تَوْبَةِ الْكَاذِبِ
التَّاسِعُ : فِي تَوْبَةِ الْكَاذِبِ . ( وَلِلْحُمَيْدِيِّ ) ، صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ وَشَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ( وَالْإِمَامِ أَحْمَدَا بِأَنَّ مَنْ ) أَيْ : أَنَّ الَّذِي ( لِكَذِبٍ تَعَمَّدَا ) أَيْ : فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ مُطْلَقًا ، الْأَحْكَامِ وَالْفَضَائِلِ وَغَيْرِهِمَا ، بِأَنْ وَضَعَ ، أَوْ رَكَّبَ سَنَدًا صَحِيحًا لِمَتْنٍ ضَعِيفٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَ بِانَّ الْعَمْدَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ نَحْوِهِ ، بِحَيْثُ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ . ( لَمْ نَعُدْ نَقْبَلُهُ ) أَبَدًا فِي شَيْءٍ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ الْمَكْذُوبُ فِيهِ وَغَيْرُهُ ، وَلَا نَكْتُبُ عَنْهُ شَيْئًا ، وَيَتَحَتَّمُ جَرْحُهُ دَائِمًا ( وَإِنْ يَتُبْ ) وَتَحْسُنْ تَوْبَتُهُ تَغْلِيظًا لِمَا يَنْشَأُ عَنْ صَنِيعِهِ مِنْ مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَهِيَ تَصْيِيرُ ذَلِكَ شَرْعًا .
نَعَمْ ، تَوْبَتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تعالى . وَيَلْتَحِقُ بِالْعَمْدِ مَنْ أَخْطَأَ وَصَمَّمَ بَعْدَ بَيَانِ ذَلِكَ لَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ مُجَرَّدَ عِنَادٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ ، وَأَمَّا مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ ، ثُمَّ عَرَفَ ضَرَرَهُ فَتَابَ ، فَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - قَبُولُ رِوَايَاتِهِ . وَكَذَا مَنْ كَذَبَ دَفْعًا لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ مِنْ عَدُوٍّ ، وَرَجَعَ عَنْهُ .
ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ وَالْحُمَيْدِيَّ لَمْ يَنْفَرِدَا بِهَذَا الْحُكْمِ ، بَلْ نَقَلَهُ كُلُّ مِنَ الْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ ، وَالْحَازِمِيِّ فِي شُرُوطِ الأئمة السِّتَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ ، وَالذَّهَبِيِّ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ ، وَاعْتَمَدُوهُ ( وَ ) كَذَا لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ ( الصَّيْرَفِيِّ ) شَارِحِ الرِّسَالَةِ ، وَأَحَدِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ فِي الْمَذْهَبِ ( مِثْلُهُ ) حَيْثُ قَالَ : كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ . ( وَأَطْلَقَ الْكِذْبَ ) [ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ على إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ ] كَمَا تَرَى ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِتَقْيِيدِهِ بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ . وَنَحْوُهُ حِكَايَةُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ قَالَ : إِذَا رَوَى الْمُحَدِّثُ خَبَرًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، وَقَالَ : كُنْتُ أَخْطَأْتُ فِيهِ ، وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ كَمَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ، وَإِنْ قَالَ : كُنْتُ تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ ( الْأُصُولِ ) : أنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ .
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ : إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ خَاصَّةً ، يَعْنِي فَلَا يَشْمَلُ الْكَذِبَ فِي غَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ سَائِرِ النَّاسِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُفَسِّقَاتِ تُقْبَلُ رِوَايَةُ التَّائِبِ مِنْهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَوْلُهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ : مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ قَرِينَةٌ فِي التَّقْيِيدِ . بَلْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَيْسَ يَطْعَنُ عَلَى الْمُحَدِّثِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ : تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ ، فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الْأَوَّلِ ; أَيْ : فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ وَاعْتَرَفَ بِالْكَذِبِ فِيهِ ، وَلَا قْبَلُ خَبَرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ; أَيْ : مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ ، عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْمَوْضُوعِ ( وَزَادَ ) أَيِ : الصَّيْرَفِيُّ ، عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْحُمَيْدِيِّ ( أَنَّ مَنْ ضُعِّفَ نَقْلًا ) أَيْ : مِنْ جِهَةِ نَقْلِهِ ، يَعْنِي لِوَهْمٍ وَقِلَّةِ إِتْقَانٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَحَكَمْنَا بِضَعْفِهِ وَإِسْقَاطِ خَبَرِهِ ( لَمْ يُقَوَّ ) أَبَدًا ( بَعْدَ أَنْ ) حُكِمَ بِضَعْفِهِ ، هَكَذَا أَطْلَقَ . وَوِزَانُ مَا تَقَدَّمَ عَدَمُ قَبُولِهِ ، وَلَوْ رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي وَالْإِتْقَانِ ، وَلَكِنْ قَدْ حَمَلَهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى مَنْ يَمُوتُ عَلَى ضَعْفِهِ ، وكَأَنَّهُ لِيَكُونَ مُوافِقًا لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ .
ثُمَّ إِنَّ فِي تَوْجِيهِ إِرَادَةِ التَّقْيِيدِ بِمَا تَقَدَّمَ نَظَرًا ; إِذْ أَهْلُ النَّقْلِ هُمْ أَهْلُ الرِّوَايَاتِ وَالْأَخْبَارِ كَيْفَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ ، وَكَذَا الْوَصْفُ بِالْمُحَدِّثِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُخْبِرُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ ، بَلْ يَدُلُّ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيمِ تَنْكِيرُهُ الْكَذِبَ . وَكَذَا يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ فِي إِحْكَامِهِ : مَنْ أَسْقَطْنَا حَدِيثَهُ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ أَبَدًا ، وَمَنِ احْتَجَجْنَا بِهِ لَمْ نُسْقِطْ رِوَايَتَهُ أَبَدًا ; فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّعْمِيمِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ فِي آخَرِينَ ، بَلْ كَلَامُ الْحُمَيْدِيِّ الْمَقْرُونِ مَعَ أَحْمَدَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ قَدْ يُشِيرُ لِذَلِكَ ; فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا الَّذِي لَا يُقْبَلُ بِهِ حَدِيثُ الرَّجُلِ أَبَدًا ؟ قُلْتُ : هُوَ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ ثُمَّ وُجِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، أَوْ بِأَمْرٍ يَتَبَيَّنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ ، فَلَا يَجُوزُ حَدِيثُهُ أَبَدًا لِمَا أُدْرِكَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ .
وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ فَقَالَ : التَّائِبُ مِنَ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ خِلَافًا لِلصَّيْرَفِيِّ . قَالَ الصَّيْرَفِيُّ : ( وَلَيْسَ ) الرَّاوِي فِي ذَلِكَ ( كَالشَّاهِدِ ) ، يَعْنِي فَإِنَّ الشَّاهِدَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِشَرْطِهَا ، وَأَيْضًا فَالشَّاهِدُ إِذَا حَدَثَ فِسْقُهُ بِالْكَذِبِ أَوْ غَيْرِهِ لَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ السَّالِفَةُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهَا . ( وَ ) الْإِمَامُ ( السَّمْعَانِيُّ أَبُو الْمُظَفَّرِ يَرَى فِي ) الرَّاوِي ( الْجَانِي بِكَذِبٍ فِي خَبَرٍ ) نَبَوِيٍّ ( إِسْقَاطَ مَا لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ قَدْ تَقَدَّمَا ) ، وَكَذَا وُجُوبَ نَقْضِ مَا عُمِلَ بِهِ مِنْهَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ، وَقَالَا : فَإِنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ ، يَعْنِي : وَتَغْلِيظُ الْعُقُوبَةِ فِيهِ أَشَدُّ ، مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهُ ; عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ) .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ رضي الله عنهما ، فَقَالَ : ( اذْهَبَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتُمَاهُ فَاقْتُلَاهُ ) . وَلِهَذَا حَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْفُرُ ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ وَلَدُهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ . وَالْحَقُّ أَنَّهُ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَمُوبِقَةٌ كَبِيرَةٌ ، وَلَكِنْ لَا كفر بِهَا إِلَّا إِنِ اسْتَحَلَّهُ .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ يُضَاهِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ ، يَعْنِي لِكَوْنِ رَدِّهِ لِحَدِيثِهِ الْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا هُوَ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ ، وَذَلِكَ جَارٍ فِي حَدِيثِهِ الْمَاضِي بَعْدَ الْعِلْمِ بِكَذِبِهِ ، وَقَدِ افْتَرَقَتِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ فِي أَشْيَاءَ ، فَتَكُونُ مَسْأَلَتُنَا مِنْهَا ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي شَاهِدِ الزُّورِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ بَعْدَهَا . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رضي الله عنه - فِي قَاذِفِ الْمُحْصَنِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ، فَاسْتَوَيَا فِي الرَّدِّ لِمَا بَعْدُه ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا مَا تَقَدَّمَ . نَعَمْ ، سَوَّى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ بَكْرَانَ الْحَمَوِيُّ الشَّامِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، بَيْنَهُمَا ، حَيْثُ قَالَ فِي الرَّاوِي : إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الْمَرْدُودِ خَاصَّةً ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ .
بَلْ نُسِبَ للدَّامَغَانِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَبُولُهُ فِي الْمَرْدُودِ وَغَيْرِهِ ، [ يَعْنِي : إِذَا رَوَاهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ] ، وَهُوَ عَجِيبٌ . وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ : لَمْ أَرَ لَهُ ; أَيْ : لِلْقَوْلِ ، فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا بَلِيغًا عَنِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِعِظَمِ مَفْسَدَتِهِ ; فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، بِخِلَافِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَالشَّهَادَةِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُمَا قَاصِرَةٌ لَيْسَتْ عَامَّةً . ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْمُخْتَارُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ فِي هَذَا ، أَيِ : في الْكَذِبُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَبُولُ رِوَايَاتِهِ بَعْدَهَا إِذَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ .
قَالَ : فَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ ، قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ فِي هَذَا . وَكَذَا قَالَ فِي الْإِرْشَادِ : هَذَا مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ غَيْرِنَا - انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا إِذَا كَانَ كَذِبُهُ فِي وَضْعِ حَدِيثٍ ، وَحُمِلَ عَنْهُ وَدُوِّنَ : إِنَّ الْإِثْمَ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ ، بَلْ هُوَ لَاحِقٌ لَهُ أَبَدًا ، فَإِنَّ مَنْ سَنَّ سَيِّئَةً عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالتَّوْبَةُ حِينَئِذٍ مُتَعَذِّرَةٌ ظَاهِرًا ، وَإِنْ وُجِدَ مُجَرَّدُ اسْمِهَا ، وَلَا يُسْتَشْكَلُ بِقَبُولِهَا مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّدَارُكَ بِرَدٍّ أَوْ مَحَالَلةٍ ، فَالْأَمْوَالُ الضَّائِعَةُ لَهَا مَرَدٌّ ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ ، وَالْأَعْرَاضُ قَدِ انْقَطَعَ تَجَدُّدُ الْإِثْمِ بِسَبَبِهَا فَافْتَرَقَا .
وَأَيْضًا فَعَدَمُ قَبُولِ تَوْبَةِ الظَّالِمِ رُبَّمَا يَكُونُ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ وَالتَّمَادِي فِي غَيِّهِ ، فَيَزْدَادُ الضَّرَرُ بِهِ ، بِخِلَافِ الرَّاوِي ; فَإِنَّهُ ولَوِ اتَّفَقَ اسْتِرْسَالُهُ أَيْضًا وَسْمُهُ بِالْكَذِبِ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ مُتَجَدِّدَاتِهِ ، [ وأيضا فقبول توبته قد يشتهر عند من حمل عنه كذبه فيبعثه على التمسك بما رواه عنه ] بَلْ قَالَ الذَّهَبِيُّ : إِنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْكَذِبِ عَلَى رَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تحْصُلُ لَنَا ثِقَةٌ بِقَوْلِهِ : إِنِّي تُبْتُ ، يَعْنِي كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي الْمُعْتَرِفِ بِالْوَضْعِ .