الْمُنْكَرُ
( الْمُنْكَرُ ) . ( وَالْمُنْكَرُ ) الْحَدِيثُ ( الْفَرْدُ ) وَهُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ رَاوِيهِ ، فَلَا مُتَابِعَ لَهُ فِيهِ ، بَلْ وَلَا شَاهِدَ ، ( كَذَا ) الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ ( الْبَرْدِيجِيُّ أَطْلَقَ ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيجِ ) يَعْنِي الْمَرْوِيَّ كَذَلِكَ ( إِجْرَاءُ تَفْصِيلٍ لَدَى ) أَيْ : عِنْدَ ( الشُّذُوذِ مَرَّ ) بِحَيْثُ يَكُونُ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ . ( فَهُوَ ) أَيِ : الْمُنْكَرُ ( بِمَعْنَاهُ ) أَيِ : الشَّاذِّ ( كَذَا الشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ ( ذَكَرَ ) مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَهُمَا ، وَأَمَّا جَمْعُ الذَّهَبِيِّ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُنَا التَّمْيِيزَ بِجِهَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي مَرَاتِبِ الرُّوَاةِ ، فَالصَّدُوقُ إِذَا تَفَرَّدَ بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ فِيهِ وَلَا شَاهِدَ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الضَّبْطِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَقْبُولِ ، فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الشَّاذِّ .
فَإِنْ خُولِفَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مَعَ ذَلِكَ ، كَانَ أَشَدَّ فِي شُذُوذِهِ ، وَرُبَّمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ مُنْكَرًا ، وَإِنْ بَلَغَ تِلْكَ الرُّتْبَةَ فِي الضَّبْطِ ، لَكِنَّهُ خَالَفَ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ . فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الشَّاذِّ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي تَسْمِيَتِهِ ، وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ الْمَسْتُورُ ، أَوِ الْمَوْصُوفُ بِسُوءِ الْحِفْظِ ، أَوِ الْمُضَعَّفُ فِي بَعْضِ مَشَايِخِهِ خَاصَّةً ، أَوْ نَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يُحْكَمُ لِحَدِيثِهِمْ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ عَاضِدٍ يُعَضِّدُهُ ، بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ - فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجَدُ ج٢ / ص١٣إِطْلَاقُ الْمُنْكَرِ عَلَيْهِ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ; كَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ . وَإِنْ خُولِفَ مَعَ ذَلِكَ ، فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ فِي تَسْمِيَتِهِ ، فَبَانَ بِهَذَا فَصْلُ الْمُنْكَرِ مِنَ الشَّاذِّ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِسْمَانِ يَجْتَمِعَانِ فِي مُطْلَقِ التَّفَرُّدِ أَوْ مَعَ قَيْدِ الْمُخَالَفَةِ ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الشَّاذَّ رَاوِيهِ ثِقَةٌ أَوْ صَدُوقٌ غَيْرُ ضَابِطٍ ، وَالْمُنْكَرَ رَاوِيهِ ضَعِيفٌ بِسُوءِ حِفْظِهِ أَوْ جَهَالَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَا فَرَّقَ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ بَيْنَهُمَا ، لَكِنْ مُقْتَصِرًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمِ الْمُخَالَفَةِ ، فَقَالَ فِي الشَّاذِّ : إِنَّهُ مَا رَوَاهُ الْمَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَفِي الْمُنْكَرِ : إِنَّهُ مَا رَوَاهُ الضَّعِيفُ مُخَالِفًا ، وَالْمُقَابِلُ لِلْمُنْكَرِ هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَلِلشَّاذِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، هُوَ الْمَحْفُوظُ .
قَالَ : وقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، زَادَ فِي غَيْرِهِ : وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ ( صَحِيحِهِ ) مَا نَصُّهُ : وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَى ، خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا ، فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ ، كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلَا مُسْتَعْمِلِهِ . قَالَ شَيْخُنَا : فَالرُّوَاةُ الْمَوْصُوفُونَ بِهَذَا هُمُ الْمَتْرُوكُونَ ، قَالَ : فَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ الْمَتْرُوكِ عِنْدَ مُسْلِمٍ تُسَمَّى مُنْكَرَةً ، وهُوَ الْمُخْتَارُ ، وَلِكُلٍّ مِنْ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ ، ( نَحْوُ : كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ الْخَبَرَ ) ، وَتَمَامُهُ : فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ ، وَقَالَ : عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الْجَدِيدَ بِالْخَلِقِ ج٢ / ص١٤فَقَدْ صَرَّحَ النَّسَائِيُّ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ . وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى أَحَدِ قِسْمَيْهِ ، فَإِنَّ أَبَا زُكَيْرٍ - وَهُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْبَصْرِيُّ - رَاوِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، الْمُنْفَرِدَ بِهِ - كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمْا ، وَكَذَا قَالَ الْعُقَيْلِيُّ - : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْحَاكِمِ : هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبَصْرِيِّينَ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ ; إِذْ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ ضُعِّفَ لِخَطَئِهِ ، وَهُوَ فِي عِدَادِ مَنْ يَنْجَبِرُ . وَلِذَا قَالَ السَّاجِيُّ : إِنَّهُ صَدُوقٌ يَهِمُ ، وَفِي حَدِيثِهِ لِينٌ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ : إِنَّهُ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ ، وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَوْلُ الْخَلِيلِيِّ فِيهِ : إِنَّهُ شَيْخٌ صَالِحٌ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ صَلَاحِيَتَهُ فِي دِينِهِ ، جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي إِطْلَاقِ الصَّلَاحِيَةِ ; حَيْثُ يُرِيدُونَ بِهَا الدِّيَانَةَ ، أَمَّا حَيْثُ أُرِيدَ فِي الْحَدِيثِ فَيُقَيِّدُونَهَا ، وَيَتَأَيَّدُ بِبَاقِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ مَنْ يَحْتَمِلُ تَفَرُّدَهُ .
وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، أَيْ : فِي الْمُتَابِعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ ، [ وكذا يحتمل إرادة الخليلي ذلك بالصلاحية ] وَلِذَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ مَوْضِعًا وَاحِدًا مُتَابَعَةً ، ج٢ / ص١٥بَلْ تَوَسَّعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَدْخَلَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ نَكَارَةُ مَعْنَاهُ أَيْضًا وَرِكَّةُ لَفْظِهِ ، وَأَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِصِحَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا . ( وَ ) نَحْوُ ( مَالِكٍ ) حَيْثُ ( سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ ) الَّذِي النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ( عُمَرَ ) بِضَمِّهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ خِلَافُهُ ; وَذَلِكَ لَمَّا رَوَى حَدِيثَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا : لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْهُ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ - كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ - أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ حَكَمَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يُشِيرُ بِيَدِهِ لِدَارِ عُمَرَ ، فَكَأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُ . ج٢ / ص١٦وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو الْفَضْلِ السُّلَيْمَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ : إِنَّكَ تُخْطِئُ فِي أَسَامِي الرِّجَالِ ، تَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَتَقُولُ : عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو ، وَتَقُولُ : عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَةُ .
فَقَالَ مَالِكٌ : هَكَذَا حَفِظْنَا ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي ، وَنَحْنُ نُخْطِئُ ، وَمَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْخَطَأِ ؟ ! ونحو الجملة الأخيرة قوله : كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر . ( قُلْتُ : فَمَاذَا ) يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَرُّدِ مَالِكٍ مِنْ بَيْنَ الثِّقَاتِ بِاسْمِ هَذَا الرَّاوِي ، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثِقَةً ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِمَّا يَكُونُ كَذَلِكَ نَكَارَةُ الْمَتْنِ وَلَا شُذُوذُهُ . بَلِ الْمَتْنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ صَحِيحٌ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ تَمْثِيلَ ابْنِ الصَّلَاحِ بِهِ لِمُنْكَرِ السَّنَدِ خَاصَّةً ، فَالنَّكَارَةُ تَقَعُ فِي كُلٍّ مِنْهَما ، ج٢ / ص١٧وَيَتَأَيَّدُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُعَلَّلِ مِثَالًا لِمَا يَكُونُ مَعْلُولَ السَّنَدِ مَعَ صِحَّةِ مَتْنِهِ .
وَهُوَ إِبْدَالُ يَعْلَى بْنَ عُبَيْدٍ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ ، عَلَى أَنَّ هُشَيْمًا قَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَخَالَفَ فِيهِ مُخَالَفَةً أَشَدَّ مِمَّا وَقَعَ لِمَالِكٍ مَعَ كَوْنِهَا فِي الْمَتْنِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ : ( لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ) ، وَلِذَا حَكَمَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى هُشَيْمٍ فِيهِ بِالْخَطَأِ . قَالَ شَيْخُنَا : ( وَأَظُنُّهُ رَوَاهُ مِنْ حِفْظِهِ بِلَفْظِ : ظَنَّ أَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَى مَا سَمِعَ ، فَلَمْ يُصِبْ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَتَى بِهِ أَعَمُّ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ ، وَقَدْ كَانَ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَضْبُطْ عَنْهُ مَا سَمِعَ ، فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْهُ مِنْ حِفْظِهِ فِيهِمْ فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي الْإِسْنَادِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ مَثَّلَ بِرِوَايَةِ هُشَيْمٍ كَانَ أَسْلَمَ ) . ( بَلْ ) مِنْ أَمْثِلَتِهِ كَمَا لِلنَّاظِمِ ( حَدِيثُ نَزْعِهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خَاتَمَهُ عِنْدَ ) دُخُولِ ( الْخَلَا ) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ( وَوَضْعِهِ ) ، الَّذِي رَوَاهُ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ج٢ / ص١٨عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ .
قَالَ : ( وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أن النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ، ثُمَّ أَلْقَاهُ . قَالَ : وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ، وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ : إِنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ) . انْتَهَى .
وَهَمَّامٌ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَ النَّاسَ ، قَالَهُ الشَّارِحُ ، وَلَمْ يُوَافِقْ أَبُو دَاوُدَ عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ ، فَقَدْ قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ : لَا أَدْفَعُ أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ ، وَمَالَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ ، فَصَحَّحَهُمَا مَعًا . وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ أَنَسًا نَقَشَ فِي خَاتَمِهِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : فَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْخَلَاءَ وَضَعَهُ ، ج٢ / ص١٩لَا سِيَّمَا وَهَمَّامٌ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ، بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ ; فَإِنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَا لِهَمَّامٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَإِنْ أَخْرَجَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ . وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، فِيهِ نَظَرٌ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ لَا عِلَّةَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا تَدْلِيسَ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَإِنْ وُجِدَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ ، فَلَا مَانِعَ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ فِي نَقْدِي . انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْحَرَّانِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَيْشُونَ ، ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ ، أَوْ قَالَ : كَانَ يَنْزِعُ خَاتَمَهُ إِذَا أَرَادَ الْجَنَابَةَ .
ج٢ / ص٢٠وَلَكِنْ أَبُو قَتَادَةَ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ صَدُوقًا كَانَ يُخْطِئُ ، وَلِذَا أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ تَضْعِيفَهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : ( مُنْكَرُ الْحَدِيثِ تَرَكُوهُ ) ، بَلْ قَالَ أَحْمَدُ : ( أَظُنُّهُ كَانَ يُدَلِّسُ ) ، وَأَوْرَدَهُ شَيْخُنَا فِي الْمُدَلِّسِينَ ، وَقَالَ : ( إِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ) ، وَوَصَفَهُ أَحْمَدُ بِالتَّدْلِيسِ . انْتَهَى .
فَرِوَايَتُهُ لَا تَعِلُّ رِوَايَةَ هَمَّامٍ ، [ بَلْ قَدْ تَشْهَدُ لَهَا ] ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالتَّمْثِيلُ بِهِ لِلْمُنْكَرِ ، وَكَذَا بِقَوْلِ مَالِكٍ ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاذِّ . ج٢ / ص٢١