حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الكلام على سنن أبي داود

( قَالَ : وَمِنْ مَظِنَّةٍ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، مَفْعِلَةٌ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ ، أَيْ مَوْضِعٍ وَمَعْدِنٍ ( لِلْحُسْنِ ) سِوَى مَا ذُكِرَ ( جَمْعُ ) الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْحُجَّةِ الْفَقِيهِ التَّالِي لِصَاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْمَقُولِ فِيهِ : إِنَّهُ أُلِينَ لَهُ الْحَدِيثُ كَمَا أُلِينَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَدِيدُ ، ( أَبِي دَاوُدَ ) سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ ، الْآتِي فِي ج١ / ص١٣٧الْوَفَيَاتِ ، ( أَيْ فِي ) كِتَابِهِ ( السُّنَنِ ) الشَّهِيرِ ، الَّذِي صَرَّحَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ بِاكْتِفَاءِ الْمُجْتَهِدِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي خُطْبَةِ شَرْحِهِ : إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِالْفِقْهِ وَلِغَيْرِهِ الِاعْتِنَاءُ بِهِ ، وَبِمَعْرِفَتِهِ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ ; فَإِنَّ مُعْظَمَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا فِيهِ ، مَعَ سُهُولَةِ تَنَاوُلِهِ ، وَتَلْخِيصِ أَحَادِيثِهِ ، وَبَرَاعَةِ مُصَنِّفِهِ ، وَاعْتِنَائِهِ بِتَهْذِيبِهِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الْكِتَابِ وَمُؤَلِّفِهِ . ( فَإِنَّهُ قَالَ ) مَا مَعْنَاهُ : ( ذَكَرْتُ فِيهِ ) أَيْ : فِي كِتَابِ السُّنَنِ ( مَا صَحَّ أَوْ قَارَبَ ) الصَّحِيحَ ( أَوْ يَحْكِيهِ ) أَيْ : يُشْبِهُهُ ; إِذْ لَفْظُهُ فِيمَا رُوِّينَاهُ فِي تَارِيخِ الْخَطِيبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ دَاسَةَ عَنْهُ : ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ .

وَ " أَوْ " هُنَا لِلتَّقْسِيمِ ، أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لِلْمُغَايَرَةِ ، وَلَا شَكَّ فِيهَا هُنَا ، فَمَا يُشْبِهُ الشَّيْءَ وَمَا يُقَارِبُهُ لَيْسَ بِهِ ، وَلِذَا قِيلَ : إِنَّ الَّذِي يُشْبِهُهُ هُوَ الْحَسَنُ ، وَالَّذِي يُقَارِبُهُ الصَّالِحُ ، وَلَزِمَ مِنْهُ جَعْلُ الصَّالِحِ قِسْمًا آخَرَ . وَقَوْلُ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ : ج١ / ص١٣٨" إِسْنَادٌ وَسَطٌ ، لَيْسَ بِالثَّبْتِ ، وَلَا بِالسَّاقِطِ ، هُوَ صَالِحٌ " قَدْ يُسَاعِدُهُ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا فِيمَا رُوِّينَاهُ فِي رِسَالَتِهِ فِي وَصْفِ السُّنَنِ مَا مَعْنَاهُ : ( وَمَا ) كَانَ فِي كِتَابِي مِنْ حَدِيثٍ ( بِهِ وَهْنٌ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الرِّسَالَةِ : ( وَهْيٌ ) ( شَدِيدٌ ) فَقَدَ ( قُلْتُهُ ) أَيْ : بَيَّنْتُ وَهَنَهُ أَوْ وَهَاءَهُ .

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا : وَإِذَا كَانَ فِيهِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، بَيَّنْتُهُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ ، وَلَيْسَ عَلَى نَحْوِهِ فِي الْبَابِ غَيْرُهُ . وَتَرَدَّدَ شَيْخِي ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مَحَلِّ هَذَا الْبَيَانِ ; أَهُوَ عَقِبَ كُلِّ حَدِيثٍ عَلَى حِدَتِهِ ، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ مَثَلًا ، أَوْ يَكْتَفِي بِالْكَلَامِ عَلَى وَهْنِ إِسْنَادٍ مَثَلًا ، فَإِذَا عَادَ لَمْ يُبَيِّنْهُ اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ ، وَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَهُ ، وَقَالَ : هَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ عِنْدِي . قُلْتُ : عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ هُنَا لِوُجُودِ مُتَابِعٍ أَوْ شَاهِدٍ ، أو يكون المسكوت عنه في الفضائل ، وذلك في الأحكام .

قَالَ شَيْخُنَا : وَقَدْ يَقَعُ الْبَيَانُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَا سِيَّمَا رِوَايَةُ أَبِي الْحَسَنِ ابْنِ الْعَبْدِ ; فَإِنَّ فِيهَا مِنْ كَلَامِ أَبِي دَاوُدَ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ . وَسَبَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ، فَقَالَ : الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ لِكِتَابِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِهَا مِنَ الْكَلَامِ ، بَلْ وَالَأَحَادِيثِ مَا لَيْسَ فِي الْأُخْرَى . قَالَ : وَلَأَبِي عُبَيْدٍ ج١ / ص١٣٩الْآجُرِّيِّ عَنْهُ أَسْئِلَةٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّعْلِيلِ كِتَابٌ مُفِيدٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ وَرِجَالٌ قَدْ ذَكَرَهَا فِي سُنَنِهِ ، ثم تردد هل المراد بالبيان في سننه فَقَطْ أَوْ مُطْلَقًا ؟ وَقَالَ : إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالتَّيَقُّظُ لَهُ .

انْتَهَى . وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، وَلَكِنْ يَتَعَيَّنُ مُلَاحَظَةُ مَا وَقَعَ فِي غَيْرِهَا مُصَرَّحًا فِيهِ بِالضَّعْفِ الشَّدِيدِ ، مِمَّا سَكَتَ عَلَيْهِ فِي السُّنَنُ ، لَا مُطْلَقِ الضَّعْفِ ، وَكَذَا يَنْبَغِي عَدَمُ الْمُبَادَرَةِ لِنِسْبَةِ السُّكُوتِ ، إِلَّا بَعْدَ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ وَاعْتِمَادِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ ; لِمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ - مِمَّا تَبِعَهُ فِيهِ النَّوَوِيُّ - بِذَلِكَ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ ; حَيْثُ قَرَّرَ اخْتِلَافَهَا فِي التَّحْسِينِ وَالتَّصْحِيحِ .

ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ( وَحُيْثُ لَا ) وَهَنٌ أَيْ : شَدِيدٌ فِيهِ ، وَلَمْ أَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا ( فـَ ) هُوَ ( صَالِحٌ ) ، وَفِي لَفْظٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مُمَرَّضًا : فَهُوَ حَسَنٌ ( خَرَّجْتُهُ ) ، وبَعْضُهُ أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : فَعَلَى هَذَا ( مَا ) وَجَدْنَاهُ مَذْكُورًا ( بِهِ ) أَيْ : بِالْكِتَابِ ( وَلَمْ يُصَحَّحْ ) عِنْدَ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَا غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ . ( وَسَكَتْ ) أَيْ : أَبُو دَاوُدَ ( عَلَيْهِ ) فَهُوَ ( عِنْدَهُ ) أَيْ : أَبِي دَاوُدَ ( لَهُ الْحُسْنُ ثَبَتَ ) .

وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ بِحَسَنٍ عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَلَا مُنْدَرِجٍ فِيمَا حَقَّقْنَا ج١ / ص١٤٠ضَبْطُ الْحَسَنِ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ ، لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجُ الضَّعِيفِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُهُ ، كَمَا سَيَأْتِي . انْتَهَى . وَيَتَأَيَّدُ تَسْمِيَتُهُ حَسَنًا بِالرِّوَايَةِ الْمَحْكِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ ، ( وَ ) لِذَلِكَ اعْتَرَضَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الثِّقَةُ الْمُصَنِّفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : أَبُو بَكْرٍ ( ابْنُ رُشَيْدٍ ) - بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ السبتي الْأَنْدَلُسِيُّ الْمَالِكِيُّ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِـ " فَاسٍ " عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ - عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ .

حَيْثُ ( قَالَ ) فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ : ( وَهُوَ مُتَّجِهْ ) : لَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ بِضَعْفٍ ، وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِصِحَّةٍ أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ حَسَنٌ ، بَلْ ( قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهِ ) أَيْ : أَبِي دَاوُدَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ كَذَلِكَ . [ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ الْمُنْذِرِيِّ فِي خُطْبَةِ التَّرْغِيبُ : وَكُلُّ حَدِيثٍ عَزَوْتُهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ ، ولَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . انْتَهَى .

فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ الصَّحِيحِ فِيهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ الْفُصُولِ الَّتِي بِأَوَّلِ الأذكار : وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ضَعْفَهُ ، فَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ . وَيُسَاعِدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ أَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ : " أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ " تقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ غَالِبًا .

فَالْمَسْكُوتُ عَلَيْهِ إِمَّا صَحِيحٌ أَوْ أَصَحُّ ، إِلَّا أَنَّ الْوَاقِعَ خِلَافُهُ ، ج١ / ص١٤١وَلَا مَانِعَ مِنَ اسْتِعْمَالِ " أَصَحَّ " بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ، بَلْ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ كَذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، مِنْهُمُ التِّرْمِذِيُّ ; فَإِنَّهُ يُورِدُ الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ الضَّعِيفِ ، ثُمَّ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ ، وَيَقُولُ عَقِبَ الثَّانِي : إِنَّهُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ الضَّعِيفِ . وَصَنِيعُ أَبِي دَاوُدَ يَقْتَضِيهِ ، لِمَا فِي الْمَسْكُوتِ عَلَيْهِ مِنَ الضَّعِيفِ بِالِاسْتِقْرَاءِ ، وَكَذَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَصْرِهِ التَّبْيِينَ فِي الْوَهَنِ الشَّدِيدِ ; إِذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الشَّدِيدِ لَا يُبَيِّنُهُ . وَحِينَئِذٍ فَالصَّلَاحِيَةُ فِي كَلَامِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِلِاحْتِجَاجِ أَوِ الِاسْتِشْهَادِ ، فَمَا ارْتَقَى إِلَى الصِّحَّةِ ثُمَّ إِلَى الْحُسْنِ ، فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَمَا عَدَاها فَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي ، وَمَا قَصُرَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ ، وَقَدِ الْتَزَمَ بَيَانَهُ .

وَقَدْ تَكُونُ الصَّلَاحِيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فِي الِاحْتِجَاجِ ، وَلَا يُنَافِيهِ وُجُودُ الضَّعِيفِ ; لِأَنَّهُ - كَمَا سَيَأْتِي - يُخَرِّجُ الضَّعِيفَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ غَيْرَهُ ، وَهُوَ أَقْوَى عِنْدَهُ مِنْ رَأْيِ الرِّجَالِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّ كُلَّ مَا سَكَتَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ عِنْدَهُ ، لَا سِيَّمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُهُ . عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ : وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ بِحَسَنٍ عِنْدَ ج١ / ص١٤٢غَيْرِهِ ، مَا يُومِئُ إِلَى التَّنْبِيهِ لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشَيْدٍ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يُخَالِفَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي طَرَفٍ ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي طَرَفٍ آخَرَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاسْتِلْزَامِهِ نَقْضَ مَا قَرَّرَهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَقْسَامٌ : مِنْهُ مَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، أَوْ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ ، أَوْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ ، أَوْ مَعَ الِاعْتِضَادِ ، وَهُمَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِهِ جِدًّا ، وَمِنْهُ مَا هُوَ ضَعِيفٌ ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَرْكِهِ .

وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْحَقُّ أَنَّ مَا وَجَدْنَاهُ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ حُسْنِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ - فَهُوَ حَسَنٌ ، وَإِنْ نَصَّ عَلَى ضَعْفِهِ مَنْ يُعْتَمَدُ ، أَوْ رَأَى الْعَارِفُ فِي سَنَدِهِ مَا يَقْتَضِي الضَّعْفَ ، وَلَا جَابِرَ لَهُ - حُكِمَ بِضَعْفِهِ ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى سُكُوتِهِ . انْتَهَى . وَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالتَّحْقِيقُ التَّمْيِيزُ لِمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ ، وَرَدُّ الْمَسْكُوتِ عَلَيْهِ إِلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ مِنْ صِحَّةٍ وَحُسْنٍ وَغَيْرِهِمَا ، كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَرَجَّحَهُ هُوَ فِي بَابِهِ ، وَإِنْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَقَرَّ فِي مُخْتَصَرَيْهِ ابْنَ الصَّلَاحِ عَلَى دَعْوَاهُ هُنَا الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ صَنِيعِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا أَلْجَأَهُ إِلَيْهَا مَذْهَبُهُ .

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا تَمْيِيزٍ ، فَالَأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ فِي الْسْكُوتِ عَلَيْهِ : صَالِحٌ ، كَمَا هِيَ عِبَارَتُهُ ، خُصُوصًا وَقَدْ سَلَكَهُ جَمَاعَةٌ . ج١ / ص١٤٣( وَ ) كَذَا ( لِلْإِمَامِ ) الْحَافِظِ الثِّقَةِ أَبِي الْفَتْحِ فَتْحِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ ( الْيَعْمُرِيِّ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ ، حَسْبَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ نُقْطَةَ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَبِضَمِّ الْمِيمِ أَيْضًا كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ ، الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَصْلِ الْقَاهِرِيُّ الشَّافِعِيُّ ، مُؤَلِّفُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، الْمُتَوَفَّى فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَالْمَدْفُونُ بِالْقَرَافَةِ ، فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي شَرَحَهَا مِنَ التِّرْمِذِيِّ اعْتِرَاضٌ آخَرُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : لَمْ يَرْسُمْ أَبُو دَاوُدَ شَيْئًا بِالْحُسْنِ ( إِنَّمَا قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ ) يَعْنِي : الْمَاضِي ، وَهُوَ : " ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ ، " أَيْ : فِي الصِّحَّةِ " وَمَا يُقَارِبُهُ " أَيْ : فِيهَا أَيْضًا ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : إِنَّ بَعْضَهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ ; فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَها لِمَا تقْتَضِيهِ صِيغَةُ " أَفْعَلَ " فِي الْأَكْثَرِ . ( يَحْكِي مُسْلِمًا ) أَيْ : يُشْبِهُ قَوْلَ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ ، ( حَيْثُ يَقُولُ ) أَيْ : مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : ( جُمْلَةُ الصَّحِيحِ لَا تُوجَدُ عِنْدَ ) الْإِمَامِ ( مَالِكٍ وَالنُّبَلَا ) كَشُعْبَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ( فَاحْتَاجَ ) أَيْ : مُسْلِمٌ ( أَنْ يَنْزِلَ فِي الْإِسْنَادِ ) عَنْ حَدِيثِ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ ( إِلَى ) حَدِيثِ ( يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ج١ / ص١٤٤وَنَحْوِهِ ) ; كَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ مِمَّنْ يَلِيهِمْ فِي ذَلِكَ .

( وَإِنْ يَكُنْ ذُو ) أَيْ : صَاحِبُ ( السَّبْقِ ) فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ، وَهُوَ مَالِكٌ مَثَلًا ( قَدْ فَاتَهُ ) أَيْ : سَبَقَ بِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ يَزِيدَ مَثَلًا ، فَقَدْ ( أَدْرَكَ ) أَيْ : لَحِقَ الْمَسْبُوقُ السَّابِقَ فِي الْجُمْلَةِ ( بِاسْمِ ) الْعَدَالَةِ وَ ( الصِّدْقِ ) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي " فَاتَهُ " لِمُسْلِمٍ ، وَيَكُونَ الْمَعْنَى : وَإِنْ يَكُنْ قَدْ فَاتَ مُسْلِمًا وُجُودُ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ذِي السَّبْقِ ، إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ هُوَ أَوْ ذَاكَ السَّابِقُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ ، أَيْ : بَلَغَ مَقْصُودَهُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يَشْتَرِكُ مَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ . وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى كَلَامِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَاحِدٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ، غَيْرَ أَنَّ مُسْلِمًا شَرَطَ الصَّحِيحَ ، فَاجْتَنَبَ حَدِيثَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ الضَّعِيفُ الْوَاهِي ، وَأَتَى بِالْقِسْمَيْنِ الْآخِيرَيْنِ ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ; فَذَكَرَ مَا يَشْتَدُّ وَهَنُهُ عِنْدَهُ ، وَالْتَزَمَ بَيَانَهُ .

فَـ ( هَلَّا قَضَى ) أَيِ : ابْنُ الصَّلَاحِ ( عَلَى كِتَابِ مُسْلِمٍ بِمَا قَضَى ) بِهِ ( عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى أَبِي دَاوُدَ أَوْ كِتَابِهِ ( بِالتَّحَكُّمِ ) الْمَذْكُورِ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : وَهُوَ تَعَقُّبٌ مُتَّجِهٌ ، وَرَدَّهُ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ : بَلْ هُوَ تَعَقُّبٌ وَاهٍ جِدًّا ، لَا يُسَاوِي سَمَاعَهُ . وَهُوَ كَذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ : وُقُوعُ غَيْرِ الصَّحِيحِ فِي مُسْلِمٍ ، أَوْ تَصْحِيحُ كُلِّ مَا سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ .

وَقَدْ بَيَّنَ الشَّارِحُ رده ; بِأَنَّ مُسْلِمًا شَرَطَ الصَّحِيحَ ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى ج١ / ص١٤٥حَدِيثٍ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ . وَأَبُو دَاوُدَ إِنَّمَا قَالَ : مَا سَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ صَالِحٌ ، وَالصَّالِحُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا ، فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْحُسْنِ . وَبِنَحْوِهِ أَجَابَ عَنِ اعْتِرَاضِ ابْنِ رُشَيْدٍ الْمَاضِي .

وَسَبَقَهُ شَيْخُهُ الْعَلَائِيُّ ، فَأَجَابَ بِمَا هُوَ أَمْتَنُ مِنْ هَذَا . وَعِبَارَتُهُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ - يَعْنِي : ابْنَ سَيِّدِ النَّاسِ - ضَعِيفٌ ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَقْوَى ; لِأَنَّ دَرَجَاتِ الصَّحِيحِ إِذَا تَفَاوَتَتْ ، فَلَا يَعْنِي بِالْحَسَنِ إِلَّا الدَّرَجَةَ الدُّنْيَا مِنْهَا ، وَالدَّرَجَةُ الدُّنْيَا مِنْهَا لَمْ يُخَرِّجْ مِنْهَا مُسْلِمٌ شَيْئًا فِي الْأُصُولِ ، إِنَّمَا يُخَرِّجُهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ . وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ يُخَرِّجُ جَمِيعَ أَهْلِ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي الْأُصُولِ ، بَلْ وَفِي الْمُتَابَعَاتِ - لَكَانَ كِتَابُهُ أَضْعَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَاهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُورِدْ لِعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إِلَّا فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَكَوْنِهِ مِنَ الْمُكْثِرِينَ لَيْسَ له عِنْدَهُ سِوَى مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ .

وَكَذَا لَيْسَ لِابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ إِلَّا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ، وَهُوَ مَنْ بحور الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لِلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَلَا لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَلَا لِمُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ إِلَّا مَقْرُونًا ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَبِي دَاوُدَ ; فَإِنَّهُ يُخَرِّجُ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ فِي الْأُصُولِ مُحْتَجًّا بِهَا ، وَلَأَجْلِ ذَا تَخَلَّفَ كِتَابُهُ عَنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ ، وبالجملة فتخريج مسلم لهؤلاء انتقاء بخلاف أبي داود .

موقع حَـدِيث