يوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي
يوسف بن يحيى ، أبو يعقوب البويطي المصري الفقيه ، صاحب الشافعي . سمع عبد الله بن وهب ، ومُحَمد بن إدريس الشافعي . رَوَى عنه : أبو إسماعيل الترمذي ، وإبراهيم بن إسحاق الحربي ، وقاسم بن المغيرة الجوهري ، وأحمد بن منصور الرمادي ، والقاسم بن هاشم السمسار .
وكان قد حمل إلى بغداد في أيام المحنة ، وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع من الإجابة إلى ذلك ، فحبس ببغداد ، ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته ، وكان صالحا متعبدا زاهدا . أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار الإستراباذي ببيت المقدس , قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الطيبي بإستراباذ ، قال : حدثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد قال : سمعت الربيع هو ابن سليمان قال : سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود يقول : كان أبو يعقوب البويطي جاري ، قال : فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي . قال الربيع : كان أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله ، أو نحو ما قال .
أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا الحسن بن الحسين بن حمكان الفقيه الهمداني قال : حدثني الفضل بن الفضل الكندي ، قال : حدثنا عبد الرحمن يعني ابن محمد الرازي قال : قال الربيع بن سليمان : ما رأيت أحدا أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي . أخبرنا العتيقي والتنوخي قالا : أخبرنا علي بن عبد العزيز البرذعي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال في كتابي عن الربيع بن سليمان قال : كان لأبي يعقوب البويطي من الشافعي منزلة ، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول : سل أبا يعقوب ، فإذا أجابه أخبره فيقول هو كما قال . قال : وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرط فيوجه الشافعي أبا يعقوب البويطي ويقول : هذا لساني .
حدثت عن أبي أحمد الحسين بن علي التميمي النيسابوري قال : سمعت محمد بن إسحاق يعني أبا بكر بن خزيمة يقول : سمعت سعد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول : كان الشافعي ربما جاء راكبا إلى الباب فيقول : ادع لي محمدا ، فأدعوه فيذهب معه إلى منزله فيبقى عنده ويقيل عنده . قال أبو بكر : وهم أربعة إخوة : عبد الحكم ، وعبد الرحمن ، ومُحَمد وسعد ، لم ندرك نحن منهم إلا اثنين ، وكان محمد أعلم من رأيت بمذهب مالك وأحفظهم له ، سمعته يقول : كنت أتعجب ممن يقول في المسائل : لا أدري . قال أبو بكر : فأما الإسناد فلم يكن يحفظه ، وكان أعبدهم وأكثرهم اجتهادا وصلاة سعد بن عبد الله ، وكان محمد من أصحاب الشافعي ، وممن يتعلم منه فوقعت وحشة بينه وبين يوسف بن يحيى البويطي في مرض الشافعي الذي توفي فيه ، فحدثني أبو جعفر السكري صديق للربيع قال : لما مرض الشافعي مرضه الذي توفي فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي مجلس الشافعي فقال البويطي : أنا أحق به منك .
وقال ابن عبد الحكم : أنا أحق بمجلسه منك ، فجاء الحميدي ، وكان في تلك الأيام بمصر فقال : قال الشافعي : ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى ، وليس أحد من أصحابي أعلم منه . فقال له ابن عبد الحكم : كذبت . فقال له الحميدي : كذبت أنت ، وكذب أبوك ، وكذبت أمك ، وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي ، وتقدم فجلس في الطاق الثالث ، وترك طاقا بين مجلس الشافعي ومجلسه ، وجلس البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس .
قال أبو بكر : وقال لي ابن عبد الحكم : كان الحميدي معي في الدار نحوا من سنة ، وأعطاني كتاب ابن عيينة ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع . أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن علي الإستراباذي ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ بنيسابور قال : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب غير مرة يقول : رأيت أبي في المنام فقال لي : يا بني عليك بكتاب البويطي ، فليس في الكتب أقل خطأ منه . أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب الخطيب بدمشق ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن عثمان السلمي ، قال : حدثنا محمد بن بشر الزنبري بمصر قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كنت عند الشافعي أنا والمزني ، وأبو يعقوب البويطي ، فنظر إلينا فقال لي : أنت تموت في الحديث .
وقال للمزني : هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدله . وقال للبويطي : أنت تموت في الحديث . قال الربيع : فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه .
أخبرنا الخلال ، قال : أخبرنا عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق قال : حدثني أحمد بن قاج من لفظه ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن حمدان بن سفيان الرازي الطرائفي قال : سمعت الربيع بن سليمان المرادي يقول : كنا جلوسا بين يدي الشافعي أنا والبويطي والمزني فنظر إلى البويطي فقال : ترون هذا ؟ إنه لن يموت إلا في حديده . ثم نظر إلى المزني فقال : ترون هذا ؟ أما إنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئا فيخطئه ، ثم نظر إلي فقال : أما إنه ما في القوم أحد أنفع لي منه ، ولوددت أني حشوته العلم حشوا . حدثنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز إملاء بهمذان ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنماطي ، قال : حدثنا محمد بن حمدان الطرائفي ، قال : حدثنا الربيع بن سليمان قال : رأيت البويطي على بغل في عنقه غل ، وفي رجليه قيد ، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا ، وهو يقول : إنما خلق الله الخلق بكن ، فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقا خلق مخلوقا ، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه يعني الواثق .
قال الربيع : وكتب إلي من السجن أنه ليأتي علي أوقات ما أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي ، فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك ، واستوص بالغرباء خاصة خيرا ، فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت [ من الطويل ] : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ولا تكرم النفس التي لا تهينها أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كتب إلي أبو يعقوب البويطي أن اصبر نفسك للغرباء ، وأحسن خلقك لأهل حلقتك ، فإني لم أزل أسمع الشافعي يقول ؛ يكثر أن يتمثل بهذا البيت : أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها أخبرنا أبو سعد الإستراباذي ، قال : أخبرنا علي بن محمد الطيبي قال : قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد قلت للربيع : سمعت البويطي يقول : إنما خلق الله كل شيء بكن ، فإن كانت كن مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقا ؟ قال : نعم . أخبرنا العتيقي ، قال : حدثنا علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري ، قال : حدثنا أبي قال : يوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي كان من أصحاب الشافعي ، وكان متقشفا ، حمل من مصر أيام الفتنة والمحنة بالقرآن إلى العراق ، فأرادوه على الفتنة فامتنع ، فسجن ببغداد وقيد وأقام مسجونا إلى أن توفي في السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وقد كتب عنه شيء يسير . أخبرنا ابن الفضل ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال : سنة إحدى وثلاثين ومائتين فيها مات البويطي .
قلت : هذا القول في وفاته أصح ، وقد ذكره هكذا غير واحد . أخبرنا العتيقي ، قال : أخبرنا محمد بن المظفر قال : قال عبد الله بن محمد البغوي . وأنبأنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا محمد بن عمر بن غالب ، قال : حدثنا موسى بن هارون قال : مات أبو يعقوب البويطي في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين .
قال موسى : وشهدت جنازته ، حبس في القرآن فلم يجب .