حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

مَا يَخْرِمُ الضَّبْطَ

الثَّانِيَ عَشَرَ : فِي التَّسَاهُلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَخْرِمُ الضَّبْطَ . ( وَرُدَّ ) عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ( ذُو تَسَاهُلٍ فِي الْحَمْلِ ) أَيِ : التَّحَمُّلِ لِلْحَدِيثِ وَسَمَاعِهِ ( كـ ) الْمُتَحَمِّلِ حَالَ ( النَّوْمِ ) الْكَثِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ ، مَعَ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَقْبَلُوا رِوَايَتَهُ . وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ قَبُولِ الْإِمَامِ الثِّقَةِ الْحُجَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ مَعَ وَصْفِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ رَدِيءَ الْأَخْذِ .

وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : إِنَّهُ رَآهُ هو وَأَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي حَالِ كَوْنِهِ يُقْرَأُ لَهُ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَإِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلْقَارِئِ : أَنْتَ تَقْرَأُ وَصَاحِبُكَ نَائِمٌ ، فَضَحِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قَالَ عُثْمَانُ : فَتَرَكْنَا ابْنَ وَهْبٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، فَقِيلَ لَهُ : وَلِهَذَا تَرَكْتُمُوهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَتُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَا ؟ رَوَاهُ الْخَطِيبُ . فَلِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ مَاشِيًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي تَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ ، وَأَنْ يُقَالَ فِيهَا : حَدَّثَنِي ، بَلْ قَالَ أَحْمَدُ : إِنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ ، يَفْصِلُ السَّمَاعَ مِنَ الْعَرْضِ ، وَالْحَدِيثَ مِنَ الْحَدِيثِ ، مَا أَصَحَّ حَدِيثَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ كَانَ يُسِيءُ الْأَخْذَ ؟ قَالَ : قَدْ كَانَ ، وَلَكِنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَشَايِخِهِ وَجَدْتَهُ صَحِيحًا .

ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي كُلِّ مِنَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ النُّعَاسُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَخْتَلُّ مَعَهُ فَهْمُ الْكَلَامِ ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْفَطِنِ ، فَقَدْ كَانَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ رُبَّمَا يَنْعَسُ فِي حَالِ إِسْمَاعِهِ ، وَيَغْلَطُ الْقَارِئُ أَوْ يَزِلُّ فَيُبَادِرُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا شَاهَدْتُ شَيْخَنَا غَيْرَ مَرَّةٍ ، بَلْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُقْرأ شَرْحَ أَلْفِيَّةِ النَّحْوِ لِابْنِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ نَاعِسٌ . وَمَا يُوجَدُ فِي الطِّبَاقِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى نُعَاسِ السَّامِعِ أَوِ الْمُسْمِعِ لَعَلَّهُ فِيمَنْ جُهِلَ حَالُهُ ، أَوْ عُلِمَ بِعَدَمِ الْفَهْمِ . وَأَمَّا امْتِنَاعُ التَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنِ ابْنِ الْمُقَيَّرِ مَعَ صِحَّةِ سَمَاعِهِ مِنْهُ ; لِكَوْنِهِ شَكَّ هَلْ نَعِسَ حَالَ السَّمَاعِ أَمْ لَا ، فَلِوَرَعِهِ ; فَقَدْ كَانَ مِنْ الْوَرَعِ بِمَكَانٍ .

وَنَحْوُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنَ شَقِيقٍ الْمَرْوَزِيِّ : أَسَمِعْتَ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ نَهَقَ حِمَارٌ يَوْمًا فَاشْتَبَهَ عَلَيَّ حَدِيثٌ ، وَلَمْ أَعْرِفْ تَعْيِينَهُ ، فَتَرَكْتُ الْكِتَابَ كُلَّهُ . ( وَ ) كَذَلِكَ رُدَّ عِنْدَهُمْ ذُو تَسَاهُلٍ فِي حَالَةِ ( الْأَدَاءِ ) أَيِ : التَّحْدِيثِ ( كـ ) الْمُؤَدِّي ( لَا مِنْ أَصْلٍ ) صَحِيحٍ مَعَ كَوْنِهِ هُوَ أَوِ الْقَارِئِ أَوْ بَعْضِ السَّامِعِينَ غَيْرَ حَافِظٍ ، حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْدَ ذَهَابِ أُصُولِهِ وَاخْتِلَالِ حِفْظِهِ ، كَفِعْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ فِيمَا حَكَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، فَقَالَ : جَاءَ قَوْمٌ وَمَعَهُمْ جُزْءٌ فَقَالُوا : سَمِعْنَاهُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْ حَدِيثِهِ ، فَأَتَيْتُهُ وَأَعْلَمْتُهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا أَصْنَعُ ؟ يَجِيئُونِي بِكِتَابٍ فَيَقُولُونَ : هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ ، فَأُحَدِّثُهُمْ بِهِ .

وَنَحْوُهُ مَا وَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْسكندَرنِيِّ ، جَاءَهُ رَجُلٌ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ بِنُسْخَةِ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ لَهُ : أَلَيْسَ هُمَا سَمَاعَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَحَدِّثْنِي بِهِمَا ، قَالَ : قَدْ ذَهَبَتْ كُتُبِي ، وَلَا أُحَدِّثُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، فَمَا زَالَ حَتَّى خَدَعَهُ ، وَلِذَا مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا قَبْلَ ذِهَابِ كُتُبِهِ كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا . وَمِمَّنْ وُصِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِمَا قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : إِنَّهُ كَانَ يَتَسَاهَلُ فِي السَّمَاعِ وَفِي الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ بِكَذَّابٍ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّدَّ بِذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَإِلَّا فَقَدْ عُرِفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ بِهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثِّقَةِ وَعَدَمِ الْمَجِيءِ بِمَا يُنْكَرُ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ الْمَاضِيَ قَرِيبًا يَشْهَدُ لَهُ ، أَوْ لِكَوْنِ التَّسَاهُلِ يَخْتَلِفُ ، فَمِنْهُ مَا يَقْدَحُ ، وَمِنْهُ مَا لَا يَقْدَحُ .

وَكَذَا مَنِ اخْتَلَّ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ أَكْثَرَ مِنَ الْقَلْبِ أَوِ الْإِدْرَاجِ ، أَوْ رَفَعِ الْمَوْقُوفِ ، أَوْ وَصَلِ الْمُرْسَلِ ( أَوْ قَبِلَ التَّلْقِينَ ) الْبَاطِلَ مِمَّنْ يُلَقِّنُهُ إِيَّاهُ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا ، وَبَادَرَ إِلَى التَّحْدِيثِ بِذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً ; لِدَلَالَتِهِ عَلَى مُجَازَفَتِهِ وَعَدَمِ تَثَبُّتِهِ وَسُقُوطِ الْوُثُوقِ بِالْمُتَّصِفِ بِهِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ يَفْعَلُهُ اخْتِبَارًا وَتَجْرِبَةً لِحِفْظِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ وَحِذْقِهِ . قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ : لَقَّنْتُ سَلَمَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ حَدِيثًا ، فَحَدَّثَنِي بِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ وَقَالَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكَذِّبَ صَاحِبَكَ ; أَيْ : تَعْرِفَ كَذِبَهُ ، فَلَقِّنْهُ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكَذِّبَ صَاحِبَكَ فَلَقِّنْهُ .

وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ لِيَرْوِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ لَقَّنَهُ ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ فِي فَاعِلِهِ . قَالَ عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ : كَانَ الْبَغْدَادِيُّونَ ، كَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ ، يُلَقِّنُونَ الْمَشَايِخَ ، وَكُنْتُ أَمْنَعُهُمْ . وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ فَضْلُكَ يَدُورُ عَلَى أَحَادِيثِ أَبِي مُسْهِرٍ وَغَيْرِهِ ، يُلَقِّنُهَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، يَعْنِي : بَعْدَمَا كَبِرَ ، بِحَيْثُ كَانَ كُلَّمَا دُفِعَ إِلَيْهِ قَرَأَهُ ، وَكُلَّمَا لُقِّنَ تَلَقَّنَ ، وَيُحَدِّثُ بِهَا .

قَالَ : وَكُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَفْتِقَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْقًا ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ : لَمَّا لُمْتُهُ عَلَى قَبُولِ التَّلْقِينِ ، قَالَ : أَنَا أَعْرِفُ حَدِيثِي ، ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ سَاعَةٍ : إِنْ كُنْتَ تَشْتَهِي أَنْ تَعْلَمَ فَأَدْخِلْ إِنْسَانًا فِي شَيْءٍ . فَتَفَقَّدْتُ الْأَسَانِيدَ الَّتِي فِيهَا قَلِيلُ اضْطِرَابٍ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَكَانَ يَمُرُّ فِيهَا ، وَكَانَ أَيْضًا يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ . وَمِنِ الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ لِحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، فَإِنَّهُ لَقِيَ هُوَ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمَا مُوسَى بْنَ دِينَارٍ الْمَكِّيَّ ، فَجَعَلَ حَفْصٌ يَضَعُ لَهُ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ : حَدَّثَتْكَ عَائِشَةُ ابنة طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِكَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : حَدَّثَتْنَي عَائِشَةُ ، وَيَقُولُ لَهُ : وَحَدَّثَكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ ، فَيَقُولُ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ ، أَوْ يَقُولُ : حَدَّثَكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ ، فَيَقُولُ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ .

فَلَمَّا فَرَغَ حَفْصٌ مَدَّ يَدَهُ لِبَعْضِ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَقْصِدَ ، وَلَيْسَتْ لَهُ نَبَاهَةٌ ، فَأَخَذَ أَلْوَاحَهُ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا وَمَحَاهَا ، وَبَيَّنَ لَهُ كَذِبَ مُوسَى . وَمِنَ الثَّانِي مَنْ عَمِدَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَى مَسَائِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَجَعَلُوا لَهَا أَسَانِيدَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَضَعُوهَا فِي كُتُبِ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ ، فَصَارَ يُحَدِّثُ بِهَا فِي جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ . أَفْرَدُوا بِالتَّأْلِيفِ ( أَوْ قَدْ وُصِفَا ) مِنَ الْأَئِمَّةِ ( بـ ) رِوَايَةِ ( الْمُنْكَرَاتِ ) أَوِ الشَّوَاذِّ ( كَثْرَةً ) أَيْ : حَالَ كَوْنِهَا ذَاتَ كَثْرَةٍ .

( أَوْ عُرْفًا بِكَثْرَةٍ السَّهْوِ ) وَالْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ ، حَالَ كَوْنِهِ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ( وَمَا حَدَّثَ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ فَهْوَ ) أَيِ : الْمُتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ( رَدٌّ ) أَيْ : مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ الِاتِّصَافَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرَّاوِي وَضَبْطِهِ . قَالَ شُعْبَةُ : لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ . وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا : مَنِ الَّذِي تتْرُكُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ ؟ قَالَ : إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ الْمَعْرُوفِ بِمَا لَا يُعْرَفُ ، وَأَكْثَرَ الْغَلَطَ .

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ : مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ والغفلة وَقِلَّةِ الضَّبْطِ رُدَّ حَدِيثُهُ . قَالَ : وَكَذَا يُرَدُّ حديث مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ، دُونَ الْمُتَسَاهِلِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمْثَالِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي الدِّينِ ، يَعْنِي : لِأَمْنِ الْخَلَلِ فِيهِ ، وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ فِيهِ . وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ ابْنِ النَّفِيسِ : مَنْ تَشَدَّدَ فِي الْحَدِيثِ وَتَسَاهَلَ فِي غَيْرِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ رِوَايَتَهُ تُرَدُّ ، قَالَ : لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَشَدَّدَ فِي الْحَدِيثِ لِغَرَضٍ ، وَإِلَّا لَلَزِمَ التَّشَدُّدُ مُطْلَقًا ، وَقَدْ يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْغَرَضُ أَوْ يَحْصُلُ بِدُونِ تَشَدُّدٍ ، فَيَكْذِبُ - انْتَهَى .

إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّسَاهُلِ فِيمَا هُوَ حُكْمٌ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ النَّفِيسِ بِهَذَا ، بَلْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجُرُّ إِلَى التَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي تَسَاهُلٍ لَا يُفْضِي إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعَدَالَةِ ، وَلَوْ فِيمَا يَكُونُ بِهِ خَارِمًا لِلْمُرُوءَةِ ، فَاعْلَمْهُ . أَمَّا مَنْ لَمْ يَكْثُرْ شُذُوذُهُ وَلَا مَنَاكِيرُهُ ، أَوْ كَثُرَ ذَلِكَ مَعَ تَمْيِيزِهِ لَهُ وَبَيَانِهِ ، أَوْ حَدَّثَ مَعَ اتِّصَافِهِ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ ، بِحَيْثُ زَالَ الْمَحْذُورُ فِي تَحْدِيثِهِ مِنْ حِفْظِهِ فَلَا ، وَكَذَا إِذَا حَدَّثَ سَيِّئُ الْحِفْظِ عَنْ شَيْخٍ عُرِفَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ ، كَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ; حَيْثُ قُبِلَ فِي الشَّامِيِّينَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ . عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَوَقَّفَ فِي رَدِ مَنْ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ وَشَبَهُهَا فِي حَدِيثِهِ ; لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَلَمْ تُرَدْ رِوَايَتُهُمْ .

وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي رِوَايِاتِهِ مَعَ ظُهُورِ إِلْصَاقِ ذَلِكَ بِهِ لِجَلَالَةِ بَاقِي رِجَالِ السَّنَدِ . ( ثُمَّ إِنْ بُيِّنْ لَهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ مُدْغَمَةٍ فِي اللَّامِ ; أَيِ : الرَّاوِي الَّذِي سَهَا أَوْ غَلَطَ وَلَوْ مَرَّةً ( غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ ) عَنْ خَطَئِهِ ، بَلْ أَصَرَّ عَلَيْهِ ( سَقَطَ عِنْدَهُمْ ) أَيِ : عند الْمُحَدِّثِينَ ( حَدِيثُهُ ) ، بَلْ مَرْوِيُّهُ ( جُمَعْ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَزْنَ مُضَرَ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْمَقَالَةِ .

وَ ( كَذَا ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ( الْحُمَيْدِيُّ مَعَ ابْنِ حَنْبَلِ ) الْإِمَامِ أَحْمَدَ ( وَابْنِ الْمُبَارَكِ ) عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ ( رَأَوْا ) إِسْقَاطَ حَدِيثِ الْمُتَّصِفِ بِهَذَا ( فِي الْعَمَلِ ) احْتَجَاجًا وَرِوَايَةً ، حَتَّى تَرَكُوا الْكِتَابَةَ عَنْهُ ( قَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَفِيهِ نَظَرٌ ) ، وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِهِ قَدْ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مَا قِيلَ لَهُ ، إِمَّا لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ عِلْمَ الْمُبَيَّنِ لَهُ ، وَعَدْمَ أَهْلِيَّتِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ : ( نَعَمْ ، إِذَا كَانَ ) عَدَمُ رُجُوعِهِ ( عِنَادًا ) مَحْضًا ( مِنْهُ ) ، لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا مَطْعَنَ عِنْدَهُ يُبْدِيهِ ، فـ ( مَا يُنْكَرُ ذَا ) أَيِ : الْقَوْلُ بِسُقُوطِ رِوَايَاتِهِ وَعَدَمِ الْكِتَابَةِ عَنْهُ . وَيُرْشِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ شُعْبَةَ حِينَ سَأَلَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ : مَنِ الَّذِي تَتْرُكُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ ؟ مَا نَصُّهُ : إِذَا تَمَادَى فِي غَلَطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ ، أَوْ رَجُلٌ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ : مَنْ تبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ ، وَعَلِمَ فَلَمْ يَرْجِعْ وَتَمَادَى فِي ذَلِكَ ، كَانَ كَذَّابًا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ .

قَالَ التَّاجُ التِّبْرِيزِيُّ : لِأَنَّ الْمُعَانِدَ كَالْمُسْتَخِفِّ بِالْحَدِيثِ بِتَرْوِيجِ قَوْلِهِ بِالْبَاطِلِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنْ جَهْلٍ فَأَوْلَى بِالسُّقُوطِ ; لِأَنَّهُ ضَمَّ إِلَى جَهْلِهِ إِنْكَارَهُ الْحَقَّ . وَكَأنَ هَذَا فِيمَنْ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ جَاهِلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ عِلْمَ مَنْ أَخْبَرَهُ .

موقع حَـدِيث