الصَّحِيحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ
الصَّحِيحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ أي مظانه ، لا على جهة الحصر أيضا عند ابن الصلاح الذي ذكره لها مع كونه لم يعقد لها بابا لمذهبه فضلا عن غيره . ( وَخُذْ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَسْتَوْعِبَاهُ ( زِيَادَةَ الصَّحِيحِ ) الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَرْطَيْهِمَا وَغَيْرَهُ مِمَّا حُكِمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ ( إِذْ ) أَيْ : حَيْثُ ( تُنَصُّ صِحَّتُهُ ) مِنْ إِمَامٍ مُعْتَمَدٍ ; كَأَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْخَطَّابِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ فِيهَا . وَكَذَا فِي غَيْرِهَا ، إِذَا صَحَّ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ .
كَمَا إِذَا وُجِدَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِمَا ، مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُمْ تَصْنِيفٌ خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا عَدَا الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّصْحِيحِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ ; لِاسْتِلْزَامِهِ الْحُكْمَ عَلَى السَّنَدِ الْمُوصِّلِ إِلَيْهِمْ بِالصِّحَّةِ . وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّقْيِيدِ بِالتَّصَانِيفِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ ، كَأَنَّهُ لِلِاكْتِفَاءِ بما صَحَّحَهُ بُعْدٌ مِنَ الْإِمْكَانِ . ثُمَّ إِنَّهُ لَا انْحِصَارَ لَأَخْذِ الزِّيَادَةِ فِيمَا سَبَقَ ، بَلْ تُؤْخَذُ إِمَّا مِنْهُ ( أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ ( يُخَصُّ بِجَمْعِهِ ) أَيِ : الصَّحِيحِ بِمُقْتَضَى مَا عِنْدَ مُصَنِّفِهِ مما يشترك معهما اجتماعا وانفرادا في كثير منه .
( نَحْوُ ) صَحِيحِ أَبِي حَاتِمِ ( ابْنِ حِبَّانَ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ الْبُسْتِيِّ الشَّافِعِيِّ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ الْقَاضِي ( الزَّكِيِّ ) أَيِ : الزَّاكِي ، لِنُمُوِّهِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْخَطِيبِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا فَاضِلًا فَهِمًا . وَقَالَ الْحَاكِمُ : كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْوَعْظِ ، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ ، وَاسْمُ مُصَنَّفِهِ التَّقَاسِيمُ وَالَأَنْوَاعُ . ( وَ ) نَحْوُ صَحِيحِ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرِ ( ابْنِ خُزَيْمَةَ ) بِمُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَضْمُومَةٌ وَبِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ هُنَا ، وَاسْمُهُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ ، شَيْخُ ابْنِ حِبَّانَ الْقَائِلُ فِيهِ : مَا رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يُحْسِنُ صِنَاعَةَ السُّنَنِ ، وَيَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا الصِّحَاحَ وَزِيَادَتَهَا ، حَتَّى كَأَنَّ السُّنَنَ كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، غَيْرَهُ .
وَأُخِّرَ عَنْهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ ; لِكَوْنِ صَحِيحِهِ عُدِمَ أَكْثَرُهُ ، بِخِلَافِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، فَهُوَ مَوْجُودٌ بِتَمَامِهِ . ( وَكَالْمُسْتَدْرَكِ ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا فَاتَهُمَا ، لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيِّ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَافِظِ الثِّقَةِ ( عَلَى تَسَاهُلٍ ) مِنْهُ فِيهِ ، بِإِدْخَالِهِ فِيهِ عِدَّةَ مَوْضُوعَاتٍ ، حَمَلَهُ عَلَى تَصْحِيحِهَا ; إِمَّا التَّعَصُّبُ لِمَا رُمِيَ بِهِ مِنَ التَّشَيُّعِ ، وَإِمَّا غَيْرُهُ ، فَضْلًا عَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ . بَلْ يُقَالُ : إِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ ، وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ وَتَغَيُّرٌ ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ تَحْرِيرُهُ وَتَنْقِيحُهُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ تَسَاهُلَهُ فِي قَدْرِ الْخُمُسِ الْأَوَّلِ مِنْهُ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِيهِ ، فَإِنَّهُ وُجِدَ عِنْدَهُ : إِلَى هُنَا انْتَهَى إِمْلَاءُ الْحَاكِمِ .
وَقَوْلُ أَبِي سَعْدٍ الْمَالِينِيِّ : إِنَّهُ طَالَعَهُ بِتَمَامِهِ ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِمَا ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ . نَعَمْ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ . ( وَ ) لِذَلِكَ ( قَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ مَا حَاصِلُهُ : ( مَا انْفَرَدَ ) الْحَاكِمُ ( بِهِ ) أَيْ : بِتَصْحِيحِهِ ; لِيُخَرِّجَ مَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي تَصْحِيحِهِ ، وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ فَقَطْ غَيْرَ مُصَحِّحٍ لَهُ ، ( فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدَّ ) لِلْقَدْحِ فِيهِ ( بـِ ) ظُهُورِ ( عِلَّةٍ ) أَيْ : لإمام تقْتَضِي الرَّدَّ .
هَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَالْبَدْرُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي اخْتِصَارِهِمَا ابْنَ الصَّلَاحِ ، وَالْمَوْجُودُ فِي نُسْخَةٍ : إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الصَّحِيحِ ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْحَصْرِ فِي أَحَدِها ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَرْدُودًا مِنْ أَحَادِيثِهِ دَائِرًا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحَسَنِ احْتِيَاطًا . وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، نَعَمْ جَرَّ سَدُّهُ بَابَ التَّصْحِيحِ إِلَى عَدَمِ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحُجِّيَّةِ . ( وَالْحَقُّ ) كَمَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ الْبَدْرُ ابْنُ جَمَاعَةَ ( أَنْ ) يُتَتَبَّعَ الْكِتَابُ وَيُكْشَفَ عَنْ أَحَادِيثِهِ وَ ( يُحْكَمْ ) بِسُكُونِ الْمِيمِ على لُغَةٌ أَيْ : يُقْضَى عَلَى كُلٍّ مِنْهما ( بِمَا يَلِيقُ ) بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ أَوِ الضَّعْفِ .
ثُمَّ إِنَّ السَّبَبَ فِي تَخْصِيصِ الْحَاكِمِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ ، بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ - مَزِيدُ تَسَاهُلِهِ ( وَ ) إِلَّا فَابْنُ حِبَّانَ ( الْبُسْتِيُّ ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ، نِسْبَةً لِمَدِينَةٍ مِنْ بِلَادٍ كَابُلَ بَيْنَ هَرَاةَ وَغَزْنَةَ ، وُصِفَ بِأَنَّهُ ( يُدَانِي ) أَيْ : يُقَارِبُ ( الْحَاكِمَا ) فِي التَّسَاهُلِ [ وَذَلِكَ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي أَحَادِيثِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِالْمُعَدَّلِينَ ، بَلْ رُبَّمَا يُخَرِّجُ لِلْمَجْهُولِينَ ، لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُهُ إِدْرَاجُ الْحَسَنِ فِي الصَّحِيحِ . مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ نَازَعَ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى التَّسَاهُلِ ، إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ . وَعِبَارَتُهُ : إِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ وُجْدَانِ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ ، فَهِيَ مُشَاحَّةٌ فِي الِاصْطِلَاحِ ; لِأَنَّهُ يُسَمِّيهِ صَحِيحًا ، وَإِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ خِفَّةِ شُرُوطِهِ ، فَإِنَّهُ يُخَرِّجُ فِي الصَّحِيحِ مَا كَانَ رَاوِيهِ ثِقَةً غَيْرَ مُدَلِّسٍ ، سَمِعَ مِمَّنْ فَوْقَهُ ، وَسَمِعَ مِنْهُ الْآخِذُ عَنْهُ ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ إِرْسَالٌ وَلَا انْقِطَاعٌ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرَّاوِي جَرْحٌ وَلَا تَعْدِيلٌ ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْ شَيْخِهِ وَالرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةً ، وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ فَهُوَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ ، وَفِي كِتَابِ الثِّقَاتِ لَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ . وَلَأَجْلِ هَذَا رُبَّمَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي جَعْلِهِمْ في الثِّقَاتِ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اصْطِلَاحَهُ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُشَاحَحُ فِي ذَلِكَ . قُلْتُ : وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ الْحَازِمِيِّ : ابْنُ حِبَّانَ أَمْكَنُ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْحَاكِمِ ، وَكَذَا قَالَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ : قَدِ الْتَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ الصِّحَّةَ ، وَهُمَا خَيْرٌ مِنْ الْمُسْتَدْرَكُ بِكَثِيرٍ ، وَأَنْظَفُ أَسَانِيدَ وَمُتُونًا .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ لِلتَّمْيِيزِ ، وَكَمْ فِي كِتَابِ ابْنِ خُزَيْمَةَ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثٍ مَحْكُومٍ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ ، وَهُوَ لَا يَرْتَقِي عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ ، ولكنه أيضا ممن يدرجه في الصحيح ويقبل المجهول ، بَلْ وَفِيمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةٌ ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ . وَكَذَا مِنْ مَظَانِّ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارَةِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لِلضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ الْحَافِظِ ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ ، لَكِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى الْمَسَانِيدِ لَا الْأَبْوَابِ - لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهَا . وَتَقَعُ أَيْضًا فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ الَّذِي عَمِلَهُ مُسْتَخْرِجًا عَلَى مُسْلِمٍ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً زَائِدَةً عَلَى أَصْلِهِ ، وَفِيهَا الصَّحِيحُ وَالْحَسَنُ ، بَلْ وَالضَّعِيفُ أَيْضًا ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهَا أَيْضًا .
وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي أَحَادِيثِهِمَا ، أَوْ تَتِمَّةٍ لِمَحْذُوفٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، لَكِنْ مَعَ وُجُودِ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصَّحِيحِ ، فِيمَنْ بَيْنَ صَاحِبِ الْمُسْتَخْرَجِ وَالرَّاوِي ، الَّذِي اجْتَمَعَا فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . فائدة : قد كتب الحافظ عبد الغني بن سعيد الأوهام التي في مدخل المستدرك ، وبلغ الحاكم ذلك ، فبعث إليه يشكره ويدعو له ، بحيث قال المنتقد : علمت بذلك أنه رجل عاقل .