وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي سَنَدٍ خَاصٍّ الْحُكْمُ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِفَرْدٍ مُطْلَقًا ، بَلْ ( الْمُعْتَمَدُ إِمْسَاكُنَا ) أَيْ : كَفُّنَا ( عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدٍ ) مُعَيَّنٍ ( بِأَنَّهُ أَصَحُّ ) الْأَسَانِيدِ ( مُطْلَقًا ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ تَفَاوُتَ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ مرتب عَلَى تَمَكُّنِ الْإِسْنَادِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ ، وَيَعِزُّ وُجُودُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْقَبُولِ مِنَ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَنَحْوِهِمَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ ، مِنْ تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرِهِ ; إِذْ لَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ حَازَ أَعْلَى الصِّفَاتِ حَتَّى يُوَازَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ فرد مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَاصَرَهُ . ( وَقَدْ خَاضَ ) إِذِ اقْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ ( بِهِ ) أَيْ : بِالْحُكْمِ بِالْأَصَحِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ( قَوْمٌ ) فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ لِاخْتِلَافِ اجْتِهَادِهِمْ . ( فَقِيلَ ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الصَّنْعَةِ الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ ( مَالِكٌ ) نَجْمُ السُّنَنِ ، الْقَائِلُ فِيهِ ابْنُ مَهْدِيٍّ : لَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَحَدًا ، وَالشَّافِعِيُّ : إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْهُ فَاشْدُدْ يَدَكَ بِهِ ، كَانَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ . ( عَنْ ) شَيْخِهِ ( نَافِعٍ ) الْقَائِلِ فِي حَقِّهِ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ : أَيُّ حَدِيثٍ أَوْثَقُ مِنْ حَدِيثِهِ ؟ ! ( بِمَا ) أَيْ : بِالَّذِي ( رَوَاهُ ) لَهُ ( النَّاسِكُ ) أَيِ : الْعَابِدُ ( مَوْلَاهُ ) أَيْ : مَوْلَى نَافِعٍ ، وَهُوَ سَيِّدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ ، وَكَانَ جَدِيرًا بِالْوَصْفِ بِالنُّسُكِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ بِالسَّبِيلِ الْمَتِينِ . وَقَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَقَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا مَالَتْ بِهِ ، وَمَالَ بِهَا ، إِلَّا هُوَ ) . ( وَاخْتَرْ ) إِذَا جَنَحْتَ لِهَذَا وزِدْتَ رَاوِيًا بَعْدَ مَالِكٍ ( حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ ) إِمَامُنَا ( الشَّافِعِيُّ ) بِالسُّكُونِ أَيِ : اخْتَرْ هَذَا فَـ ( حَيْثُ ) وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ، أو المفعول الشافعي ، ولكن الأفق لما بعده كونه الفاعل ، والمفعول مقدر بروايته أو نحوها . فَقَدَ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : كُنْتُ سَمِعْتُ الْمُوَطَّأَ مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، فَأَعَدْتُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ ; لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ بِهِ . انْتَهَى . بَلْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أَخَذ عَنْ مَالِكٍ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ . قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ : إِنَّهُ - أَيْ : هَذَا الْإِسْنَادُ - أَجَلُّ الْأَسَانِيدِ لِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَجَلُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ . ( قُلْتُ وَ ) اخْتَرْ - كَمَا قَالَهُ الصَّلَاحُ الْعَلَائِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ - إِنْ زِدْتَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ أَحَدًا حَيْثُ ( عَنْهُ ) يُسْنِدُ ( أَحْمَدُ ) وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِلْحَاقِ . فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ ، وَمَا خَلَّفَ بِهَا أَفْقَهَ وَلَا أَزْهَدَ ، وَلَا أَوْرَعَ ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ . وَلِاجْتِمَاعِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، قِيلَ لَهَا : سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ أَكْثَرَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ مَالِكٍ ؟ . وَلِمَ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ ؟ . أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَحْمَدَ بِخُصُوصِهِ : لَعَلَّ جَمْعَهُ الْمُسْنَدَ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ مِنَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَلِطَلَبِ الْعُلُوِّ ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ النُّكَتِ أَشْيَاءَ مُهِمَّةً . مِنْهَا : إِيرَادُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِإِسْنَادٍ كُنْتُ فِيهِ كَأَنِّي أَخَذْتُهُ عَنْهُ ، فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ هُنَا تَبَرُّكًا . أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَالْعِزُّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْحَنَفِيُّ سَمَاعًا . قَالَ الْأَوَّلُ : أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفِدَاءِ بْنِ الْخِباز ، إِذْنًا ، أَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ . وَقَالَ الثَّانِي : أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُوخِيِّ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا أُمُّ أَحْمَدَ زَيْنَبُ ابنة مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَامِلٍ الْحَرَّانِيَّةُ . قَالَا : أَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّصَافِيُّ ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بن محمد بْنُ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْوَاعِظُ ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، أَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ ، وَنَهَى عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ ، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، إِلَّا الْجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا لَهُمَا مُسَاوِيًا . ( وَجَزَمَ ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ ( بْنُ حَنْبَلٍ ) نِسْبَةً لِجَدِّهِ ، فَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدٌ ، حِينَ تَذَاكَرَ فِي ذَلِكَ مَعَ جَمَاعَةٍ بِأَجْوَدِيَّةِ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْقُرَشِيِّ ( الزُّهْرِيِّ ) الْمَدَنِيِّ الْقَائِلِ فِيهِ اللَّيْثُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - : مَا رَأَيْتُ عَالِمًا أَجْمَعَ مِنْهُ ، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا . لَوْ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ لَقُلْتَ : لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا ، أَوِ الْأَنْسَابِ فَكَذَلِكَ ، أَوْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَحَدِيثُهُ جَامِعٌ . ( عَنْ سَالِمٍ ) هُوَ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ أَبِيهِ بِهِ ، وَمَالِكٌ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ أَشْبَهُ بِمَنْ مَضَى مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّهْدِ وَالْفَضْلِ وَالْعَيْشِ مِنْهُ ، ( أَيْ ) : مِمَّا رَوَاهُ سَالِمٌ ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( الْبَرِّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ دَأْبُهُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ . وَوَافَقَ أَحْمَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ ، لَكِنْ مُعَبِّرًا بِالْأَصَحِّيَّةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ اصْطِلَاحًا ، وَلِذَا قَرَنَ شَيْخُنَا ، تَبَعًا لِلشَّارِحِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي حِكَايَةِ الْأَصَحِّيَّةِ ، نَعَمِ الْوَصْفُ بِجَيِّدٍ عِنْدَ الْجِهْبِذِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الْوَصْفِ بِصَحِيحٍ . ( وَقِيلَ ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - وَالنَّسَائِيُّ ، لَكِنَّهُ أَدْرَجَهُ مَعَ غَيْرِهِ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ ( زَيْنُ الْعَابِدِينَ ) وَاسْمُهُ : عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ حَتَّى مَاتَ . ( عَنْ أَبِهْ ) بِحَذْفِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى لُغَةِ النَّقْصِ ; كَقَوْلِهِ : بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ وَهُوَ : السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ الشَّهِيدُ سِبْطُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَيْحَانَتُهُ مِنَ الدُّنْيَا ، ( عَنْ ) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( جَدِّهِ ) أَيْ : جَدِّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ . ( وَ ) ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ ( ابْنُ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيُّ ( عَنْهُ ) أَيْ : عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ( بِهِ ) أَيْ : بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، لأن الكلام في أصح الأسانيد ، وإن جعل الشارح مرجع الضمير للحديث ، وأمكن توجيهه ، ولكن لم يسبق له ذكر ؛ سيما وأصح الحديث مسألة أخرى ستأتي ، على أنهم لم يخوضوا في حديث مخصوص بأنه أصح الأحاديث ، إلا ما وقع للعلائي في الحديث المسند قريبا ، مع اعترافه بعدم خوضهم فيه ، وتصريحه بأنه يرى الإمساك عنه كله . فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال . وَلَأَجْلِ تَنْوِيعِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يُقَالُ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ إِمَّا مَا تَقَدَّمَ ، ( أَوْ فَـ ) مَا رَوَاهُ ( ابْنُ سِيرِينَ ) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ التَّابِعِيُّ ، الشَّهِيرُ بِكَثْرَةِ الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ ، وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا ، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ مُؤَرَّقٌ : مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ ، وَلَا أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْهُ . ( عَنْ ) أَبِي عَمْرٍو عَبِيدَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - ( السَّلْمَانِيِّ ) - بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ ، الْكُوفِيِّ التَّابِعِيِّ ، الَّذِي كَادَ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَكَانَ فَقِيهًا يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْفَضَائِلِ ، بَلْ كَانَ شُرَيْحٌ يُرَاسِلُهُ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : إِنَّهُ ثِقَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ . ( عَنْهُ ) يَعْنِي عَنْ عَلِيٍّ صحابي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا . وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ ، وَكَذَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِزِيَادَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ; حَيْثُ قَالَا : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ : أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِلَى آخِرِهِ . وَجَاءَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ أَوَّلِهِمَا بِإِبْدَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ مِنَ السِّخْتِيَانِيِّ ، وَبأَجْوَدَ مِنْ أَصَحَّ ، وَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَصَحِّيَّةِ أَيُّوبَ مَعَ بَاقِي التَّرْجَمَةِ النَّسَائِيُّ ، لَكِنْ مَعَ إِدْرَاجِ غَيْرِهِ . ( أَوْ ) مَا رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْكُوفِيُّ ( الْأَعْمَشُ ) الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ ، الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ لِصِدْقِهِ : الْمُصْحَفَ . ( عَنِ ) الْفَقِيهِ الْمُتَوقي الصَّالِحِ . ( ذِي الشَّأْنِ ) أَبِي عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ ( النَّخَعِيِّ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً لِلنَّخَعِ ، قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ الْكُوفِيِّ . ( عَنْ ) رَاهِبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عِبَادَةً وَعِلْمًا وَفَضْلًا وَفِقْهًا ( ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَةَ ) أَيْ : عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ ، وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ مِنَ الْأَعْمَشِ . فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : ( حَدَّثَ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، فَقَالَ : هَذَا الشرف عَلَى الْكَرَاسِيِّ ) . بَلْ سُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ فِي إِبْرَاهِيمَ ، الْأَعْمَشُ أَوْ مَنْصُورٌ ؟ ، فَقَالَ : مَنْصُورٌ . وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُمَا - : الْأَعْمَشُ حَافِظٌ يُخَلِّطُ وَيُدَلِّسُ ، وَمَنْصُورٌ أَتْقَنُ ، لَا يُخَلِّطُ وَلَا يُدَلِّسُ . لَكِنْ قَالَ وَكِيعٌ : ( إِنَّ الْأَعْمَشَ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ ) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَوْرَدْتُ مِنْهَا فِي النُّكَتِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ هُنَا مَا يُزَاحِمُ عِشْرِينَ قَوْلًا ، وَالِاعْتِنَاءُ بِتَتَبُّعِهَا يُفِيدُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ : إِمَّا تَرْجِيحُ مَا عُورِضَ مِنْهَا بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ، كما أن فائدة الصحيح قطعا أو ظنا ذلك ، أَوْ تَمَكُّنُ النَّاظِرِ الْمُتْقِنِ فِيهَا مِنْ تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ولو بِالنَّظَرِ لِتَرْجِيحِ الْقَائِلِينَ إِنْ تَهَيَّأَ . وَقَدْ أَفْرَدَ النَّاظِمُ فِي الْأَحْكَامِ كِتَابًا لَطِيفًا جَمَعَهُ مِنْ تَرَاجِمِ سِتَّةَ عَشَرَ قِيلَ فِيهَا : إِنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ ، إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا ، وَهِيَ مَا عَدَا الثَّالِثَةِ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا . وَمَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَمَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، كُلٌّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، مِمَّا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْقَاسِمِ ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ عَائِشَةَ . وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ . وَالْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ . وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ . وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ . وَحِينَئِذٍ : فَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الصَّحِيحِ . ( وَ ) عَلَى كُلِّ حَالٍ ( لُمْ ) كَمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ - بِضَمِّ اللَّامِ - أَيِ : اعْذِلْ وَاعْتِبْ ( مَنْ عَمَّمَهْ ) أَيِ : الَّذِي عَمَّمَ الْحُكْمَ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِسَنَدٍ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ حَصْرٌ فِي بَابٍ وَاسِعٍ جِدًّا شَدِيدِ الِانْتِشَارِ ، وَالْحَاكِمُ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الْخَطَأِ وَالِانْتِقَاضِ . كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ : لَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مَنِ اسْمُهُ كَذَا ، سِوَى فُلَانٍ ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَتُقَيَّدُ كُلُّ تَرْجَمَةٍ بِصَحَابِيِّهَا ، أَوْ بِالْبَلَدِ الَّتِي مِنْهَا أَصْحَابُ تِلْكَ التَّرْجَمَةِ ، فَهُوَ أَقَلُّ انْتِشَارًا وأَقْرَبُ إِلَى الحَصْر ، كَمَا قِيلَ فِي أَفْضَلِ التَّابِعِينَ ، وَأَصَحِّ الْكُتُبِ ، وَأَحَادِيثِ الْبَابِ ، فَيَقُولُونَ : أَصَحُّ أَحَادِيثِ بَابِ كَذَا أَوْ مَسْأَلَةِ كَذَا حَدِيثُ كَذَا . وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي أَصَحِ أَسَانِيدِ فُلَانٍ ، مَشَوْا فِي أَوْهَى أَسَانِيدِ فُلَانٍ - أَيْضًا - وَفَائِدَتُهُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَسَانِيدِ عَلَى بَعْضٍ ، وَتَمْيِيزُ مَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ منها ، مِمَّا لَا يَصْلُحُ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ يَضِيقُ عَنْ بَسْطِ ذَلِكَ وَتَتِمَّاتِهِ ، فَلْيُرَاجَعْ أَصْلُهُ بَعْدَ تَحْرِيرِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
المصدر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-83/h/832613
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة