتل محمد بن زبيدة ، أفضت الخلافة إلى المأمون عبد الله بن هارون ، وهو يومئذ بخراسان بمرو ، وكان مولده سنة سبعين ومِائَة ، للنصف من ربيع الأول .

قال أبو بشر : وسمعت ابن الأزهر الكاتب يقول : استخلف المأمون يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومِائَة ، وهو ابن سبع وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرة أيام ، وبويع له وهو بخراسان .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، قال : حدثنا عمر بن حفص السدوسي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد قال : واستخلف عبد الله بن هارون المأمون في المحرم سنة ثمان وتسعين ومِائَة ، وكنيته أبو العباس ، وقد سلم عليه بالخلافة قبل ذلك ببلاد خراسان نحو سنتين ، وخلع أهل خراسان وغيرهم محمد بن هارون .

[11/432]

أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال : المأمون عبد الله بن الرشيد وكنيته أبو جعفر ، ولد بالياسرية ، ثم استخلف ، وبايع لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وسماه الرضا ، وطرح السواد وألبس الناس الخضرة ، فمات علي بسرخس ، وقدم المأمون بغداد في سنة أربع ، يعني ومائتين ، في صفر ، وطرح الخضرة ، وعاد إلى السواد . وأمر المأمون في آخر عمره أن يكون أبو إسحاق أخوه الخليفة من بعده .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، قال : حدثنا ابن أبي الدنيا قال : وكان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه ، قد وخطه الشيب ، تعلوه صفرة ، أعين ، طويل اللحية رقيقها ، ضيق الجبين ، على خده خال ، يكنى أبا العباس ، أمه أم ولد يقال لها مراجل .

أخبرنا باي بن جعفر الجيلي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثني يموت بن المزرع ، قال : حدثني عمرو بن بحر الجاحظ ، قال : كان المأمون أبيض يعلو لونه صفرة يسيرة ، وكان ساقاه من سائر جسده صفراوين حتى كأنهما طليتا بالزعفران .

أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : قال أبو محمد اليزيدي : كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري ، قال : فأتيته يوما وهو داخل ، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني ، فأبطأ علي ، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ ، فقلت لسعيد : إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر ؟ قال : أجل ، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه ، ولقوا منه أذى شديدا ، فقومه بالأدب . فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر ، قال : فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل : هذا

[11/433]

جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء ، وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد عليها متربعا ، ثم قال : ليدخل ، فدخل فقمت عن المجلس ، وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره قال : فأقبل عليه بوجهه وحديثه ، حتى أضحكه وضحك إليه ، فلما هم بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ثم سأل عني ، فجئت ، فقال : خذ على ما بقي من جزئي ، فقلت : أيها الأمير ، أطال الله بقاءك ، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ، ولو فعلت ذلك لتنكر لي ، فقال : أتراني يا أبا محمد ، كنت أطلع الرشيد على هذه ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب ؟ إذا يغفر الله لك بعد ظنك ووجيب قلبك ، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ، ولو عدت في كل يوم مائة مرة .

أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري ، قال : أخبرنا المعافى بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي قال : قال منصور البرمكي : كانت لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده ، وتقف على رأسه ، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد ، فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها والمأمون مع هارون قد قابل بوجهه وجه الجارية ، إذ أشار إليها بقبلة ، فزبرته بحاجبها ، وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك ، فنظر إليها هارون ، فقال : ما هذا ؟ فتلكأت عليه ، فقال : ضعي ما معك ، علي كذا إن لم تخبريني لأقتلنك ، فقالت : أشار إلي عبد الله بقبلة ، فالتفت إليه ، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه ، فاعتنقه ، وقال : أتحبها ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : قم فاخل بها في تلك القبة . فقام ففعل ، فقال له هارون : قل في هذا شعرا ، فأنشأ يقول [ من المجتث ] :

ظبي كنيت بطرفي عن الضمير إليه قبلته من بعيد فاعتل من شفتيه

[11/434]

ورد أخبث رد بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني حتى قدرت عليه أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن بن الحسن بن المنذر المحتسب ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل ، قال : أخبرنا أبو بكر بن دريد ، قال : حدثنا الحسن بن خضر ، قال : سمعت ابن أبي دؤاد يقول : أدخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال : ما حملك على خلافنا ؟ قال : آية في كتاب الله تعالى . قال : وما هي ؟ قال : قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فقال له المأمون : ألك علم بأنها منزلة . قال : نعم ، قال : وما دليلك ؟ قال : إجماع الأمة . قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل . قال : صدقت ، السلام عليك يا أمير المؤمنين .

حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا صالح بن محمد ، قال : حدثني أخي صدقة بن محمد قال : قال لي أبو محمد عبد الله بن محمد الزهري : قال المأمون : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة ، لأن غلبة القدرة تزول بزوالها ، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء .

أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي ، قال : أخبرنا علي بن الحسن الرازي ، قال : أخبرنا أبو علي الكوكبي ، قال : حدثنا البحتري الوليد بن عبيد ، قال : أخبرنا أبو تمام حبيب بن أوس قال : قال المأمون لأبي حفص عمر بن الأزرق الكرماني : أريدك للوزارة . قال : لا أصلح لها يا أمير

[11/435]

المؤمنين ، قال : ترفع نفسك عنها ؟ قال : ومن يرفع نفسه عن الوزارة ؟ ولكني قلت هذا رافعا لها وواضعا لنفسي بها . فقال المأمون : إنا نعرف موضع الكفاة الثقات المتقدمين من الرجال ، ولكن دولتنا منكوسة ، إن قومناها بالراجحين انتقضت ، وإن أيدناها بالناقصين استقامت ، لذلك اخترت استعمال الصواب فيك .

أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري ، قال : حدثنا المعافى بن زكريا إملاء ، قال : حدثنا محمد بن يحيى الصولي ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، قال : حدثنا أبو سهل الرازي قال : لما دخل المأمون بغداد تلقاه أهلها ، فقال له رجل من الموالي : يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك ، وزاد في نعمك ، وشكرك عن رعيتك ، فقد فقت من قبلك وأتعبت من بعدك ، وآيست أن يعتاض منك ، لأنه لم يكن مثلك ، ولا علم شبهك . أما فيمن مضى فلا يعرفونه ، وأما فيمن بقي فلا يرتجونه فهم بين دعاء لك ، وثناء عليك وتمسك بك ، أخصب لهم جنابك ، واحلولى لهم ثوابك ، وكرمت مقدرتك ، وحسنت أثرتك ، ولانت نظرتك فجبرت الفقير ، وفككت الأسير ، وأنت كما قال الشاعر [ من المنسرح ] :

ما زلت في البذل للنوال وإطلاق لعان بجرمه علق حتى تمنى البراء أنهم عندك أمسوا في القد والحلق

[11/436]

فقال المأمون : مثلك يعيب من لا يصطنعه ، ويعر من يجهل قدره فاعذرني في سالفك فإنك ستجدنا في مستأنفك .

أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي ، قال : حدثني أحمد بن الحسن الكسائي ، قال : حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني ، قال : حدثني يحيى بن أكثم قال : بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل ، فقمت لأشرب ماء ، فرآني المأمون ، فقال : ما لك ليس تنام يا يحيى ؟ قلت : يا أمير المؤمنين أنا والله عطشان . قال : ارجع إلى موضعك ، فقام والله إلى البرادة فجاءني بكوز ماء ، وقام على رأسي ، فقال : اشرب يا يحيى ، فقلت : يا أمير المؤمنين فهلا وصيف أو وصيفة يغني . فقال : إنهم نيام ، قلت : فأنا كنت أقوم للشرب ، فقال لي : لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه . ثم قال : يا يحيى ، فقلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : ألا أحدثك ، قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : حدثني الرشيد ، قال : حدثني المهدي قال : حدثني المنصور ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : حدثني جرير بن عبد الله ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيد القوم خادمهم .

أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، قال : حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد ، عن يحيى بن أكثم قال : ما رأيت أكرم من المأمون ،

[11/437]

بت عنده ليلة فعطش وقد نمنا ، فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه ، وكنت منتبها فرأيته وقد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرادة ، وبينه وبينها بعد حتى شرب ورجع . قال يحيى : ثم بت عنده ونحن بالشام وما معي أحد فلم يحملني النوم ، فأخذ المأمون سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه كي لا أنتبه ، ثم حملني آخر الليل النوم ، وكان له وقت يقوم فيه يستاك ، فكره أن ينبهني ، فلما ضاق الوقت عليه تحركت فقال : الله أكبر ، يا غلمان ، نعل أبي محمد .

قال يحيى بن أكثم : وكنت أمشي يوما مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان ، والشمس علي وهو في الظل ، فلما رجعنا قال لي : كن الآن أنت في الظل فأبيت عليه ، فقال : أول العدل أن يعدل الملك في بطانته ، ثم الذين يلونهم ، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى .

أخبرني الحسن بن محمد الخلال ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : حدثنا محمد بن الحسن بن محمد الموصلي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمود المروزي ، قال : سمعت يحيى بن أكثم القاضي يقول : ما رأيت أكمل آلة من المأمون ، وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه ، ثم قال : كنت عنده ، يعني ليلة ، أذاكره وأحدثه ، ثم نام وانتبه ، فقال : يا يحيى انظر أيش عند رجلي ، فنظرت فلم أر شيئا ، فقال : شمعة ، فتبادر الفراشون ، فقال : انظروا ، فنظروا ، فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها ، فقلت : قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب ، فقال: معاذ الله ، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم ، فقال [ من مجزوء الكامل ] :

يا راقد الليل انتبه إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه ثقة محللة العرى

[11/438]

قال : فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد ، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت .

أخبرني محمد بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن داود بن سليمان الزاهد يقول : سمعت محمد بن عبد الرحمن السامي يقول : سمعت أبا الصلت عبد السلام بن صالح يقول : حبسني الخليفة المأمون ليلة ، فكنا نتحدث حتى ذهب من الليل ما ذهب وطفئ السراج ، ونام القيم الذي كان يصلح السراج ، فدعاه فلم يجبه وكان نائما ، فقلت : يا أمير المؤمنين أصلحه ؟ فقال : لا فأصلحه هو ، ثم انتبه الخادم فظننت أنه يعاقبه لأنه كان يناديه وهو نائم فلا يجبه ، قال : فتعجبت أنا فسمعته يقول : ربما أكون في المتوضأ فيشتموني ، وأظنه قال : ويفترون علي ، ولا يدرون أني أسمع ، فأعفو عنهم .

أخبرنا الجوهري ، قال : حدثنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا الصولي ، قال : حدثنا عون بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله ابن البواب ، قال : كان المأمون يحلم حتى يغيظنا في بعض الأوقات ، جلس يستاك على دجلة من بغداد من وراء سترة ونحن قيام بين يديه ، فمر ملاح وهو يقول بأعلى صوته : أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخوه ؟ ! قال : فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا : ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل .

[11/439]

أخبرني الأزهري ، قال : حدثنا محمد بن جامع ، قال : حدثنا أبو عمر الزاهد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرد ، قال : حدثني عمارة بن عقيل ، قال : قال ابن أبي حفصة الشاعر : أعلمت أن المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر ؟ فقلت : من ذا يكون أفرس منه والله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه ، قال : إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له ، وهذا هو البيت فاسمعه [ من البسيط ] :

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت : ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة ، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها ، وهو المطوق لها ؟ ألا قلت كما قال عمك جرير لعبد العزيز بن الوليد [ من الطويل ] :

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله أخبرنا علي بن أبي علي المعدل ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني ، قال : حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدثنا أبو الفضل الربعي ، قال : لما ولد جعفر بن المأمون المعروف بابن بخة ، دخل المهنئون على المأمون فهنؤوه بصنوف من التهاني ، وكان فيمن دخل العباس بن الأحنف . فمثل قائما بين يديه ثم أنشأ يقول [ من مخلع البسيط ] :

مد لك الله الحياة مدا حتى يريك ابنك هذا جدا ثم يفدى مثلما تفدى كأنه أنت إذا تبدا أشبه منك قامة وقدا مؤزرا بمجده مردى فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم .

أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم

[11/440]

ابن محمد بن عرفة ، قال : حُكي عن أبي عبَّاد أنه ذكر المأمون يوما ، فقال : كان والله أحد ملوك الأرض ، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة .

أخبرني الخلال ، قال : حدثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله الوكيل ، قال : حدثنا القاسم بن محمد بن عباد ، قال : سمعت أبي يقول : لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان ، والمأمون .

أخبرنا أبو الفرج أحمد بن عمر بن عثمان الغضاري ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق ، قال : حدثنا الحسن بن أبي سعيد ، قال : أخبرنا ذو الرياستين في شوال سنة ثنتين ومائتين أن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة ، أما سمعتم في صوته بحوحة ؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم ، فكان يرفع صوته ليسمع ، وكان يأخذ عليه .

أخبرني الخلال ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرني محمد بن يحيى النديم ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : كان المأمون يقول : كان معاوية بعمره ، وعبد الملك بحجاجه ، وأنا بنفسي .

أخبرني الحسين بن علي الصيمري ، قال : حدثنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال : سمعت أحمد بن أبي دؤاد يقول : كان يعجبني قول المأمون ، إذا رفع الطعام من بين يديه : الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا ، وقوله عند شرب الماء البارد : شرب الماء بالثلج أدعى إلى إخلاص الحمد .

[11/441]

أخبرني الخلال ، قال : حدثنا يوسف بن عمر القواس ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن العباس بن خزام ابن حاجب المقتدر ، قال : حدثنا أبو عيسى الهاشمي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت بحضرة المأمون فأحضر رجلا فأمر بضرب عنقه ، وكان الرجل من ذوي العقول ، فقال ليحيى بن أكثم : إن أمير المؤمنين قد أمر بضرب عنقي ، وإن دمي عليه حرام ، فهل لي في حاجة أسأله إياها ، لا تضر بدينه ولا مروءته ، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي ؟ فأظهر المأمون تحرجا ، فقال ليحيى بن أكثم : سله عنها ، فقال الرجل : يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه عنقي ، فإذا فعل ذلك فهو في حل من دمي . فقام المأمون من مجلسه وضرب بيده إلى يد الرجل ، فلم يزل يخبره وينشده ويحدثه ، حتى كأنه بعض من آنس به ، فلما أن رأى السياف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال ، انعطف فقال لأمير المؤمنين المأمون : بحق هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت . فعفا عنه ، وأجزل له الجائزة .

أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي ، قال : أخبرنا أحمد بن نصر الذارع ، قال : حدثنا أبو محمد إبراهيم بن إدريس المؤدب ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية ، فقال له : والله لأقتلنك . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين تأن علي ، فإن الرفق نصف العفو . قال : فكيف وقد حلفت لأقتلنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين لأن تلقى الله حانثا ، خير لك من أن تلقاه قاتلا . قال : فخلى سبيله .

أخبرنا باي بن جعفر الجيلي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، قال : أخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثني يعقوب بن بيان الكاتب ، قال :

[11/442]

سمعت علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يقول : عاش المأمون ثمانيا وأربعين سنة ، وعاش المعتصم مثلها ، وطاهر مثلها ، وعبيد الله بن طاهر مثلها ، وعاش المتوكل ثلاثا وأربعين سنة ، وعاش الفتح مثلها .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، قال : حدثنا ابن أبي الدنيا ، قال : ومات المأمون ليلة الخميس لعشر خلون من رجب بالبذندون ، وهو متوجه يريد الغزو ، فحمل إلى طرسوس ، فدفن بها في دار خاقان الخادم ، وصلى عليه أخوه المعتصم .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، قال : حدثنا عمر بن حفص السدوسي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد قال : كانت خلافة المأمون من قتل محمد بن هارون عشرين سنة ونحو أربعة أشهر ، وتوفي في ناحية طرسوس في رجب سنة ثمان عشرة وتوفي وله ثمان وأربعون سنة ، وأمه مراجل الباذغيسية ، أم ولد ، وصلى عليه المعتصم .

أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال : ومات المأمون بالبذندون من أرض الروم لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين ، وحمل إلى طرسوس . قال أبو سعيد المخزومي [ من الخفيف ] :

ما رأيت النجوم أغنت عن المأمون ولا عن ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس مثل ما خلفوا أباه بطوس قال : وكان عمره سبعا وأربعين سنة ، وخلافته من قتل محمد عشرون سنة وخمسة أشهر ، واثنان وعشرون يوما .

موقع حَـدِيث