فَائِدَةٌ إِيرَادُ عَنْ لِغَيْرِ الرِّوَايَةِ
فَائِدَةٌ : قَدْ تَرِدُ عَنْ وَلَا يُقْصَدُ بِهَا الرِّوَايَةُ ، بَلْ يَكُونُ الْمُرَادُ سِيَاقَ قِصَّةٍ ; سَوَاءٌ أَدْرَكَهَا أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا ، وَيَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : عَنْ قِصَّةِ فُلَانٍ . وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَبْيَنِهَا : مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تارِيخِهِ : ثَنَا أَبِي ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ السَّبِيعِيُّ - عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ - يَعْنِي : عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ - أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ فَقَتَلُوهُ . قَالَ شَيْخُنَا : فَهَذَا لَمْ يُرِدْ أَبُو إِسْحَاقَ بِقَوْلِهِ : عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَهُ بِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ : عَنْ قِصَّةِ أَبِي الْأَحْوَصِ .
وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ : خَرَجَ أَبُو الْأَحْوَصِ إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ . وَلِذَا قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ - فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْهُ - : كَانَ الْمَشْيَخَةُ الْأُولَى جَائِزًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا : عَنْ فُلَانٍ ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الرِّوَايَةَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عَنْ قِصَّةِ فُلَانٍ . ( وَحُكْمُ أَنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْفَتْحِ ، وَقَدْ تَكُونُ مَكْسُورَةً ( حُكْمُ عَنْ ) فِيمَا تَقَدَّمَ ( فَالْجُلُّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، أَيِ : الْمُعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ .
( سَوَّوْا ) بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْحُرُوفِ وَالْأَلْفَاظِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالسَّمَاعِ ، يَعْنِي مَعَ السَّلَامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ ، فَإِذَا كَانَ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صَحِيحًا ، كَانَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِأَيِّ لَفْظٍ وَرَدَ مَحْمُولًا عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الِانْقِطَاعُ ، يَعْنِي مَا لَمْ يُعْلَمِ اسْتِعْمَالُهُ خِلَافَهُ كَمَا سَيَأْتِي . وَيَتَأَيَّدُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَنَّ وَ عَنْ بِأَنَّ لُغَةَ بَنِي تَمِيمٍ إِبْدَالُ الْعَيْنِ مِنَ الْهَمْزَةِ . ( وَ ) لَكِنَّ ( لِلْقَطْعِ ) وَعَدَمِ اتِّصَالِ السَّنَدِ الْآتِي بِأَنْ ( نَحَى ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : ذَهَبَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ ( الْبَرْدِيجِيُّ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، كَمَا هُوَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، مَعَ أَنَّهُ نِسْبَةٌ لِبِرْدِيجَ عَلَى مِثَالِ فِعْلِيلٍ - بِالْكَسْرِ خَاصَّةً - كَمَا حَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ .
( حَتَّى يَبِينَ ) أَيْ : يَظْهَرُ ( الْوَصْلُ ) بِالتَّصْرِيحِ مِنْهُ بِالسَّمَاعِ ، وَنَحْوِهِ ، لِذَاكَ الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ ، ( فِي التَّخْرِيجِ ) يَعْنِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ ، قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُتَّصِلَ بِالصَّحَابِيِّ سَوَاءٌ قَالَ فِيهِ الصَّحَابِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنَّ أَوْ عَنْ أَوْ سَمِعْتُ ; فَكُلُّهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ . انْتَهَى . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا فِي أَحَادِيثِ الصَّحَابَةِ سَوَاءً ، اطِّرَادُ ذَلِكَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ ، عَلَى أَنَّ الْبَرْدِيجِيَّ لَمْ يَتفَرِدْ بِذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَصَّارُ : إِنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُلْحَقَ بِالْمَقْطُوعِ ; إِذْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى عَدِّهَا فِي الْمُسْنَدِ ، وَلَوْلَا إِجْمَاعُهُمْ فِي عَنْ ، لَكَانَ فِيهِ نَظَرٌ .
قُلْتُ : قَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا الْخِلَافُ أَيْضًا . قَالَ الذَّهَبِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الْبَرْدِيجِيِّ : إِنَّهُ قَوِيٌّ . ( قَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَمِثْلَهُ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، أَيْ : مِثْلَ الَّذِي نَحَاهُ الْبَرْدِيجِيُّ .
( رَأَى ) الْحَافِظُ الْفَحْلُ ( ابْنُ شَيْبَةَ ) هُوَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ فِي مُسْنَدِهِ الْفَحْلُ ، يَعْنِي : الْآتِي فِي أَدَبِ الطَّالِبِ ، فَإِنَّهُ حَكَمَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ - بِالِاتِّصَالِ . وَعَلَى رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ : أَنَّ عَمَّارًا مَرَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي - بِالْإِرْسَالِ ، مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَالَ : إِنَّ عَمَّارًا ، وَلَمْ يَقُلْ : عن عَمَّار . ( كَذَا لَهُ ) أَيْ : لِابْنِ الصَّلَاحِ ; حَيْثُ فَهِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ مِنْ مُجَرَّدِهِمَا .
( وَلَمْ يُصَوِّبْ ) أَيْ : لَمْ يُعَرِّجْ ( صَوْبَهُ ) أَيْ : صَوْبَ مَقْصِدِ يَعْقُوبَ فِي الْفَرْقِ ; وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ عَلَيْهِ بِالْإِرْسَالِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَضَافَ إِلَى الصِّيغَةِ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ - أَحَدُ التَّابِعِينَ - وَهُوَ مُرُورُ عَمَّارٍ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ : إِنَّ عَمَّارًا مَرَّ بِالنَّبِيِّ أَوْ : إِنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِعَمَّارٍ ، فَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ فِي ظُهُورِ الْإِرْسَالِ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ حَكَاهَا عَنْ عَمَّارٍ ، فَكَانَتْ مُتَّصِلَةً ، وَلَوْ كَانَ أَضَافَ لِـ أَنَّ الْقَوْلَ كَأَنْ يَقُولَ : عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أنَّ عَمَّارًا قَالَ : مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكَانَ ظَاهِرَ الِاتِّصَالِ أَيْضًا . وَقَدْ صَرَّحَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالِانْقِطَاعِ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا بِذَلِكَ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ : أنَّ طَلْقًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، إِنَّمَا هُوَ كَبَعْضِ جَسَدِهِ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ قَيْسًا لَمْ يَشْهَدْ سُؤَالَ طَلْقٍ . ( قُلْتُ ) : وَبِالْجُمْلَةِ ( الصَّوَابُ أن مَنْ أَدْرَكَ ) لُقِيًّا أَوْ إِمْكَانًا كَمَا مَرَّ ( مَا رَوَاهُ ) مِنْ قِصَّةٍ أَوْ وَاقِعَةٍ ( بِالشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمَا ) ، وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنَ التَّدْلِيسِ فِيمَنْ دُونَ الصَّحَابِيِّ ، ( يُحْكَمْ ) بِسُكُونِ الْمِيمِ ، ( لَهُ ) أَيْ : لِحَدِيثِهِ ( بِالْوَصْلِ كَيْفَمَا رَوَى بِـ قَالَ أَوْ ) بِـ ( عَنْ أَوْ بِـ أَنَّ ) وَكَذَا ذَكَرَ ، وَفَعَلَ ، وَحَدَّثَ ، وَكَانَ يَقُولُ ، وَمَا جَانَسَهَا ( فـَ ) كُلُّهَا ( سَوَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَكَّنَ الْهَمْزَةَ ثُمَّ أَبْدَلَهَا أَلِفًا ، وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالتَّسْوِيَةِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَلَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ اسْتِعْمَالُ خِلَافِهِ كَالْبُخَارِيِّ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُورِدُ عَنْ شُيُوخِهِ بِـ قَالَ مَا يَرْوِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِوَاسِطَةٍ عَنْهُمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّعْلِيقِ ، وَبِمَنْ عَدَا الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّ مَا وُجِدَ فِي عِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ - يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ بِشَرْطِهِ ، إِلَّا مَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ اسْتِعْمَالُ اصْطِلَاحٍ حَادِثٍ . قَالَ ابْنُ الْمَوَّاقِ : وَهُوَ - أَيِ : التَّقْيِيدُ بِالْإِدْرَاكِ - أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّمْيِيزِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فِي انْقِطَاعِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ الْقِصَّةِ فِيهِ .
قَالَ شَيْخُنَا : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِنَّ فِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ : مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ . الْحَدِيثَ . قَالَ قَوْمٌ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ ، وَقَالَ قَوْمٌ : بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَقِيَ أَبَا وَاقِدٍ ، قَالَ : فَثَبَتَ بِهَذَا الْخَدْشِ فِي الِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُسَلِّمُهُ لِأَبِي عُمَرَ - انْتَهَى .
ولفظ ابن عبد البر في التمهيد : وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث أنه منقطع ، لأن عبيد الله لم يلق عمر ، وقال غيره : هو متصل مسند ، ولقاء عبيد الله لأبي واقد غير مدفوع ، وقد سمع عبيد الله من جماعة من الصحابة ، ولم يذكر أبو داود في باب ما يقرأ به في العيد سواه ، وهذا يدل على أنه عنده متصل صحيح . قلت : بل ليس بلازم ، لما تقر أنه يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، كما أنه لا يلزم من مجرد لقي المرسل بعض من يكون في المحكي كهذا ، وكذا المحكي عن يعقوب وأحمد الاتصال ؛ بل هو على الاحتمال ، وكأن هذا وجه عدم تسليمه ، ولكن لا يتم الخدش به إلا إن كان هو مستند القائل بالاتصال ، أما إن كان بطريق متصل ، كما هو الظاهر فلا . وقد أخرجه مسلم في صحيحه من طريق فليح بن سليمان عن ضمرة عن عبيد الله ، فقال : عن أبي واقد قال : سألني عمر ، وكذا صححه غيره ، ولكن قد تابع مالكا ابن عيينة والضحاك بن عثمان ، بل قال ابن خزيمة : إنه لم يسنده غير فليح ، وجنح إلى انقطاعه .
وعلى تقدير كون مستند الاتصال مجرد اللقاء ، فلعل ابن المواق لم يدرجه في الاتفاق ؛ بل قصره على مثل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد في هذا المثال بخصوصه عن مالك ، حيث قال : عن ضمرة أن عمر سأل أبا واقد ، ولم يذكر عبيد الله أصلا ، فإن هذا غير متصل اتفاقا ، والله الموفق . ( وَمَا حَكَى ) أَيِ : ابْنُ الصَّلَاحِ ( عَنْ ) الْإِمَامِ ( أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلِ ) مِنْ أَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ : إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَوْلَهُ : عَنْ عَائِشَةَ - لَيْسَا سَوَاء . ( وَ ) كَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ ( قَوْلِ يَعْقُوبَ ) بْنِ شَيْبَةَ ( عَلَى ذَا ) أَيِ : الْمَذْكُورِ مِنَ الْقَاعِدَةِ ( نَزِّلِ ) ، ثُمَّ إِنَّ حُكْمَ يَعْقُوبَ بِالْإِرْسَالِ مَعَ الطَّرِيقِ الْمُتَّصِلَةِ لَا مَانِعَ مِنْهُ ، فَعَادَةُ النُّقَّادِ جَارِيَةٌ بِحِكَايَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِرْسَالِ وَالْوَصْلِ ، وَكَذَا الرَّفْعُ وَالْوَقْفُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرَجِّحُونَ مَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُمْ إِلَيْهِ ، وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ تَرْجِيحٌ .
وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْخَطِيبَ مَثَّلَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . ثُمَّ قَالَ : فظَاهِرُ الْأُولَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ ، وَالثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَلَيْسَ هَذَا الْمِثَالُ مُمَاثِلًا لِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ; لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِيهِ فِي الْحُكْمِ بِالِاتِّصَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اللِّقَاءِ وَالْإِدْرَاكِ ، وَذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُشْتَرَكٌ مُتَرَدِّدٌ ; لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِعُمَرَ ، وَصُحْبَةِ ابْنِ عُمَرَ لَهُمَا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَوْنُهُ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ثَانِيهِمَا : أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي كَوْنِ عَنْ وَمَا أَشْبَهَهَا مَحْمُولًا عَلَى السَّمَاعِ وَالْحُكْمِ لَهُ بِالِاتِّصَالِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ - هُوَ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ خَاصَّةً ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَا أَرَى الْحُكْمَ يَسْتَمِرُّ بَعْدَهُمْ فِيمَا وُجِدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ مِمَّا ذَكَروهُ عَنْ مَشَايِخِهِمْ قَائِلِينَ فِيهِ : ذَكَرَ فُلَانٌ ، قَالَ فُلَانٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . أَيْ : فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الِاتِّصَالِ ، إِلَّا إِنْ كَانَ لَهُ مِنْ شَيْخِهِ إِجَازَةٌ ، يَعْنِي : فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَمِعَ عَلَيْهِ ، أَوْ أَخَذَ عَنْهُ ، أَنْ تَكُونَ لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ .
قَالَ : بَلْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا بَيْنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي التَّعْلِيقِ ، وَتَعَمُّدِ حَذْفِ الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْزُ مَا يَجِيءُ بِهَا لِكِتَابٍ أَصْلًا ، يَعْنِي كَأَنْ يُقَالَ فِي الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ عَنْ فُلَانٍ أَشَدُّ . قَالَ : ( وَكَثُرَ ) بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْحَدِيثِ ( اسْتِعْمَالُ عَنْ فِي ذَا الزَّمَنِ ) الْمُتَأَخِّرِ ، أَيْ : بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ ( إِجَازَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَيَانِ ، فَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِهِ : قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَظَنَّ بِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْإِجَازَةِ . ( وَهُوَ ) مَعَ ذَلِكَ ( بِوَصْلٍ مَا ) أَيْ : بِنَوْعٍ مِنَ الْوَصْلِ ( قَمَنْ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَذَا الْمِيمِ لِلْمُنَاسَبَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِيها الْكَسْرُ أَيْضًا ، أَيْ : حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ بِذَلِكَ ، عَلَى مَا لَا يَخْفَى .
وَإِنَّمَا لَمْ يُثْبِتِ ابْنُ الصَّلَاحِ الْحُكْمَ فِي أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْإِجَازَةِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ اسْتِعْمَالِهم لَهَا كَذَلِكَ ، وَقَبْلَ فُشُوِّهِ ، وَأَمَّا الْآنَ : فَقَدْ تَقَرَّرَ وَاشْتُهِرَ ، فَلْيُجْزَمْ بِهِ . وَقَوْلُ الرَّاوِي : أَنَا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ ، سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ رَابِعِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ حِكَايَةُ أَنَّ ذَلِكَ إِجَازَةٌ ، مَعَ النِّزَاعِ فِيهِ .