الْفَرْعُ الثَّانِي قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَرَى
( وَ ) الْفَرْعُ الثَّانِي : ( قَوْلُهُ ) أَيِ : الصَّحَابِيِّ ( كُنَّا نَرَى ) كَذَا ، أَوْ نَفْعَلُ كَذَا ، أَوْ نَقُولُ كَذَا ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . وَحُكْمُهُ أَنَّهُ ( إِنْ كَانَ ) ذَلِكَ ( مَعَ ) ذِكْرِ ( عَصْرِ النَّبِيِّ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; كَقَوْلِ جَابِرٍ : كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ : كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَوْلِ غَيْرِهِ : " كُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا " ، أَوْ : " كَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا عَلَى عَهْدِهِ " ، أَوْ : " كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا فِي حَيَاتِهِ ، " إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ .
فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا لَفْظًا ( مِنْ قَبِيلِ مَا رَفَعَ ) الصَّحَابِيُّ بِصَرِيحِ الْإِضَافَةِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَطَعَ بِهِ الْخَطِيبُ ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْحَاكِمُ ; كَمَا سَيَأْتِي . وَصَحَّحَهُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ، وَأَتْبَاعُهُ ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي بَيَانُ الشَّرْعِ ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَمِ إِنْكَارِهِ . ج١ / ص٢٠٦قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَيْهِ ، وَقَرَّرَهُمْ ، وَتَقْرِيرُهُ كَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَلَوْ عَلِمَ الصَّحَابِيُّ إِنْكَارًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، لَبَيَّنَهُ . قَالَ شَيْخُنَا : ( وَيَدُلُّ لَهُ احْتِجَاجُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ بِفِعْلِهِمْ لَهُ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ ، فَقَالَ : كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى عَنْهُ ، لنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ . وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ تَشْرِيعٍ .
وفي كونه مرفوعا بذلك نظر ، فإنه مما يخفى ، وإن كان الزمان زمان تشريع ، نعم . أصرح منه ما في البخاري من حديث الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، قال : كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هيبة أن ينزل فينا شيء ، فلما توفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلمنا وانبسطنا . وَكَذَا يَدُلُّ لَهُ مَجِيءُ بَعْضِ مَا أَتَى بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَرِيحِ الرَّفْعِ .
( وَقِيلَ : لَا ) يَكُونُ مَرْفُوعًا ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بَلَاغًا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِسْمَاعِيلِيَّ عَنْهُ ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ، كَمَا خَالَفَ فِي نَحْوِ " أُمِرْنَا " ، يَعْنِي ج١ / ص٢٠٧بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا قُيِّدَ أَمْ لَا ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، فَهُوَ مُفَصَّلٌ ، فَإِنْ قُيِّدَ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَمَرْفُوعٌ ( أَوْ لَا ) أَيْ : وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ ( فَلَا ) يَكُونُ مَرْفُوعًا . ( كَذَاكَ لَهُ ) أَيْ : لِابْنِ الصَّلَاحِ ; حَيْثُ جَزَمَ بِهِ ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ غَيْرَهُ . ( وَ ) كَذَا ( لِلْخَطِيبِ ) أَيْضًا فِي الْكِفَايَةِ ، كَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ فُهِمَ عَنْ مُشْتَرِطِي الْقَيْدِ فِي الرَّفْعِ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ - الْقَوْلُ بِهِ .
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ : إِنْ لَمْ يُضِفْهُ ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ . ( قُلْتُ : لَكِنْ ) قَدْ ( جَعَلَهُ ) أَيْ : هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ ( مَرْفُوعًا الْحَاكِمُ ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ . وَعِبَارَتُهُ فِي عُلُومِهِ : وَمِنْهُ - أَيْ : وَمِمَّا لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِذِكْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالصُّحْبَةِ : أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ كَذَا ، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا ، وَكُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ كَذَا ، وَكُنَّا نَفْعَلُ كَذَا ، وَكُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِينَا كَذَا ، وَكُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا ، وَكَانَ يُقَالُ : كَذَا وَكَذَا ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ : مِنَ السُّنَّةِ كَذَا ، وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا ; إِذَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصُّحْبَةِ ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ; أَيْ : مَرْفُوعٌ .
( وَ ) كَذَا جَعَلَهُ مَرْفُوعًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ( الرَّازِيُّ ) - نِسْبَةً بِإِلْحَاقِ الزَّايِ - لِلرَّيِّ ، مَدِينَةٍ مَشْهُورَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ ، بَيْنَ ج١ / ص٢٠٨قُومِسَ وَالْجِبَالِ ، صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَالْمَحْصُولِ ، وَمَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ ، وَشَرْحِ الْوَجِيزِ لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهَا ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ . وَهُوَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الْفَضَائِلِ مُحَمَّدُ ( بْنُ الْخَطِيبِ ) بِالرَّيِّ ، تِلْمِيذُ مُحْيِي السُّنَّةِ الْبَغَوِيِّ ، الْإِمَامُ ضِيَاءُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ الْبَكْرِيُّ التَّميْمِيُّ الشَّافِعِيُّ ، تُوُفِّيَ بِهَرَاةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي " الْمَحْصُولِ " . وَلَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ الْمُضَافِ وَغَيْرِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَعَنِ الْفَخْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ .
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " : إِنَّهُ الظَّاهِرُ ، قَالَ النَّاظِمُ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : ( وَهُوَ الْقَوِيُّ ) يَعْنِي : مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، زَادَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَأَكْثَرَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ . قُلْتُ : وَمِمَّا خَرَّجَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ : " كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا ، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا " ، وَيَتَأَيَّدُ الْقَوْلُ بِالرَّفْعِ بِإِيرَادِ ج١ / ص٢٠٩النَّسَائِيِّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا صَعِدْنَا . وَذَكَرَهُ .
فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الرَّفْعُ مُطْلَقًا ، الْوَقْفُ مُطْلَقًا ، التَّفْصِيلُ ، وَفِيهَا رَابِعٌ أَيْضًا ; وَهُوَ تَفْصِيلٌ آخَرُ ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَخْفَى غَالِبًا فَمَرْفُوعٌ ، أَوْ يَخْفَى ; كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْصَارِ : " كُنَّا نُجَامِعُ فَنَكْسَلُ وَلَا نَغْتَسِلُ " . فَمَوْقُوفٌ ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ آخَرِينَ . وَخَامِسٌ : وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ فَمَرْفُوعٌ ، وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ ; حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ .
ج١ / ص٢١٠وَسَادِسٌ : وَهُوَ إِنْ كَانَ قَائِلُهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَمَوْقُوفٌ ، وَإِلَّا فَمَرْفُوعٌ . وَسَابِعٌ : وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كُنَّا نَرَى وَكُنَّا نَفْعَلُ ، بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّأْيِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ تَنْصِيصًا أَوِ اسْتِنْبَاطًا . وَتَعْلِيلُ السَّيْفِ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ كَوْنَ " كُنَّا نَفْعَلُ " وَنَحْوَهُ حُجَّةً : بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ كُلِّ الْأُمَّةِ ، لَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِدْرَاجُهُمْ مَعَ الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ لِاخْتِلَافِ الْمَدْرَكَيْنِ .
وَكُلُّ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ ; حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِصَّةِ اطِّلَاعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَمَّا إِذَا كَانَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ : أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُنْكِرُهُ ؛ فَحُكْمُهُ : الرَّفْعُ إِجْمَاعًا . ثُمَّ إِنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ - فِيمَا تَقَدَّمَ - كَمَا عُلِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ ابْنُ ج١ / ص٢١١الصَّبَّاغِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ : كَانَتِ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ . .
" لَكِنْ حَدِيثُ : كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يُقْرَعُ ) مِنَ الصَّحَابَةِ ( بِالْأَظْفَارِ ) تَأَدُّبًا وَإِجْلَالًا له ، كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ . وَإِنْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ : إِنَّهُ لِأَنَّ بَابَهُ الْكَرِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِلَقٌ يُطْرَقُ بِهَا . ( مِمَّا وُقِفَا حُكْمًا ) أَيْ : حُكْمُهُ الْوَقْفُ ( لَدَى ) أَيْ : عِنْدَ ( الْحَاكِمِ ) ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْنَدَهُ ، كَمَا سَيَأْتِي : هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا ; لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ ; فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا ، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ .
( وَ ) كَذَا عِنْدَ ( الْخَطِيبِ ) أَيْضًا فِي جَامِعِهِ نَحْوُهُ . وَإِنْ أَنْكَرَ الْبُلْقِينِيُّ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَايخِهِ وُجُودَهُ فِيهِ ، فَعِبَارَتُهُ فِي الْمَوْقُوفِ الْخَفِيِّ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ - نَصُّهَا : قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ ، حَكَى فِيهِ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلًا . وَذَلِكَ مُتَعَقَّبٌ عَلَيْهِمَا ( وَالرَّفْعُ ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( عِنْدَ الشَّيْخِ ) ابْنِ الصَّلَاحِ ( ذُو تَصْوِيبِ ) .
قَالَ : وَالْحَاكِمُ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ ; يَعْنِي ج١ / ص٢١٢لِأَنَّهُ جَنَحَ إِلَى الرَّفْعِ فِي غَيْرِ الْمُضَافِ ، فَهُوَ هُنَا أَوْلَى ; لِكَوْنِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : أَحْرَى بِاطِّلَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ . قَالَ : وَقَدْ كُنَّا عَدَدْنَا هَذَا فِيمَا أَخَذْنَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَأَوَّلْنَاهُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ لَفْظًا ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا ; كَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى . انْتَهَى .
وَهُوَ جَيِّدٌ . وَحَاصِلُهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - : إنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ : جِهَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ صَادِرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا ، وَجِهَةَ التَّقْرِيرِ ، وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ إِنَّ فَائِدَةَ قَرْعِ بَابِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قُرِعَ ، وَمِنْ لَازِمِ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ قُرِعَ مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ - التَّقْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا . لَكِنْ يَخْدِشُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ قِسْمِ التَّقْرِيرِ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَوْقُوفًا ; لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطْعًا ، وَإِلَّا فَمَا اخْتِصَاصُ حَدِيثِ الْقَرْعِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ ؟ .
قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ فِي غَيْرِ التَّقْرِيرِ الصَّرِيحِ كَهَذَا الْحَدِيثِ ، وَغَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمَنْعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ المُبَارَكٍ مِنْ رَفْعِ حَدِيثِ : " حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ " . كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ . عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَاكِمَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْقَرْعِ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ ج١ / ص٢١٣الِاسْتِئْذَانَ فِي حَيَاتِهِ كَانَ بِبِلَالٍ أَوْ بِرَبَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِمَا ، وَرُبَّمَا كَانَ بِإِعْلَامِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ .
بَلْ فِي حَدِيثِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : احْتَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ حُجْرَةً ، وَفِيهِ : أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ لَيْلَةً ، قَالَ : فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا بَابَهُ . وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَرِيحٍ الِاسْتِئْذَانُ عَلَيْهِ بِالْقَرْعِ ، وَأنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْقَرْعِ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَهُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى مَزِيدِ الْأَدَبِ بَعْدَهُ ; إِذْ حُرْمَتُهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ ، وَكَذَا فِي الْأَمَالِي ، كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ ، حَيْثُ أَخْرَجَهُ عنه عَنْ رَاوٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لَهُ ، عَنْ رَاوٍ آخَرَ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الزِّيبَقِيِّ ، بِالزَّايِ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى ج١ / ص٢١٤الْمِنْقَرِيِّ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، عَنْ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ - فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْآخَرِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانٍ ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ أَخُو هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ . ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ : عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيِّ ، وَضِرَارِ بْنِ صُرَدَ شَيْخِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِيهِ ، ج١ / ص٢١٥كِلَاهُمَا عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ زِيَادٍ الثَّقَفِيِّ ، ثُمَّ افْتَرَقَا .
فَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبِهَانِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ . وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ - يَعْنِي الْعِجْلِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ بَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ . لَفْظُ حُمَيْدٍ ، وَلَفْظُ الْآخَرِ : كَانَتْ أَبْوَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَالْبَاقِي سَوَاءٌ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ " وَ " التَّارِيخِ " عَنْ أَبِي غَسَّانَ ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ ضِرَارٍ بِهِ .