علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام ابن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقي الدين أبو الحسن الشافعي
علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقي الدين أبو الحسن الشافعي ، ولد بسبك العبيد أول يوم من صفر سنة 683 ، وتفقه على والده ، ودخل القاهرة ، واشتغل على ابن الرفعة ، وأخذ الأصلين عن الباجي ، والخلاف عن السيف البغدادي ، والنحو عن أبي حيان ، والتفسير عن العلم العراقي ، والقراآت عن التقي الصائغ ، والحديث عن الدمياطي ، والتصوف عن ابن عطاء الله ، والفرائض عن الشيخ عبد الله الغماري ، وطلب الحديث بنفسه ورحل فيه إلى الشام والإسكندرية والحجاز ، فأخذ عن ابن الموازيني وابن مشرف وعن يحيى بن الصواف وابن القيم والرضى الطبري ، وآخرين يجمعهم معجمه الذي خرجه له أبو الحسين بن أيبك ، وولي بالقاهرة تدريس المنصورية وجامع الحاكم والهكارية وغيرها ، وكان كريم الدين الكبير والجاي الدوادار وجنكلي بن البابا والجاولي وغيرهم من أكابر الدولة الناصرية يعظمونه ويقضون بشفاعته الأشغال ، ولما توفي القاضي جلال الدين القزويني بدمشق طلبه الناصر في جماعة ليختار منهم من يقرره مكانه ، فوقع الاختيار على الشيخ تقي الدين ، فوليها على ما قرأت بخطه في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة 739 ، وتوجه إليها مع نائبها تنكز فباشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة ، وأضيفت إليه الخطابة بالجامع الأموي فباشرها مدة في سنة 742 ، ثم أعيدت لابن الجلال القزويني ، وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة المزي وتدريس الشامية البرانية بعد موت ابن النقيب في أوائل سنة 46 ، وكان طلب في جمادى الأولى إلى القاهرة بالبريد ليقرر في قضائها ، فتوجه إليها وأقام قليلا ولم يتم الأمر ، وأعيد على وظائفه بدمشق . ووقع الطاعون العام في سنة 749 فما حفظ عنه في التركات ولا في الوظائف ما يعاب عليه ، وكان متقشفا في أموره متقللا في الملابس ، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تقوم بدون الثلاثين درهما ، وكان لا يستكثر على أحد شيئا ، حتى إنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم دينا ، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها ، وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلا ويعمل فيها تصنيفا يجمع فيه شتاتها طال أو قصر ، وذلك يبين في تصانيفه . وقد جمع ولده فتاواه ورتبها في أربع مجلدات ، قال الصفدي : لم ير أحدا من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له فأفلح ، بل يقع له إما عزل وإما موت ، جربنا هذا وشاع وذاع حتى قلت له يوما في قضية : يا سيدي ، دع أمر هذه القرية فإنك قد أتلفت فيها عددا وملك الأمراء وغيره في ناحية وأنت وحدك في ناحية ، وأخشى أن يترتب على ذلك شر كثير ، فما كان جوابه إلا أنشد قوله : وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب قلت : رأيت بخطه عدة مقاطيع ينظمها في ذلك ، كأنه يتوسل بها إلى الله ، فإذا انقضت حاجته طمس اسم الذي كان دعا عليه ، فما رأيت من ذلك ، وقرأته من تحت الطمس قوله : رب اكفني قراجا وأوله اعوجاجا ضيق عليه سبلا ورجه ارتجاجا وكتب أنه نظمها في ربيع الآخر سنة 705 وقراجا كان دويدار بعض نواب الشام إذ ذاك وقرأت بخطه : إلهي أرغون تظاهر جاهدا ليؤذيني مع طيبغا بمطالعه فيا رب أهلكه وحل دون قصده ليخشى ويجزى عن قريب مشارعه وبخطه سافر طيبغا بالمطالعة في العشر الأخير من رمضان سنة 52 ، فوجدت لطف الله فيما قلت ، وقد تقدم في ترجمة أرغون أنه لم تطل مدته في نيابة دمشق ، وحكم بالقاهرة عن الناصر أحمد بن الناصر محمد في شيء واحد ، وذلك أن الفخري لما سار بالعساكر التي أطاعته بسبب الناصر أحمد ليلقى الناصر أحمد من الكرك وجد الناصر سبقهم إلى القاهرة ، فحثوا السير واجتمعوا بالسلطان ، وكان من جملة ما اتفق قضية حسام الدين الغوري ، فرفع بعض الناس فيها قضايا منكسرة ، ففوض السلطان الحكم فيه للقاضي تقي الدين السبكي ، فحكم بعزله ، فنفذ القاضي عز الدين ابن جماعة حكمه ، وسفر الغوري من يومه على البريد إلى بلاده ، وذلك في شوال سنة 742 ، وقد استوعب ولده عدة تصانيفه في ترجمته التي أفردها ، وأفرد مسائله التي انفرد بتصحيحها أو باختيارها في كتابه التوشيح .
قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي : كتب إلي أبو الفتح يعني قرابته ورقة بسبب شخص أن أكتب إلى شخص في حاجة له وذلك قبل ولاية الشام بسنة فأجبته . وقفت على ما أشرت إليه ، والذي تقوله صحيح ، وهو الذي يتعين على العاقل ، ولكني ما أجد طباعي تنقاد إلى هذا بل تأبى منه أشد الإباء ، والله خلق الخلق على طبائع مختلفة ، وتكلف ما ليس في الطبع صعب إلى أن قال : وأنا من عمري كله لم أجد ما يخرجني عن هذه الطريقة ؛ فإني نشأت غير مكلف بشيء من جهة والدي ، وكنت في الريف قريبا من عشرين سنة ، وكان الوالد يتكلف لي ولا أتكلف له ، ولا أعرف من الناس فيه غير الاشتغال ، ثم ولي والدي نيابة الحكم بغير سؤال ، فصرت أتكلم الكلام بسببه ، وأما في حق نفسي فلا أكاد أقدم على سؤال أحد إلا نادرا بطريق التعريض اللطيف ، فإن حصل المقصود وإلا رجعت على الفور ، وفي نفسي ما لا يعلمه إلا الله ، وأما في حق غيري من الأجانب فكانوا يلجئون إلي فأتكلف فأقضي من حوائجهم ما يقدره الله ، ولم أزل يكن معي عشر أوراق أو أكثر ولا أتحدث فيها مع المطلوبة منه إلا معرفا ، وشغلت بذلك عن مصلحتي ومصلحة أولادي لأن اجتماعي بهم كان قليلا ، يروح في حوائج الناس ولا ينقضي بها حاجة حتى يزيد نفور نفسي عن الحديث فيها ، وكان آخر ذلك أن طلبت حاجة تقي الدين الأقفهسي ، فأجابني المطلوب منه بجواب لا يرضاه ، فحلفت لا أسأله حاجة بعدها ، فمات بعد نحو نصف سنة ، وحصلت لي الراحة بترك السؤال ، ولكن استمر الوالد في نيابة المحلة فعرض من الجلال وولده ما يقتضي أن خاطري يغريه ، فحصل لي ضجر ، فقدر الله وفاة الوالد وماتت الوالدة بعده بأربعين يوما ، فعزفت نفسي عن الدنيا ، وأنا الآن ابن اثنين وخمسين سنة ، وقد تعبت نفسي في حوائج الناس مدة فأريد أن أريح نفسي فيما بقي ، وأيضا فلي نحو عشر سنين لا أتحرك تحركة في الدنيا فأحمدها فأخاف إذا تحدثت لغيري أن لا ينجح فأندم ، ويتعجب قلبي ، فالعزلة أصلح ، إلى أن قال : وليعلم أن الإنسان إنما يفعل ذلك إما لطبع فطري أو مكتسب ، وهما مفقودان عندي أو لحامل عليه من إيجاب شرعي وليس من صورة المسألة أو غرض دنيوي ، وأرجو أن لا يكون عندي ، أو اكتساب أجر بأن يكون مندوبا . ومثل هذا الظاهر إن تركه هو المندوب ، ثم لو سلم فالنفس لا تنقاد إليه في أكثر الأحوال كما يترك الإنسان المندوب لطبع أو ضعف باعث والمندوب إن قل أن يصل إلى المخالطة على جميعها ؛ وذلك بحسب قوة الباعث وضعفه والسلام .
انتهى ملخصا . وقرأت بخط الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفي على جزء من تفسير الشيخ تقي الدين ما نصه : يقول : أتيت لنا من الدرر النظيم سلوكا للصراط المستقيم جمعت به العلوم فيا لفرد حوى تصنيفه جمع العلوم وكان ينظم كثيرا ، وشعره وسط ، فمنه ما وصى به ولده محمدا ، قال : أبني لا تهمل نصيحتي التي أوصيك واسمع من مقالي ترشد احفظ كتاب الله والسنن التي صحت وفقه الشافعي محمد وتعلم النحو الذي يدني الفتى من كل فهم في القران مسدد واعلم أصول الفقه علما محكما يهديك للبحث الصحيح الأيد واسلك سبيل الشافعي ومالك وأبي حنيفة في العلوم وأحمد ومنها قوله أيضا : واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر واشكر لمن أولاك خيرا واحمد ومنها قوله أيضا : وخذ العلوم بهمة وتيقظ وقريحة سمحاء ذات توقد ومنها قوله أيضا : فاقف الكتاب ولا تمل عنه وقف متأدبا مع كل حبر أوحد ومنها قوله أيضا : وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه والسالكين سبيلهم بهم اقتد واقصد بعلمك وجه ربك خالصا تظفر سبيل الصالحين وتهتد يقول في آخرها : هذي وصيتي التي أوصيكها أكرم بها من والد متودد وعدتها نحو العشرين هذا مختارها . وله أيضا : إن الولاية ليس فيها راحة إلا ثلاث يبتغيها العاقل حكم بحق أو إزالة باطل أو نفع محتاج سواها باطل له أيضا في الألغاز : مثال عم وخال بقول ابني بأخت أخيه لأمه لأبيهوذاك لا بأس فيه في قول كل فقيه .. .
فيحله وهو داع بذاك لا شك فيهحكى الصفدي أنه نظم في سنة تسع وثلاثين ، فكأنه عندما ولي القضاء بيتا واحدا ، وهو قوله : لعمرك إن لي نفسا تسامى إلى مالم ينل دارا ابن دارا قال : وتركته إلى أن أضفت إليه آخر في سنة 747 ، وهو : فمن هذا أرى الدنيا هباء ولا أرضى سوى الفردوس دارا ثم رأيته بخطه أنه نظم الأول في سنة 19 ، والثاني في جمادى الأولى سنة 47 ، وقال : إن لكل منهما إشارة ، وقرأت بخطه من نظمه : إذا أتتك يد من غير ذي مقة وجفوة من صديق كنت تأمله خذها من الله تنبيها وموعظة بأن ما شاء لا ما شئت يفعله وقد كان نزل عن منصب القضاء لولده تاج الدين بعد أن مرض ، فلما استقر تاج الدين وباشر توجه الشيخ تقي الدين إلى القاهرة وأقام بها قليلا في دار على شط النيل ، وهو موعوك إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة سنة 756 ، فكانت إقامته بالقاهرة نحو العشرين يوما ، وكان وصول التقليد لتاج الدين ثالث عشر شهر ربيع الأول ، ولبس الخلعة في النصف منه وباشر ، ثم عوفي أبوه ، وركب وحضر معه بعض الدروس ، وحكم بحضرته وسربه ، وتوجه إلى القاهرة في سادس عشري شهر ربيع الآخر من السنة ، ولما دخلها أشاع بعض الناس أن ولده بهاء الدين سعى له في قضاء الديار المصرية ، ثم لما مات سعى ولده أن يدفن عند الإمام الشافعي داخل القبة ، فامتنع شيخو من إجابة سؤاله فدفنه بسعيد السعداء . قال الإسنوي في الطبقات : كان أنظر من رأيناه من أهل العلم ومن أجمعهم للعلوم وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة وأجلهم على ذلك ، وكان في غاية الإنصاف والرجوع إلى الحق في المباحث ولو على لسان آحاد الطلبة مواظبا على وظائف العبادات مراعيا لأرباب الفنون محافظا على ترتيب الأيتام في وظائف آبائهم ، وقال شيخنا العراقي : طلب الحديث في سنة 703 ، ثم انتصب للإقراء وتفقه به جماعة من الأئمة ، وانتشر صيته وتواليفه ولم يخلف بعده مثله ، ومن ماجرياته أنه بحث مع ابن الكناني ، فنقل عن الشيخ أبي إسحاق شيئا في الأصول ، فلما رجع بعث إليه قاصدا يقول له المسألة التي ذكرتها ما هي في اللمع ، فكتب إليه : سمعت بإنكار ما قلته عن الشيخ إذ لم يكن في اللمع ونقلي لذلك من شرحه وخير خصال الفقيه الورع لو وقفت على شرح اللمع ما أنكرت النقل فانظر فيه ؛ فإنه كتاب مفيد ، فلما وقف ابن الكناني على الجواب تألم تألما كثيرا ، وكان أسن من السبكي بكثير ، لكن تقدم السبكي واشتهر ، واستمر هو على حالة واحدة ، ولذا كان ابن عدلان وابن الأنصاري يمتعضان من السبكي لكونهما أسن منه وتقدم عليهما .