الْفَرْعُ السَّادِسُ مَا أَتَى عَنْ الصحابي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ
( وَ ) الْفَرْعُ السَّادِسُ : وَأُخِّرَ هُوَ وَالَّذِي بَعْدَهُ ; لِأَنَّهُمَا مِنَ الزِّيَادَاتِ ( مَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ ) مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ . ( بِحَيْثُ لَا يُقَالُ رَأْيًا ) أَيْ : مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ( حُكْمُهُ الرَّفْعُ ) ج١ / ص٢٢٥تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالصَّحَابِيِّ ( عَلَى مَا قَالَ ) الْإِمَامُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ ( فِي الْمَحْصُولِ ) . ( نَحْوُ : مَنْ أَتَى ) سَاحِرًا أَوْ عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ ( فَالْحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا ) أَيْضًا ( أَثْبَتَا ) حَيْثُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي " عُلُومِهِ " : مَعْرِفَةَ الْمَسَانِيدِ الَّتِي لَا يُذْكَرُ سَنَدُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَدْخَلَ مَعَهُ فِي التَّرْجَمَةِ : " كُنَّا نَفْعَلُ " ، وَ " كَانَ يُقَالُ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى .
بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه - وَقَدْ رَأَى رَجُلًا خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ - : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مُسْنَدٌ . ج١ / ص٢٢٦وَأَدْخَلَ فِي كِتَابِهِ ( التَّقَصِّي ) الْمَوْضُوعَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمَرْفُوعِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ ذَكَرَهَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفَةً ، مِنْهَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَصَرَّحَ فِي التَّمْهِيدِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ : قَدْ يَحْكِي الصَّحَابِيُّ قَوْلًا يُوقِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَيُخْرِجُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُسْنَدِ ; لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ قَالَهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ ; كَحَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ . " . فَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْنَدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " الْقَبَسِ " : إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْمُسْنَدِ. انْتَهَى . وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَدِيدِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ : ج١ / ص٢٢٧" فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ .
حَيْثُ أَعْطَاهُ حُكْمَ الْمَرْفُوعِ ; لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ، وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَوْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
لَكِنْ قَدْ جَوَّزَ شَيْخُنَا فِي ذَلِكَ وَمَا يُشْبِهُهُ احْتِمَالَ إِحَالَةِ الْإِثْمِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . أَمَّا السَّاحِرُ : فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . وَأَمَّا الْعَرَّافُ - وَهُوَ الْمُنَجِّمُ - : فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ .
قَالَ شَيْخُنَا : ( لَكِنَّ الْأَوَّلَ - يَعْنِي الْحُكْمَ لَهَا بِالرَّفْعِ - أَظْهَرُ ). انْتَهَى . ج١ / ص٢٢٨عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَإِنْ جَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْهُ بِصُورَةِ الْمَوْقُوفِ - فَقَدْ جَاءَ مِنْ بَعْضِهَا بِالتَّصْرِيحِ بِالرَّفْعِ بل في صحيح مسلم من حديث صفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة .
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْأَظْهَرِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّثَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ بِحَدِيثِ : " فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ " ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : ( أَأَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ ؟ ) فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَعَمْ ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ ؟ ! أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي : " الْجِنِّ " مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ صَحِيحِهِ .
قَالَ شَيْخُنَا : فِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ ، يَكُونُ لِلْحَدِيثِ حُكْمُ الرَّفْعِ. انْتَهَى .
وَهَذَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِالرَّفْعِ بصُدُورِهِ عَمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ; فَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ الْمَاضِيَةِ مَا نَصُّهُ : إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الصَّحَابِيُّ الْمُفَسِّرُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالنَّظَرِ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ; كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; فَإِنَّهُ كَانَ حَصَلَ لَهُ فِي وَقْعَةِ " الْيَرْمُوكِ " كُتُبٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُتُبِ ج١ / ص٢٢٩أَهْلِ الْكِتَابِ ; فَكَانَ يُخْبِرُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ رُبَّمَا قَالَ لَهُ : حَدِّثْنَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا تُحَدِّثْنَا عَنِ الصَّحِيفَةِ . فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ حُكْمُ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ الرَّفْعَ ; لِقُوَّةِ الِاحْتِمَالِ . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَجْوِيزِهِ السَّابِقِ ; لِكَوْنِ الْأَظْهَرِ - كَمَا قَالَ - خِلَافَهُ .
وَسَبَقَهُ شَيْخُهُ الشَّارِحُ لِهَذَا التَّقْيِيدِ ; فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ أَنَّ كَثِيرًا مَا يُشَنِّعُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَلَى الْقَائِلِينَ بِالرَّفْعِ ، يَعْنِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : وَلِإِنْكَارِهِ وَجْهٌ ، فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ - يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ الصَّحَابِيُّ سَمِعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; كَكَعْبِ الْأَحْبَارِ حِينَ سَمِعَ مِنْهُ الْعَبَادِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ . قُلْتُ : وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْمُتَّصِفَ بِالْأَخْذِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَوِّغُ حِكَايَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مُسْتَنِدًا لِذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ ، مَعَ آيَةِ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ج١ / ص٢٣٠الَّتِي جَنَحَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَبْيِينِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ بِهَا ، وعِلْمُهُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ ; بِحَيْثُ سَمَّى ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَحِيفَتَهُ النَّبَوِيَّةَ الصَّادِقَةَ ، احْتِرَازًا عَنِ الصَّحِيفَةِ الْيَرْمُوكِيَّةِ . وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ - حِينَ سَأَلَ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ : كَيْفَ تَجِدُ قَوْمَكَ لَكَ ؟ قَالَ : مُكْرِمِينَ - مَا نَصُّهُ : مَا صَدَّقَتْنِي التَّوْرَاةُ ; لِأَنَّ فِيهَا : إِذَا مَا كَانَ رَجُلٌ حَكِيمٌ فِي قَوْمٍ إِلَّا بَغَوْا عَلَيْهِ وَحَسَدُوهُ .
وَكَوْنُهُ فِي مَقَامِ تَبْيِينِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي " أُمِرْنَا وَنُهِينَا ، وَكُنَّا نَفْعَلُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، خُصُوصًا وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَعْبًا مِنَ الْتحَدِيثِ بِذَلِكَ ، قَائِلًا لَهُ : لَتَتْرُكَنَّهُ ، أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَنْعُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ ، وَلَوْ وَافَقَ كِتَابَنَا ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذَلِكَ ، وَكَذَا نَهَى عَنْ مِثْلِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، بَلِ امْتَنَعَتْ عَائِشَةُ مِنْ قَبُولِ هَدِيِّةِ رَجُلٍ ، مُعَلِّلَةً الْمَنْعَ بِكَوْنِهِ يَنْعَتُ الْكُتُبَ الْأُوَلَ . ج١ / ص٢٣١وقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ عَيَّاشٍ : قُلْتُ لِلْأَعْمَشِ : مَا لَهُمْ يتقون تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ ؟ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَسْأَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ .
وَلَا يُنَافِيهِ : حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا حرج ; فَهُوَ خَاصٌّ بِمَا وَقَعَ فِيهِمْ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْأَخْبَارِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تِلْوَهُ فِي رِوَايَةٍ : فَإِنَّهُ كَانَتْ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبُ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا : هَذَا دَالٌّ عَلَى سَمَاعِهِ لِلْفُرْجَةِ لَا لِلْحُجَّةِ ، كَمَا بَسَطْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاضِحًا فِي كِتَابِي " الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّقْلِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " . إِذْ عُلِمَ هَذَا ،
فَقَدْ أَلْحَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مَا يَجِيءُ عَنِ التَّابِعِينَ أَيْضًا ، مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ ; فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، قَالَ : وَلِهَذَا أَدْخَلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي.
انْتَهَى . وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ اخْتَصَّ بِذَلِكَ عَنِ التَّابِعِينَ ، كَمَا اخْتَصَّ دُونَهُمْ ج١ / ص٢٣٢بِالْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ : " مِنَ السُّنَّةِ وَأُمِرْنَا " ، وَالِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِهِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي أَمَاكِنِهِ ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ هُنَا التَّعْمِيمُ . وَبِهَذَا الْحُكْمِ أُجِيبَ مَنِ اعْتَرَضَ فِي إِدْخَالِ الْمَقْطُوعِ وَالْمَوْقُوفِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْمَقْطُوعِ .