تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ وَأَنْوَاعُهُ
التَّدْلِيسُ لَمَّا تَمَّ مَا جَرَّ الْكَلَامُ إِلَيْهِ ، رَجَعَ لِبَيَانِ التَّدْلِيسِ الْمُفْتَقِرِ حُكْمُ الْعَنْعَنَةِ لَهُ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدَّلَسِ - بِالتَّحْرِيكِ - وَهُوَ اخْتِلَاطُ الظَّلَامِ ، كَأَنَّهُ لِتَغْطِيَتِهِ عَلَى الْوَاقِفِ عَلَيْهِ أَظْلَمَ أَمْرُهُ . ( تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ ) وَهُوَ قِسْمَانِ : أَوَّلُهُمَا : أَنْوَاعٌ ( كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ ) مِنَ الثِّقَاتِ لِصِغَرِهِ ، أَوِ الضُّعَفَاءِ إِمَّا مُطْلَقًا ، أَوْ عِنْدَ مَنْ عَدَاهُ ، ( وَيَرْتَقِي ) لِشَيْخِ شَيْخِهِ ، فَمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ عُرِفَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ ، ( بِعَنْ وَأَنْ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْمُسَكَّنَةِ لِلضَّرُورَةِ ، ( وَقَالَ ) وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّيَغِ الْمُحْتَمِلَةِ ، لِئَلَّا يَكُونَ كَذِبًا ( يُوهِمُ ) بِذَلِكَ ( اتِّصَالًا ) ، فَخَرَجَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ ، فَهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِانْقِطَاعِ . فَالْمُرْسَلُ يَخْتَصُّ بِمَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ ، كَمَا حَقَّقَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ .
قَالَ : وَهُوَ الصَّوَابُ ; لِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْمُخَضْرَمِينَ كَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَبِيلِ الْإِرْسَالِ ، لَا مِنْ قَبِيلِ التَّدْلِيسِ ، فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمُعَاصَرَةِ يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّدْلِيسِ ، لَكَانَ هَؤُلَاءِ مُدَلِّسِينَ ; لِأَنَّهُمْ عَاصَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطْعًا . وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَلْ لَقُوهُ أَمْ لَا ؟ وَكَنَّى شَيْخُنَا بِاللِّقَاءِ عَنِ السَّمَاعِ لِتَصْرِيحِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْرِيفِهِ بِالسَّمَاعِ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ فِي تَقْيِيدِهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ - بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أَنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ - : قَدْ حَدَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ . مِنْهُمُ الْبَزَّارُ بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ هَذَا ، فَقَالَ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُتْرَكُ حَدِيثُهُ أَوْ يُقْبَلُ - : هُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ .