قَلْبُ السَّنَدِ سَهْوًا وَأَمْثِلَتُهُ
فَأَمَّا الْخَطِيبُ فَفِيمَا كَانَ مِنْ نَمَطِ الْمِثَالِ الْأَخِيرِ فَقَطْ ، وَسَمَّاهُ ( رَافِعَ الِارْتِيَابِ فِي الْمَقْلُوبِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَنْسَابِ ) ، وَهُوَ فِي مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ . وَأَمَّا شَيْخُنَا فَإِنَّهُ أَفْرَدَ مِنْ عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ مَا كَانَ مِنْ نَمَطِ الْمَثَّالَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ ، وَسَمَّاهُ ( جَلَاءَ الْقُلُوبِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَقْلُوبِ ) . وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ أَفْرَدَهُ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ; بِحَيْثُ أَدَّى الْإِخْلَالُ بِهِ إِلَى عَدِّ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ أَحَادِيثَ إِذَا وَقَعَ الْقَلْبُ فِي الصَّحَابِيِّ ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ ، فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُ ، حَيْثُ يُقَالُ : وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَيَكُونُ الْوَاقِعُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ عَلَى رَاوِيهِ .
وكَانَ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ يُبَالِغُ فِي عَيْبِ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ ، فَرُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ . فَقُلْتُ لَهُ : تَعِسْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - أَيْ : عَثَرْتَ - فَقَالَ : كَيْفَ هُوَ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقْتَ . وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى عِظَمِ دِينِ الثَّوْرِيِّ وَتَوَاضُعِهِ وَإِنْصَافِهِ ، وَعَلَى قُوَّةِ حَافِظَةِ تِلْمِيذِهِ الْقَطَّانِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى شَيْخِهِ حَتَّى خَاطَبَهُ بِذَلِكَ ، وَنَبَّهَهُ عَلَى عُثُورِهِ حَيْثُ سَلَكَ الْجَادَّةَ ; لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ نَافِعٍ هِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَكَانَ قَوْلُ الَّذِي يَسْلُكُ غَيْرَهَا إِذَا كَانَ ضَابِطًا أَرْجَحَ .
وَكَذَا خَطَّأَ يَحْيَى الْقَطَّانُ شُعْبَةَ حَيْثُ حَدَّثُوهُ عنه بِحَدِيثِ : لَا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ : ثَنَا بِهِ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابن مَسْعُودٍ . وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ .
وَلَا يَتَأَتَّى لِيَحْيَى أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شُعْبَةَ بِالْخَطَأِ ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَيَقَّنَ الصَّوَابَ فِي غَيْرِ رِوَايَتِهِ ، فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يَسْتَرْوِحُ فَيَقُولُ مَثَلًا : يُحْتَمِلُ أن يَكُونُ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَحَدَّثَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ عَلَى أَحَدِهِمَا . وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ ، إِلَّا إنْ جَاءَتْ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَارِثِ بجْمَعُهُمَا ، وَمَدَارُ الْأَمْرِ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ عَلَى مَا يَقْوَى فِي الظَّنِّ . وأَمَّا الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ فَلَا تَعْوِيلَ عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ .
انْتَهَى . مَعَ زِيَادَةٍ وَحَذْفٍ ، وَاخْتَارَ فِي تَسْمِيَةِ قِسْمَيِ الْعَمْدِ الْإِبْدَالَ لَا الْقَلْبَ . وَأَمَّا ابْنُ الْجَزَرِيِّ فَقَالَ فِي الثَّانِي : إِنَّهُ عِنْدِي بِالْمُرَكَّبِ أَشْبَهُ ، وَجَعَلَهُ نَوْعًا مُسْتَقِلًا .