6357- علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله أبو الحسن الحافظ الدارقطني . سمع أبا القاسم البغوي ، وأبا بكر بن أبي داود ، ويحيى بن صاعد ، وبدر بن الهيثم القاضي ، وأحمد بن إسحاق بن البهلول ، وعبد الوهاب بن أبي حية ، والفضل بن أحمد الزبيدي ، وأبا عمر محمد بن يوسف القاضي ، وأحمد بن القاسم أخا أبي الليث الفرائضي ، وأبا سعيد العدوي , ويوسف بن يعقوب النيسابوري , وأبا حامد محمد بن هارون الحضرمي , وسعيد بن محمد أخا زبير الحافظ ، ومُحَمد بن نوح الجنديسابوري ، وأحمد بن عيسى بن السكين البلدي ، وإسماعيل بن العباس الوراق ، وإبراهيم بن حماد القاضي ، وعبد الله بن محمد بن سعيد الجمال ، وأبا طالب أحمد بن نصر الحافظ ، وخلقا كثيرا من هذه الطبقة ، ومن بعدهم . حدثنا عنه أبو نعيم الأصبهاني ، وأبو بكر البرقاني ، وأبو القاسم بن بشران ، وحمزة بن محمد بن طاهر ، والأزهري ، والخلال ، والجوهري ، والتنوخي ، وعبد العزيز الأزجي ، وأبو بكر بن بشران ، والعتيقي ، والقاضي أبو الطيب الطبري ، وجماعة غيرهم . وكان فريد عصره ، وقريع دهره ، ونسيج وحده ، وإمام وقته . انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث ، وأسماء الرجال ، وأحوال الرواة مع الصدق والأمانة ، والثقة والعدالة ، وقبول الشهادة ، وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب ، والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث ، منها القراءات ، فإن له فيها كتابا مختصرا موجزا جمع الأصول في أبواب عقدها أول الكتاب . وسمعت بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول : لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب المقدمة في أول القراءات ، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم ويحذون حذوه . ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء ، فإن كتاب السنن الذي صنفه يدل على أنه كان ممن اعتنى بالفقه ؛ لأنه لا يقدر على جمع ما تضمن ذلك الكتاب إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام . وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري ، وقيل : بل درس الفقه على صاحب لأبي سعيد ، وكتب الحديث عن أبي سعيد نفسه . ومنها أيضا المعرفة بالأدب والشعر ، وقيل : إنه كان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء . وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول : كان أبو الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السيد الحميري في جملة ما يحفظ من الشعر ، فنسب إلى التشيع لذلك . وحدثني الأزهري : أن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقال له : مسلم بن عبيد الله ، وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داود ، عن الزبير بن بكار ، وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة ، المطبوعين على العربية ، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب ، ورغبوا في سماعه بقراءته ، فأجابهم إلى ذلك . واجتمع في المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل ، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة ، أو يظفروا منه بسقطة ، فلم يقدروا على ذلك . حتى جعل مسلم يعجب ويقول له : وعربية أيضا . حدثنا محمد بن علي الصوري ، قال : سمعت أبا محمد رجاء بن محمد بن عيسى الأنصناوي المعدل يقول : سألت أبا الحسن الدارقطني ، فقلت له : رأى الشيخ مثل نفسه ؟ فقال لي : قال الله تعالى : ( فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ) ، فقلت له : لم أرد هذا ، وإنما أردت أن أعلمه لأقول رأيت شيخا لم ير مثله . فقال لي : إن كان في فن واحد فقد رأيت من هو أفضل مني ، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا . حدثني أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي ، قال : سمعت أبا ذر الهروي يقول : سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، وسئل عن الدارقطني ، فقال : ما رأى مثل نفسه . قال لي الأزهري : كان الدارقطني ذكيا إذا ذوكر شيئا من العلم ، أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر ، ولقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع أبي الحسن في دعوة عند بعض الناس ليلة ، فجرى شيء من ذكر الأكلة ، فاندفع أبو الحسن يورد أخبار الأكلة وحكاياتهم ، ونوادرهم حتى قطع ليلته ، أو أكثرها بذلك . سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري يقول : كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث ، وما رأيت حافظا ورد بغداد إلا مضى إليه وسلم له . يعني سلم له التقدمة في الحفظ ، وعلو المنزلة في العلم . حدثني الصوري ، قال : سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر يقول : أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة : علي بن المديني في وقته ، وموسى بن هارون في وقته ، وعلي بن عمر الدارقطني في وقته . أخبرنا البرقاني ، قال : كنت أسمع عبد الغني بن سعيد الحافظ كثيرا إذا حكى عن أبي الحسن الدارقطني شيئا يقول : قال أستاذي ، وسمعت أستاذي ، فقلت له في ذلك ، فقال : وهل تعلمنا هذين الحرفين من العلم إلا من أبي الحسن الدارقطني ، قال لنا البرقاني : وما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني بن سعيد . حدثنا الأزهري ، قال : بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار ، فجلس ينسخ جزءا كان معه ، وإسماعيل يملي ، فقال له بعض الحاضرين : لا يصح سماعك وأنت تنسخ . فقال الدارقطني : فهمي للإملاء خلاف فهمك ، ثم قال : تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن ؟ فقال : لا ، فقال الدارقطني : أملى ثمانية عشر حديثا ، فعدت الأحاديث فوجدت كما قال . ثم قال أبو الحسن : الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ، ومتنه كذا . والحديث الثاني عن فلان عن فلان ، ومتنه كذا ، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها ، فتعجب الناس منه ، أو كما قال . حدثنا البرقاني ، قال : سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول : كتبت ببغداد من أحاديث السوداني ، أحاديث يتفرد بها . ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه ، فجئت إليه وعنده أبو العباس بن عقدة ، فدفعت إليه الأحاديث في ورقة ، فنظر فيها أبو العباس ، ثم رمى بها واستنكرها وأبي أن يقرأها ، وقال : هؤلاء البغداديون يجيئونا بما لا نعرفه ، قال أبو الحسن : ثم قرأ أبو العباس عليه ، فمضى في جملة ما قرأه حديث منها ، فقلت له : هذا الحديث من جملة الأحاديث ، ثم مضى آخر ، فقلت : وهذا أيضا من جملتها ، ثم مضى ثالث ، فقلت : وهذا أيضا منها ، وانصرفت وانقطعت عن العود إلى المجلس لحمى نالتني . فبينا أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا بداق يدق علي الباب ، فقلت : من هذا ؟ فقال : ابن سعيد ، فخرجت وإذا بأبي العباس ، فوقعت في صدره أقبله ، وقلت : يا سيدي لم تجشمت المجيء ؟ فقال : ما عرفناك إلا بعد انصرافك ، وجعل يعتذر إلي ، ثم قال : ما الذي أخرك عن الحضور ؟ فذكرت له أني حممت . فقال : تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت ، فكنت بعد إذا حضرت أكرمني ورفعني في المجلس ، أو كما قال . سألت البرقاني . قلت له : هل كان أبو الحسن الدارقطني يملي عليك العلل من حفظه ؟ فقال : نعم ، ثم شرح لي قصة جمع العلل ، فقال : كان أبو منصور ابن الكرجي يريد أن يصنف مسندا معللاً ، فكان يدفع أصوله إلى الدارقطني فيعلم له على الأحاديث المعللة ، ثم يدفعها أبو منصور إلى الوراقين فينقلون كل حديث منها في رقعة ، فإذا أردت تعليق كلام الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن ، ثم أملى علي الكلام من حفظه فيقول : حديث الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني ، اتفق فلان وفلان على روايته ، وخالفهما فلان ، ويذكر جميع ما في ذلك الحديث ، فأكتب كلامه في رقعة مفردة ، وكنت أقول له : لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث ؟ فقال : أتذكر ما في حفظي بنظري ، ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع ، فقلت لأبي الحسن بعد سنين من موته : إني قد عزمت أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء وأرتبها على المسند ، فأذن لي في ذلك ، وقرأتها عليه من كتابي ، ونقلها الناس من نسختي . قال أبو بكر البرقاني : وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ ، فقال لي أبو مسلم : أراك تفرط في وصفه بالحفظ ، فسله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود ؟ فجئت إلى أبي الحسن وسألته عنه ، فقال : ليس هذا من مسائلك ، وإنما قد وضعت عليه ، فقلت له : نعم ، فقال : من الذي وضعك على هذه المسألة ؟ فقلت : لا يمكنني أن أسميه ، فقال : لا أجيبك ، أو تذكره لي ، فأخبرته ، فأملى علي أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه ، وذكر خطأ البخاري فيه , فألحقته بالعلل ، ونقلته إليها ، أو كما قال . سمعت القاضي أبا الطيب الطبري يقول : حضرت أبا الحسن الدارقطني ، وقد قرئت عليه الأحاديث التي جمعها في الوضوء من مس الذكر ، فقال : لو كان أحمد بن حنبل حاضرا لاستفاد هذه الأحاديث . حدثني الخلال ، قال : كنت في مجلس بعض شيوخ الحديث ، سماه الخلال وأنسيته ، وقد حضره أبو الحسين بن المظفر والقاضي أبو الحسن الجراحي ، وأبو الحسن الدارقطني وغيرهم من أهل العلم ، فحلت الصلاة ، فكان الدارقطني إمام الجماعة ، وهناك شيوخ أكبر أسنانا منه ، فلم يقدم أحد غيره . قال الخلال : وغاب مستملي أبي الحسن الدارقطني في بعض مجالسه ، فاستمليت عليه ، فروى حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تقول : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ، فقلت : اللهم إنك عفو وخففت الواو فأنكر ذلك ، وقال : عفو بتشديد الواو . حدثني الصوري ، قال : سمعت رجاء بن محمد الأنصناوي يقول : كنا عند الدارقطني يوما والقارئ يقرأ عليه ، وهو قائم يصلي نافلة ، فمر حديث فيه ذكر نسير بن ذعلوق ، فقال القارئ : بشير بن ذعلوق ، فقال الدارقطني : سبحان الله ، فقال القارئ : بشير بن ذعلوق ، فقال الدارقطني : سبحان الله ، فقال القارئ : يسير بن ذعلوق ، فقال الدارقطني ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) فقال القارئ : نسير بن ذعلوق ومر في قراءته ، أو كما قال . حدثني حمزة بن محمد بن طاهر ، قال : كنت عند أبي الحسن الدارقطني ، وهو قائم يتنفل فقرأ عليه أبو عبد الله ابن الكاتب حديثا لعمرو بن شعيب ، فقال : عمرو بن سعيد ، فقال أبو الحسن : سبحان الله ، فأعاد الإسناد ، وقال: عمرو بن سعيد ، ووقف فتلا أبو الحسن : ( يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) ، فقال ابن الكاتب : عمرو بن شعيب . حدثني الأزهري ، قال : رأيت محمد بن أبي الفوارس ، وقد سأل أبا الحسن الدارقطني عن علة حديث أو اسم فيه فأجابه ، ثم قال له : يا أبا الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري . قرأت بخط حمزة محمد بن طاهر الدقاق في أبي الحسن الدارقطني [من الطويل] : جعلناك فيما بيننا ورسولنا وسيطا فلم تظلم ولم تتجوب فأنت الذي لولاك لم يعرف الورى ولو جهدوا ما صادق من مكذب حدثني العتيقي ، قال : حضرت أبا الحسن الدارقطني ، وقد جاءه أبو الحسين البيضاوي ببعض الغرباء ، وسأله أن يقرأ له شيئا ، فامتنع واعتل ببعض العلل ، فقال : هذا غريب ، وسأله أن يملي عليه أحاديث ، فأملى عليه أبو الحسن من حفظه مجلسا يزيد عدد أحاديثه على العشرة متون جميعها : نعم الشيء الهدية أمام الحاجة ، وانصرف الرجل ، ثم جاءه بعد ، وقد أهدى له شيئا فقربه ، وأملى عليه من حفظه بضعة عشر حديثا متون جميعها : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . سمعت عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران يقول : ولد الدارقطني في سنة ست وثلاثمِائَة . حدثنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : قال لي الدارقطني في المحرم سنة خمس وثمانين وثلاثمِائَة في يوم الجمعة : يا أبا الحسين ، اليوم دخلت في السنة التي توفي لي ثمانين ، قال ابن الفضل : وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة . حدثني عبد العزيز الأزجي ، قال : توفي الدارقطني يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمِائَة . أخبرنا العتيقي ، قال : سنة خمس وثمانين وثلاثمِائَة ، توفي أبو الحسن الدارقطني يوم الأربعاء الثاني من ذي القعدة ، ومولده سنة خمس وثلاثمِائَة . وقال لي العتيقي مرة أخرى : توفي الدارقطني ليلة الأربعاء ، ودفن يوم الأربعاء الثامن من ذي الحجة سنة خمس وثمانين ، وقد بلغ ثمانين سنة وخمسة أيام . وقوله الأول هو الصحيح . وقد ذكر مثله محمد بن أبي الفوارس . ودفن أبو الحسن في مقبرة باب الدير قريبا من قبر معروف الكرخي . حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا ، قال : رأيت في المنام ليلة من ليالي شهر رمضان كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدارقطني في الآخرة وما آل إليه أمره ، فقيل لي : ذاك يدعى في الجنة الإمام .
المصدر: تاريخ بغداد
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-82/h/829613
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة