الاحتجاج بمرسل كبار التابعين
( قُلْتُ : الشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ ( لَمْ يُفَصِّلْ ) فِي الْمُرْسَلِ الْمُعْتَضِدِ بَيْنَ كِبَارَ التَّابِعِينَ وَصِغَارِهِمْ ، بَلْ أَطْلَقَ كَمَا تَرَى ، وَكَأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَعْرِيفِهِ ج١ / ص٢٥٩كَمَا تَقَدَّمَ ( وَالشَّافِعِيُّ ) الَّذِي اعْتَمَدَ ابْنُ الصَّلَاحِ مَقَالَهُ فِي ذَلِكَ ( بِالْكِبَارِ مِنْهُمْ قَيَّدَا ) الْمُعْتَضِدَ . وَتَبِعَ ابْنَ الصَّلَاحِ فِي الْإِطْلَاقِ النَّوَوِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ ، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِلتَّقْيِيدِ فِي شَرْحِهِ لِلْوَسِيطِ وَهُوَ مِنْ أَوَاخِرِ تَصْنِيفِهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِمُرْسَلِ الْكِبَارِ مِنَ التَّابِعِينَ ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْتَضِدَ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ ، وَذَكَرَهَا . ( وَ ) كَذَا قَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِـ ( مَنْ رَوَى ) مِنْهُمْ ( عَنِ الثِّقَاتِ أَبَدَا ) ; بِحَيْثُ إِذَا عُيِّنَ شَيْخُهُ فِي مُرْسَلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، أَوْ فِي مُطْلَقِ حَدِيثِهِ ، حَسَبَمَا يَحْتَمِلُهما كَلَامُ الشَّافِعِيِّ الْآتِي : لَا يُسَمَّى مَجْهُولًا ، وَلَا مَرْغُوبًا عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ .
وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ ، كَمَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِ . فَالتَّوْثِيقُ مَعَ الْإِبْهَامِ لَا يَكْفِي - عَلَى مَا سَيَأْتِي - . نَعَمْ ، قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سَعِيدٍ بِخُصُوصِهِ : إِنَّهُ مَا عَرَفَهُ رَوَى إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، وَأَجَابَ بِذَلِكَ مَنْ عَارَضَهُ فِي قَبُولِ مَرَاسِيلِهِ خَاصَّةً ، بَلْ وَزَادَ : أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ لَهُ مُنْقَطِعًا إِلَّا وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْدِيدِهِ .
ج١ / ص٢٦٠وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَقِبَ الْعَاضِدِ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدٍ ; فَإِنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيدَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ . قَالَ : وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِإِرْسَالِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ . انْتَهَى .
وَتَبِعَهُ أَحْمَدُ ، فَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ وَحَنْبَلٌ مَعًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ صِحَاحٌ ، لَا نَرَى أَصَحَّ مِنْ مُرْسَلَاتِهِ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ . وَلَكِنْ قَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْإِرْشَادِ " : اشْتُهِرَ عِنْدَ فُقَهَاءَ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ .
ثُمَّ بَيَّنَهُ بِمَا ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ - عَقِبَ نَقْلِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " . مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ أَيْضًا : إِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ - مَا نَصُّهُ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، ج١ / ص٢٦١حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ ، وَالْخَطِيبُ فِي كِتَابَيْهِ " الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ " وَ " الْكِفَايَةِ " وَآخَرُونَ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا حُجَّةٌ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الْمَرَاسِيلِ ، قَالُوا : لِأَنَّهَا فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مُسْنَدَةً . ثَانِيهِمَا : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ ، بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمُرْسَلِهِ ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ جَائِزٌ .
قَالَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ " الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ " : وَالصَّوَابُ الثَّانِي ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ : إِنَّ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ مَا لَمْ يُوجَدْ بِحَالٍ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ ذَكَرْنَا لِابْنِ الْمُسَيَّبِ مَرَاسِيلَ لَمْ يَقْبَلْهَا الشَّافِعِيُّ ، حِينَ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا ، وَمَرَاسِيلَ لِغَيْرِهِ قَالَ بِهَا حِينَ انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا . قَالَ : وَزِيَادَةُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ أَصَحُّ التَّابِعِينَ إِرْسَالًا فِيمَا زَعَمَ الْحُفَّاظُ .
قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ " شَرْحِ التَّلْخِيصِ " قَالَ ج١ / ص٢٦٢الشَّافِعِيُّ فِي " الرَّهْنِ الصَّغِيرِ " : مُرْسَلُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حُجَّةٌ - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَالْخَطِيبِ وَالْمُحَقِّقِينَ . إِذَا عُلِمَ هَذَا ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ سَعِيدٌ بِهَذَا الْوَصْفِ ، فقد قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيَّ يَقُولُ : كُلُّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكم عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مُسْنَدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَكِنَّ هَذَا خَاصٌّ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ الْمَحْكِيُّ قُبَيْلَ الْمُرْسَلِ . ( وَ ) قَيَّدَهُ الشافعي أَيْضًا بِـ ( مَنْ إِذَا شَارَكَ ) مِنْهُمْ ( أَهْلَ الْحِفْظِ ) فِي أَحَادِيثِهِمْ ( وَافَقَهُمْ ) فِيهَا وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ ( إِلَّا بِنَقْصِ لَفْظِ ) [ الْحُفَّاظِ بِكَلِمَةٍ فَأَزْيَدَ مِمَّا ] لَا يَخْتَلُّ مَعَهُ الْمَعْنَى ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي قَبُولِ مُرْسَلِهِ .
ج١ / ص٢٦٣وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ - أَعْنِي رِوَايَتَهُ عَنِ الثِّقَاتِ ، وَمُوَافَقَةَ الْحُفَّاظِ ، وَكَوْنَهُ مِنَ الْكِبَارِ - صِفَةٌ لِلْمُرْسِلِ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ مُرْسَلِهِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ، وَثَانِيهما : جَارٍ فِي كُلِّ رَاوٍ أَرْسَلَ أَوْ أَسْنَدَ ، كَمَا قِيلَ : إِنَّ الْمُحْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ أَيْضًا يَشْتَرِطُ أَوَّلَهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ النِّزَاعِ فِيهِ . وَهَذَا سِيَاقُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ; لِيُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِحَ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ أَوْرَدَهُ أَخَلَّ مِنْهُ بِأَشْيَاءَ مُهِمَّةٍ . فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ " عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَالْمُنْقَطِعُ مُخْتَلِفٌ ، فَمَنْ شَاهَدَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّابِعِينَ ، فَحَدَّثَ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتُبِرَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ : مِنْهَا : أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا أَرْسَلَ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ شَرِكَهُ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ ، فَأَسْنَدُوهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رَوَى ، كَانَتْ هَذِهِ دَلَالَةً عَلَى صِحَّةِ مَا قبل عَنْهُ وَحِفْظِهِ ، وَإِنِ انْفَرَدَ بِإِرْسَالِ حَدِيثٍ لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهِ مَنْ يُسْنِدُهُ ، قُبِلَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَيُعْتَبَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُنْظَرَ ، هَلْ يُوَافِقُهُ مُرْسَلُ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَبِلَ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ رِجَالِهِ الَّذِينَ قُبِلَ عَنْهُمْ ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَتْ دَلَالَةً تُقَوِّي لَهُ مُرْسَلَهُ ، وَهِيَ أَضْعَفُ مِنَ الْأُولَى . وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ نُظِرَ إِلَى بَعْضِ مَا يَرْوى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا لَهُ ، فَإِنْ وُجِدَ يُوَافِقُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَانَتْ هَذِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مُرْسَلَهُ إِلَّا عَنْ أَصْلٍ يَصِحُّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ عَوَامٌّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُفْتُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
ثُمَّ يُعْتَبَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ إِذَا سَمَّى مَنْ رَوَى عَنْهُ ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا ، وَلَا ج١ / ص٢٦٤مَرْغُوبًا عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا يَرْوى عَنْهُ . وَيَكُونَ إِذَا شَرِكَ أَحَدًا مِنَ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثٍ لَمْ يُخَالِفْهُ ، فَإِنْ خَالَفَهُ وَوُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ ، كَانَتْ فِي هَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ . وَمَتَى خَالَفَ مَا وَصَفْتُ أَضَرَّ بِحَدِيثِهِ حَتَّى لَا يَسَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَبُولُ مُرْسَلِهِ .
قَالَ : وَإِذَا وُجِدَتِ الدَّلَائِلُ لِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْتُ ، أَحْبَبْنَا - يَعْنِي اخْتَرْنَا - كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ - أَنْ نَقْبَلَ مُرْسَلَهُ ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالْمُؤْتَصِلِ ; وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْمُنْقَطِعَ مُغَيَّبٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ عَمَّنْ يُرْغَبُ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ إِذَا سُمِّيَ وَأنَّ بَعْضَ الْمُنْقَطِعَاتِ ، وَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ مِثْلُهُ - فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَخْرَجُهُمَا وَاحِدًا ، مِنْ حيث مَنْ لَوْ سُمِّيَ لَمْ يُقْبَلْ . وَأنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَالَ بِرَأْيِهِ لَوْ وَافَقَهُ ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ دَلَالَةً قَوِيَّةً إِذَا نُظِرَ فِيهَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا غَلِطَ بِهِ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَافِقُهُ ، وَيَحْتَمِلُ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ وَافَقَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ . قَالَ : فَأَمَّا مَنْ بَعْدَ كِبَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لِبَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا أَعْلَمُ مِنْهُمْ وَاحِدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ ; لِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ أَشَدُّ تَجَوُّزًا فِيمَنْ يَرْوُونَ عَنْهُ .
وَالْآخَرُ : أَنَّهُمْ تُوجَدُ عَلَيْهِمُ الدَّلَائِلُ فِيمَا أَرْسَلُوا بِضَعْفِ مَخْرَجِهِ . وَالْآخَرُ : كَثْرَةُ الْإِحَالَةِ في الْأَخْبَارِ ، وَإِذَا كَثُرَتِ الْإِحَالَةُ ، كَانَ أَمْكَنَ ج١ / ص٢٦٥لِلْوَهْمِ وَضَعْفِ مَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ . وَكَذَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْجَوْهَرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حِمْدَانَ الطَّرَائِفِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنِ الرَّبِيعِ بِهِ ، بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ فِي أَوَاخِرِهِ : عَنِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ ، فَلَيْسَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَهُوَ مفيد فَائِدَةً جَلِيلَةً .
وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ : مِمَّا يَعْتَضِدُ بِهِ الْمُرْسَلُ : فِعْلُ صَحَابِيٍّ ، أَوِ انْتِشَارًا ، أَوْ عَمَلُ أَهْلِ الْعَصْرِ ، أَوْ قِيَاسًا مُعْتَبَرًا ، وَيُمْكِنُ رُجُوعُهَا إِلَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِتَكَلُّفٍ فِي بَعْضِهَا . ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ إِلَّا إِنِ اعْتَضَدَ - هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَإِنْ زَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ فِي الْجَدِيدِ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ سِوَاهُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ ، فَلَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِإِجْمَاعِ النَّقَلَةِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ غَيْرُ حُجَّةٍ . نَعَمْ ، قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ مَا مَعْنَاهُ : إِنَّهُ إِذَا دَلَّ عَلَى مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ ج١ / ص٢٦٦سِوَاهُ ، فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الِانْكِفَافِ ; يَعْنِي احْتِيَاطًا ، [ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْجَزْمِ بِوُجُوبِ الِانْكِفَافِ بِخَبَرِ الْمَسْتُورِ ; كَمَا سَيَأْتِي فِيهِ مَعَ النِّزَاعِ فِي الْوُجُوبِ بِكَلَامِ النَّوَوِيِّ ] .
( فَإِنْ يُقَلْ ) عَلَى وَجْهِ الْخَدْشِ فِي الِاعْتِضَادِ بِمُسْنَدٍ : ( فَالْمُسْنَدُ ) هُوَ ( الْمُعْتَمَدُ ) حِينَئِذٍ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْمُرْسَلِ ، ( فَقُلْ ) مُجِيبًا بِمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ : إِنَّ الْمُرْسَلَ تَقَوَّى بِالْمُسْنَدِ ، وَبَأنَ بِهِ قُوَّةُ السَّاقِطِ مِنْهُ ، وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْحُجَّةِ . وَأَيْضًا : فَكَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ - وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ - لِتَضَمُّنِهِ إِبْدَاءَ فَائِدَةِ ذَلِكَ : هُمَا ( دَلِيلَانِ ) ; إِذِ الْمُسْنَدُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ ، وَالْمُرْسَلُ ( بِهِ ) أَيِ : بالْمُسْنَدِ ( يَعْتَضِدُ ) ، وَيَصِيرُ دَلِيلًا آخَرَ ، فَيُرَجَّحُ بِهِمَا الْخَبَرُ عِنْدَ مُعَارَضَةِ خَبَرٍ لَيْسَ لَهُ سِوَى طَرِيقٍ مُسْنَدٍ . قَالَ غَيْرُهُ : وَرُبَّمَا يَكُونُ الْمُسْنَدُ حَسَنًا ، فَيَرْتَقِي بِالْمُرْسَلِ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْإِيرَادَ إِنَّمَا يَأْتِي إِذَا كَانَ الْمُسْنَدُ بِمُفْرَدِهِ صَالِحًا لِلْحُجَّةِ ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَى اعْتِضَادٍ فَلَا ; إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا اعْتَضَدَ بِالْآخَرِ ، وَصَارَ بِهِ حُجَّةً .
وَلِذَا قَيَّدَهُ الْإِمَامُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي " الْمَحْصُولِ " بِقَوْلِهِ : هَذَا فِي مُسْنَدٍ لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ إِذَا انْفَرَدَ ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا . وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ اعْتِضَادُهُ بِهَذَا الْمُسْنَدِ كَاعْتِضَادِهِ بِمُرْسَلٍ آخَرَ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ لِلْحُجَّةِ ، وَيَجِيءُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ انْضِمَامٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِلَى مِثْلِهِ ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى مِثْلِهَا . ج١ / ص٢٦٧وَلَكِنْ قَدْ أُجِيبَ : بِأَنَّ الْقُوَّةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ مِنْ هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ ; إِذْ بِانْضِمَامِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ ، قَوِيَ الظَّنُّ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْرِيرِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ ; أَنَّ الضَّعِيفَ الَّذِي ضَعْفُهُ مِنْ جِهَةِ قِلَّةِ حِفْظِ رَاوِيهِ وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ ، لَا مِنْ جِهَةِ اتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ - إِذَا رُوِيَ مِثْلُهُ بِسَنَدٍ آخَرَ نَظِيرُهُ فِي الرِّوَايَةِ ، ارْتَقَى إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ حِينَئِذٍ مَا يُخَافُ مِنْ سُوءِ حِفْظِ الرَّاوِي ، وَيَعْتَضِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَفْرَادُ الْمُتَوَاتِرِ .
وَالتَّشْبِيهُ بِالشَّهَادَةِ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ ; لِافْتِرَاقِهِمَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ . ( وَرَسَمُوا ) أَيْ : سَمَّى جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ( مُنْقَطِعًا ) قَوْلَهُمْ ( عَنْ رَجُلٍ ) أَوْ شَيْخٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا يُبْهَمُ الرَّاوِي فِيهِ ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " لَهُ ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْحَاكِمُ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُرْسَلًا .
وَ ( فِي ) كُتُبِ ( الْأُصُولِ ) كَـ " الْبُرْهَانِ " لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ( نَعْتُهُ ) يَعْنِي : تَسْمِيَتُهُ ( بِالْمُرْسَلِ ) ; وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ : عَنْ فُلَانٍ الرَّاوِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهُ ، أَوْ : أَخْبَرَنِي مَوْثُوقٌ بِهِ رَضا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ الْأَخْبَارِ إِلَى كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُلْحَقٌ بِالْمُرْسَلِ ; لِلْجَهْلِ بِنَاقِلِ الْكِتَابِ . بَلْ فِي " الْمَحْصُولِ " أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا سَمَّى الْأَصْلَ بِاسْمٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ ، فَهُوَ كَالْمُرْسَلِ ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُهْمَلَ ; كَعَنْ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ جَمَاعَةً يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ ، وَكَذَا الْمَجْهُولُ ; إِذْ لَا فَرْقَ .