الشَّاذُّ
ج٢ / ص٥( الشَّاذُّ ) . لَمَّا كَانَ تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ مُفْتَقِرًا لِبَيَانِ الْحُكْمِ فِيمَا يُقَابِلُ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا ، نَاسَبَ بَعْدَ التَّدْلِيسِ الْمُقَدَّمِ مُنَاسَبَتُهُ ذِكْرُ الشَّاذِّ ثُمَّ الْمُنْكَرِ . وَالشَّاذُّ لُغَةً : الْمُنْفَرِدُ عَنِ الْجُمْهُورِ ، يُقَالُ : شَذَّ يَشُذُّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا شُذُوذًا إِذَا انْفَرَدَ .
( وَذُو الشُّذُوذِ ) يَعْنِي
والشَّاذَّ . اصْطِلَاحًا : ( مَا يُخَالِفُ ) الرَّاوِي ( الثِّقَةُ فِيهِ ) بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِي السَّنَدِ أَوْ فِي الْمَتْنِ ( الْمَلَا ) بِالْهَمْزِ وَسُهِّلَ تَخْفِيفًا ، أَيِ الْجَمَاعَةَ الثِّقَاتِ مِنَ النَّاسِ ; بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا . ( فَالشَّافِعِيُّ ) بِهَذَا التَّعْرِيفِ ( حَقَّقَهُ )، وَكَذَا حَكَاهُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَغَيْرِهِ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِلْوَاحِدِ الْأَحْفَظِ كَافِيَةٌ فِي الشُّذُوذِ .
وَفِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ; حَيْثُ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا ج٢ / ص٦رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لِذَلِكَ وَأَضْبَطُ ، كَانَ مَا انْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا ). وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا : ( فَإِنْ خُولِفَ - أَيِ : الرَّاوِي - بِأَرْجَحَ مِنْهُ لِمَزِيدِ ضَبْطٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ - فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ : الْمَحْفُوظُ ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ الْمَرْجُوحُ ، يُقَالُ لَهُ : الشَّاذُّ ) . وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِي تَعَارُضِ الْوَصْلِ وَالرَّفْعِ مَعَ الْإِرْسَالِ وَالْوَقْفِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، بَلْ إِنْ كَانَ مَنْ أَرْسَلَ أَوْ وَقَفَ مِنَ الثِّقَاتِ أَرْجَحَ قُدِّمَ ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ .
مِثَالُ الشُّذُوذِ فِي السَّنَدِ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَوْسَجَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا مَوْلًى هُوَ أَعْتَقَهُ . الْحَدِيثَ . فَإِنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ عَمْرٍو مُرْسَلًا بِدُونِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنْ قَدْ تَابَعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلَى وَصْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ ، وَلِذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : الْمَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا ، مَعَ كَوْنِ حَمَّادٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ ، وَلَكِنَّهُ رَجَّحَ رِوَايَةَ مَنْ هُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْهُ .
ج٢ / ص٧وَمِثَالُهُ فِي الْمَتْنِ : زِيَادَةُ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي حَدِيثِ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ بجَمِيعِ طُرُقِهِ بِدُونِهَا ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِهَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : وَالْأَحَادِيثُ إِذَا كَثُرَتْ كَانَتْ أَثْبَتَ مِنَ الْوَاحِدِ الشَّاذِّ ، وَقَدْ يَهِمُ الْحَافِظُ أَحْيَانًا. عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّحَ حَدِيثَ مُوسَى هَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لِإِمْكَانِ حَمْلِهَا عَلَى حَاضِرِي عَرَفَةَ . وَبِمَا تَقَرَّرَ : عُلِمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَيَّدَ التَّفَرُّدَ بِقَيْدَيْنِ : الثِّقَةِ ، وَالْمُخَالَفَةِ . ( وَالْحَاكِمُ ) صَاحِبُ الْمُسْتَدْرَكِ وَالْمَعْرِفَةِ ( الْخِلَافُ ) لِلْغَيْرِ ( فِيهِ ) أَيْ : فِي الشَّاذِّ ( مَا اشْتَرَطَ ) بَلْ هُوَ عِنْدَهُ مَا انْفَرَدَ بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بِمُتَابِعٍ لِذَلِكَ الثِّقَةِ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى قَيْدِ الثِّقَةِ وَحْدَهُ ، وَبَيَّنَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُغَايِرُ الْمُعَلَّلَ ; مِنْ ج٢ / ص٨حَيْثُ إِنَّ ذَاكَ وَقَفَ عَلَى عِلَّتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى جِهَةِ الْوَهْمِ فِيهِ ، مِنْ إِدْخَالِ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ ، أَوْ وَصْلٍ مُرْسَلٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي .
وَالشَّاذُّ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى عِلَّةٍ أَيْ مُعَيَّنَةٍ ; وَهَذَا يُشْعِرُ بِاشْتِرَاكِ هَذَا مَعَ ذَاكَ فِي كَوْنِهِ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ النَّاقِدِ أَنَّهُ غَلَطٌ ، وَقَدْ تَقْصُرُ عِبَارَتُهُ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى دَعْوَاهُ ، وَأنَّهُ مِنْ أَغْمِضِ الْأَنْوَاعِ وَأَدَقِّهَا ، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ الْفَهْمَ الثَّاقِبَ ، وَالْحِفْظَ الْوَاسِعَ ، وَالْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ بِمَرَاتِبِ الرُّوَاةِ ، وَالْمَلَكَةَ الْقَوِيَّةَ بِالْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ . وَهُوَ كَذَلِكَ ، بَلِ الشَّاذُّ - كَمَا نُسِبَ لِشَيْخِنَا - أَدَقُّ مِنَ الْمُعَلَّلِ بِكَثِيرٍ . ثُمَّ إِنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا التَّعْرِيفِ ، بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : " إِنَّهُ مَذْهَبُ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ " .
( وَلِلْخَلِيلِيِّ ) نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَزْوِينِيُّ ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيهِ ( مُفْرَدُ الرَّاوِي فَقَطْ ) ثِقَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ ، خَالَفَ أَوْ لَمْ يُخَالِفْ ، فَمَا انْفَرَدَ بِهِ الثِّقَةُ يُتَوَقَّفُ فِيهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَكِنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ فَمَتْرُوكٌ . وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَلِيلِيَّ يُسَوِّي بَيْنَ الشَّاذِّ وَالْفَرْدِ الْمُطْلَقِ ، فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّاذِّ الصَّحِيحُ وَغَيْرُ الصَّحِيحِ ، فَكَلَامُهُ أَعَمُّ ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَلَامُ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ يُخْرِجُ تَفَرُّدَ غَيْرِ الثِّقَةِ ، وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّحِيحِ الشَّاذُّ وَغَيْرُ الشَّاذِّ . بَلِ اعْتَمَدَ ذَلِكَ فِي صَنِيعِهِ ; حَيْثُ ذَكَرَ فِي أَمْثِلَةِ الشَّاذِّ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ .
ج٢ / ص٩وَأَخَصُّ مِنْهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ لِتَقْيِيدِهِ بِالْمُخَالَفَةِ ، مَعَ كَوْنِهِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الرَّاجِحَةَ أَوْلَى ، وَهَلْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ ؟ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ ، أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَأنَّهُ يَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ لَا فِي التَّسْمِيَةِ ، وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِالْمِثَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ مَعَ كَوْنِهِ فِي الصَّحِيحِ ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ شَاذًّا ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ . ( وَ ) لَكِنْ ( رَدَّ ) ابْنُ الصَّلَاحِ ( مَا قَالَا ) أَيِ : الْحَاكِمُ وَالْخَلِيلِيُّ ( بِفَرْدِ الثِّقَةِ ) الْمُخَرَّجِ فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ نَفْيُ الشُّذُوذِ ، لِكَوْنِ الْعَدَدِ غَيْرَ شَرْطٍ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ، بَلِ الصِّحَّةُ تُجَامِعُ الْغَرَابَةَ . وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِيهَا كَثِيرَةٌ ; ( كَـ ) حَدِيثِ ( النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَا ) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ( وَالْهِبَةِ ) ; فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، حَتَّى قَالَ مُسْلِمٌ عَقِبَهُ : النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِيَالٌ عَلَيْهِ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ج٢ / ص١٠عَنْ عَمْرٍو ، وَعَمْرٌو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . ( وَ ) كَذَا رَدَّهُ بِـ ( قَوْلِ مُسْلِمٍ ) هُوَ ابْنُ الْحَجَّاجِ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ ( صَحِيحِهِ ) ( رَوَى الزُّهْرِيُّ ) نَحْوَ ( تِسْعِينَ ) بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ ( فَرْدًا ) لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي رِوَايَتِهَا ( كُلُّهَا ) إِسْنَادُهَا ( قَوِيُّ ) . هَذَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَوَابِ عَنِ الْحَاكِمِ بِمَا أَشْعَرَ بِهِ اقْتِصَارُهُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَلَّلِ ; مِنْ كَوْنِ الشَّاذِّ أَيْضًا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ النَّاقِدِ أَنَّهُ غَلَطٌ ; حَيْثُ يُقَالُ : مَا فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْأَفْرَادِ مُنْتَفٍ عَنْهُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْخَلِيلِيُّ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ أَيْضًا ، لَا سِيَّمَا وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ الْعَدَدَ فِي الصَّحِيحِ . ( وَ ) بَعْدَ أَنْ رَدَّ ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُمَا ( اخْتَارَ ) ما اسْتَخْرَجَهُ مِنْ صَنِيعِ الْأَئِمَّةِ ( فِيمَا لَمْ يُخَالِفْ ) الثِّقَةُ فِيهِ غَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِشَيْءٍ انْفَرَدَ بِهِ ( أَنَّ مَنْ يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ ) تَامٍّ ( فَفَرْدُهُ حَسَنٌ ) . وَمِنْهُ حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ ، قَالَ : غُفْرَانَكَ .
فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ ج٢ / ص١١عَقِبَ تَخْرِيجِهِ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُوسُفَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ . قَالَ : وَلَا نَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ . ( أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ ) التَّامَّ ( فَصَحِّحْ ) فَرْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثَالُهُ ، ( أَوْ بَعُدَ عَنْهُ ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ضَابِطًا أَصْلًا ، ( فـَ ) فَرْدُهُ ( مِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدَّ ) مَا وَقَعَ لَكَ مِنْهُ ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ .
وَحِينَئِذٍ فَالشَّاذُّ الْمَرْدُودُ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ - قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : الْحَدِيثُ الْفَرْدُ الْمُخَالِفُ ، وَهُوَ الَّذِي عَرَّفَهُ الشَّافِعِيُّ . وَثَانِيهِمَا : الْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيهِ مِنَ الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يَقَعُ جَابِرًا لِمَا يُوجِبُ التَّفَرُّدَ وَالشُّذُوذَ مِنَ النَّكَارَةِ وَالضَّعْفِ . انْتَهَى .
وَتَسْمِيَةُ مَا انْفَرَدَ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ شَاذًّا كَتَسْمِيَةِ مَا كَانَ فِي رُوَاتِهِ ضَعِيفٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مُعَلَّلًا ، وَذَلِكَ فِيهِمَا مُنَافٍ لِغُمُوضِهِمَا ، فَالْأَلْيَقُ فِي حَدِّ الشَّاذِّ مَا عَرَّفَهُ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَلِذَا اقْتَصَرَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ الْأَلْيَقَ فِي الْحَسَنِ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ .