مَتَى يَصِحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ أَوْ يُسْتَحَبُّ
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ سَعْدُ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيُّ : كَانَ الْأَمْرُ الْمُوَاظَبُ عَلَيْهِ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ وَمَا يُقَارِبُهُ ، لَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ إِلَّا مَنْ جَاوَزَ حَدَّ الْبُلُوغِ ، وَصَارَ فِي عِدَادِ مَنْ يَصْلُحُ لِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُذَاكَرَتِهِمْ . وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ : قَلَّ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ عَلَى مَا بَلَغَنَا فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ وَقَرِيبًا مِنْهُ إِلَّا مَنْ جَاوَزَ حَدَّ الْبُلُوغِ ، وَصَارَ فِي عِدَادِ مَنْ يَصْلُحُ لِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُذَاكَرَتِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ . ( وَ ) خَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فـ ( الْعَشْرِ ) مِنَ السِّنِينَ ( فِي ) أَهْلِ ( الْبَصْرَةِ ) كَالسُّنَّةِ ( الْمَأْلُوفَة ) لَهُمْ ; حَيْثُ تَقَيَّدُوا بِهِ ( وَ ) الطَّلَبُ ( فِي ) بُلُوغِ ( الثَّلَاثِينَ ) مِنَ السِّنِينِ مَأْلُوفٌ ( لِأَهْلِ الشَّأْمِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ عَلَى أَشْهَرِ اللُّغَاتِ ، حَكَاهُ مُوسَى الْحَمَّالُ أَيْضًا عَنْ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ .
وَأَعْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي الْأَحْوَصِ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الْحَدِيثَ تَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً . فَاجْتَمَعَ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ فِي ابْتِدَاءِ الطَّلَبِ أَقْوَالٌ . ( وَ ) الْحَقُّ عَدَمُ التَّقَيُّدِ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ ، بَلْ ( يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ ) أَيْ : طَلَبِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ ( بِالْفَهْمِ ) لِمَا يَرْجِعُ إِلَى الضَّبْطِ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَعْرِفُ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ ، وَلَا أَنْ يَعْقِلَ الْمَعَانِيَ وَاسْتِنْبَاطَهَا ; إِذْ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَدَاءِ فَضْلًا عَنِ التَّحَمُّلِ ( فَكَتْبُهُ ) [ أَيْ : الْحَدِيثَ ، بِنَفْسِهِ مُقَيَّدٌ بِالتَّأَهُّلِ ] ( لِلضَّبْطِ ) ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ( السَّمَاعُ ) مِنَ الصَّبِيِّ لِلْحَدِيثِ بـ ( حَيْثُ ) يَعْنِي بِحِينِ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِيهِ سَامِعًا .
وَعِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ : قُلْتُ : وَيَنْبَغِي بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمَلْحُوظُ إِبْقَاءَ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ أَنْ يُبَكَّرَ بِإِسْمَاعِ الصَّغِيرِ فِي أَوَّلِ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ سَمَاعُهُ ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِكَتَبَه الْحَدِيثِ وَتَحْصِيلِهِ - أَيْ : بِالسَّمَاعِ وَنَحْوِهِ - وَضَبْطِهِ وَتَقْيِيدِهِ أي بعد الكتابة فَمِنْ حِينِ يَتَأَهَّلُ لِذَلِكَ وَيَسْتَعِدُّ لَهُ ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ ، وَلَيْسَ يَنْحَصِرُ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ - انْتَهَى . وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِحْبَابِ . وَكَوْنُ التَّقْيِيدِ مُؤَكِّدًا لِلضَّبْطِ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَضَى ، وَيَتَأَيَّدُ التَّبْكِيرُ بِمَا جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : طَلَبُ الْحَدِيثِ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ ، وَلِذَا قَالَ نَفْطَوَيْهِ : أُرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْتُ فِي الْكِبَرِ وَلَسْتُ بِنَاسٍ مَا تَعَلَّمْتُ فِي الصِّغَرِ وَلَوْ فُلِقَ الْقَلْبُ الْمُعَلَّمُ فِي الصِّبَى لَأُلْفِيَ فِيهِ الْعِلْمُ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ وَيُرْوَى مَعْنَاهُ فِي الْمَرْفُوعِ : ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا وَهُوَ شَابٌّ كَانَ كَوَشْيٍ فِي حَجَرٍ ، وَمَنْ تَعَلَّمَ بَعْدَمَا يَدْخُلُ فِي السِّنِّ كَانَ كَالْكَاتِبِ عَلَى جَمْهَرِ الْمَاءِ ) .
وَنَحْوُهُ : ( مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي شَبِيبَتِهِ اخْتَلَطَ الْقُرْآنُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ ) ، وَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا . ( وَبِهِ ) أَيْ : وَفِي تَعْيِينِ وَقْتِ السَّمَاعِ ( نِزَاعُ ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ( فَالْخَمْسُ ) مِنَ السِّنِينَ التَّقْيِدُ بِهِ ( لِلْجُمْهُورِ ) ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ فِي الْإِلْمَاعِ لِأَهْلِ الصَّنْعَةِ . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَيَكْتُبُونَ لِابْنِ خَمْسٍ فَصَاعِدًا سَمِعَ ، وَلِمَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا حَضَرَ أَوْ أُحْضِرَ .
( ثُمَّ الْحُجَّة ) لَهُمْ فِي التَّقْيِدِ بِهَا ( قِصَّةُ مَحْمُودٍ ) ، هُوَ ابْنُ الرَّبِيعِ ( وَعَقْلُ الْمَجَّة ) ، وَهِيَ إِرْسَالُ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ ، الَّتِي مَجَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ مِنْ دَلْوٍ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاعَبَةِ ، أَوِ التَّبْرِيكِ عَلَيْهِ ، كَمَا كَانَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ مَعَ أَوْلَادِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ثُمَّ نَقْلَهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ السَّمَاعِ ، وَكَوْنُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً . ( وَهُوَ ) أَيْ : مَحْمُودٌ ، حِينَئِذٍ ( ابْنُ خَمْسَةٍ ) مِنَ الْأَعْوَامِ ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ : مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟ . وَأَفَادَ شَيْخُنَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِهِ ، لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ ، إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ خَاصَّةً ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَتَّى قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُفَضِّلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ خَطَأٌ . قَالَ شَيْخُنَا : وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَالْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ : وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ . وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَيْضًا أَنَّ الْوَاقِعَةَ الَّتِي ضَبَطَهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُطَابِقُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ إنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، لَكِنْ قَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ : إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ .
( وَ ) لَعَلَّ لِذَا ( قِيلَ ) إِنَّ حِفْظَهُ لِذَلِكَ وَهُوَ ابْنُ ( أَرْبَعَة ) مِنَ الْأَعْوَامِ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ ; حَيْثُ قَالَ : إِنَّهُ عَقَلَ الْمَجَّةَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ ، كَمَا أَنَّ لَعَلَّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مُسْتَنَدُ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ ; لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِدِيِّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ أَلْغَى الْكَسْرَ وَجَبَرَهُ غَيْرُهُ . وَقَدْ حَكَى السِّلَفِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ صِحَّةَ سَمَاعِ مَنْ بَلَغَ أَرْبَعَ سِنِينَ ; لِحَدِيثِ مَحْمُودٍ ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ خَاصَّةً ، أَمَّا ابْنُ الْعَجَمِيِّ فَإِذَا بَلَغَ سَبْعًا ، وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ عَنِ الْقُطَيْعِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي سُئِلَ عَنْ سَمَاعِ الصَّبِيِّ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ ابْنَ عَرَبِيٍّ فَابْنُ سَبْعٍ ، وَإِنْ ابْنَ عَجَمِيٍّ فَإِلَى أَنْ يَفْهَمَ . وَقَيَّدَهُ بِالسَّبْعِ مُطْلَقًا بَعْضُهُمْ .
وَنَحْوُهُ مَا رَوَاهُ السِّلَفِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، أَنَّ الشَّافِعِيَّ سُئِلَ الْإِجَازَةَ لِوَلَدٍ ، وَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ ، فَقَالَ : لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ لِمِثْلِهِ حَتَّى يتَمَّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْإِجَازَةِ فَفِي السَّمَاعِ أَوْلَى . فَاجْتَمَعَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُسَمَّى فِيهِ الصَّغِيرُ سَامِعًا .
( وَ ) بِالْجُمْلَةِ ( فَلَيْسَ فِيهِ ) أَيْ : فِي تَعْيِينِ وَقْتِهِ ( سُنَّةٌ ) بِعَيْنِهَا ( مُتَّبَعَة ) دَائِمًا ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَمْيِيزِ مَحْمُودٍ أَنَّ يميز كُلِّ أَحَدٍ كَذَلِكَ ، بَلْ قَدْ يَنْقُصُ وَقَدْ يَزِيدُ ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أن لا يَعْقِلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَسِنُّهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَقَلَ الْمَجَّةَ أَنْ يَعْقِلَ غَيْرَهَا مِمَّا سَمِعَهُ . ( بَلِ الصَّوَابُ ) الْمُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ الصَّغِيرِ قَوْلٌ خَامِسٌ ، وَهُوَ : ( فَهْمُهُ الْخِطَابَا ) حَالَ كَوْنِهِ ( مُمَيِّزًا ) مَا يُقْصَدُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُهُ ( وَرَدُّهُ الْجَوَابَا ) الْمُطَابِقَ ، سَوَاءٌ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ أَوْ أَقَلَّ ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ فَهْمَ الْخِطَابِ وَرَدَّ الْجَوَابِ لَمْ يَصِحَّ ; أَيْ : لَمْ يَكُنْ سَامِعًا ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَإِنْ كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ . وَبِمَا قَيَّدْنَا قَدْ يُشِيرُ إِلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا حَكَى فِيهِ الْقُشَيْرِيُّ الْإِجْمَاعَ بِعَدَمِ قَبُولِ مَنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّحَمُّلِ مُمَيِّزًا ، مَعَ أَنَّهُ قِيلَ فِي الْمُمَيِّزِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي .
وَكَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائينِيُّ : إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ الْمَبْلَغَ الَّذِي يَفْهَمُ اللَّفْظَ بِسَمَاعِهِ صَحَّ سَمَاعُهُ ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ سَمِعَ كَلِمَةً أَدَّاهَا فِي الْحَالِ ، ثُمَّ كَانَ مُرَاعِيًا لِمَا يَقُولُهُ مِنْ تَحْدِيثٍ أَوْ لِقِرَاءَةِ الْقَارِئِ صَحَّ سَمَاعُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ . بَلْ عَزَا النَّوَوِيُّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ لِلْمُحَقِّقِينَ ; حَيْثُ قَالَ : إِنَّ التَّقْيِدَ بِالْخَمْسِ أَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ ، وَقَالُوا : الصَّوَابُ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ صَبِيٍّ بِنَفْسِهِ ، فَقَدْ يُمَيِّزُ لِدُونِ خَمْسٍ ، وَقَدْ يَتَجَاوَزُ الْخَمْسَ وَلَا يُمَيِّزُ .
وَاحْتُجَّ بِضَبْطِ ابْنِ الزُّبَيْرِ تَرَدُّدَ وَالِدِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ . قَالَ شَيْخُنَا مُشِيرًا لِانْتِقَادِ الْحَصْرِ فِي سِنِّ ابْنِ الزُّبَيْرِ : والَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا وُلِدَ فِي الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَقِيلَ فِي الْأَحْزَابِ : إِنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ - انْتَهَى . نَعَمْ ، قَوْلُ الْحَسَنِ رضي الله عنه : أَذْكُرُ أَنِّي أَخَذْتُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلْتُهَا فِي فِيَّ ، فَنَزَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُعَابِهَا فَجَعَلَهَا فِي التَّمْرِ وَقَالَ : ( كِخْ كِخْ ) ، يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ دُونَ ذَلِكَ ; إِذْ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُقَالُ إِلَّا لِلطِّفْلِ الْمُرْضَعِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ ، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي التَّقْيِيدِ بِالْخَمْسِ .
وَنَحْوُ قِصَّةِ مَحْمُودٍ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَالِدِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَنِي وَأَنَا خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ فَأَجْلَسَنِي فِي حِجْرِهِ ، وَمَسَحَ رَأْسِي ، وَدَعَا لِي وَلِذُرِّيَّتِي بِالْبَرَكَةِ . وَحَدَّثَ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحَمَّادِيُّ عَنْ جَدِّهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ بِحَدِيثٍ لَقِنَهُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ . قَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِتَحْدِيدِ الْخَمْسِ أَنَّهَا مَظَنَّةٌ لِذَلِكَ ، لَا أَنَّ بُلُوغَهَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ : اعْتَبَرَ الْجُمْهُورُ الْمَظَنَّةَ وَهِيَ الْخَمْسُ ، فَأَقَامُوهَا مَقَامَ الْمَئِنَّةِ وَهِيَ التَّمْيِيزُ وَالْإِدْرَاكُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ الْمَظَنَّةُ حَيْثُ لَا تتَحَقَّقُ الْمَئِنَّةُ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَعَلَّ تَحْدِيدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ بِالْخَمْسِ إِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ هَذَا أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الضَّبْطُ وَعَقْلُ مَا يَسْمَعُ وَحِفْظُهُ . وَإِلَّا فَمَرْجُوعٌ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ ، وَرُبَّ بَلِيدِ الطَّبْعِ غَبِيِّ الْفِطْرَةِ لَا يَضْبِطُ شَيْئًا فَوْقَ هَذَا السِّنِّ ، وَنَبِيلِ الْجِبِلَّةِ ذَكِيِّ الْقَرِيحَةِ يَعْقِلُ دُونَ هَذَا السِّنِّ . ( وَ ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّمْيِيزُ وَالْفَهْمُ خَاصَّةً دُونَ التَّقْيِدِ بِسِنٍّ ، أَنَّهُ قِيلَ لِلْإِمَامِ ( ابْنِ حَنْبَلٍ ) أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ مَا مَعْنَاهُ : ( فَرَجُلٌ ) ، هُوَ ابْنُ مَعِينٍ ( قَالَ لِخَمْسَ عَشْرَةَ ) سَنَةً ( التَّحَمُّلُ يَجُوزُ لَا فِي دُونِهَا ) مُتَمَسِّكًا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْبَرَاءَ وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمَ بَدْرٍ لِصِغَرِهِمَا عَنْ هَذَا السِّنِّ ( فَغَلَّطَهْ ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَ ( قَالَ ) : بِئْسَ الْقَوْلُ هَذَا ، بَلْ ( إِذَا عَقَلَهُ ) أَيِ : الْحَدِيثَ ( وَضَبَطَهْ ) صَحَّ تَحَمُّلُهُ وَسَمَاعُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا ، كَيْفَ يُعْمَلُ بِوَكِيعٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ سَمِعَ قَبْلَ هَذَا السَّنِّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا ذَاكَ ، يَعْنِي التَّقْيدَ بِهَذَا السِّنِّ ، فِي الْقِتَالِ ، يَعْنِي وَهُوَ يَقْصِدُ فِيهِ مَزِيدَ الْقُوَّةِ وَالْجِدِّ وَالتَّبَصُّرِ فِي الْحَرْبِ ، فَكَانَتْ مَظَنَّتُهُ الْبُلُوغَ ، وَالسَّمَاعُ يُقْصَدُ فِيهِ الْفَهْمُ ، فَكَانَتْ مَظَنَّتُهُ التَّمْيِيزَ .
عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَعِينٍ هَذَا يُوَجَّهُ بِحَمْلِهِ عَلَى إِرَادَةِ تَحْدِيدِ ابْتِدَاءِ الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ ، أَمَّا مَنْ سَمِعَ اتِّفَاقًا ، أَوِ اعْتَنَي بِهِ فَسَمِعَ وَهُوَ صَغِيرٌ فَلَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ كَمَا أَسْلَفْتُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى قَبُولِ هَذَا . وَمَعَ هَذَا فَاسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِابْنِ عُيَيْنَةَ يَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُ ، وَأنَّ الْمُعْتَبَرَ - كَمَا تَقَدَّمَ - الضَّبْطُ لَا السِّنُّ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَخْرَجَهُ أَبُوهُ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَسَمِعَ مِنَ النَّاسِ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ وَابْنَ أَبِي نُجَيْحٍ فِي الْفِقْهِ ، لَيْسَ تَضُمُّهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَقْرَانِهِ إِلَّا وَجَدْتَهُ مُقَدَّمًا . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ وَفِي أُذْنِي قِرْطٌ وَلِي ذُؤَابَةٌ ، فَلَمَّا رَآنِي جَعَلَ يَقُولُ : وَاسِنِينَة وَاسِنِينَة هَاهُنَا هَاهُنَا ، مَا رَأَيْتُ طَالِبَ عِلْمٍ أَصْغَرَ مِنْ هَذَا .
رَوَاهُمَا الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ . بَلْ رَوَى أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ الْهِلَالِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : كُنْتُ فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَنَظَرَ إِلَى صَبِيٍّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَكَأَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ تَهَاوَنُوا بِهِ لِصِغَرِ سِنِّهِ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ رَأَيْتُنِي وَلِي عَشْرُ سِنِينَ ، طُولِي خَمْسَةُ أَشْبَارٍ ، وَوَجْهِي كَالدِّينَارِ ، وَأَنَا كَشُعْلَةِ نَارٍ ، ثِيَابِي صِغَارٌ ، وَأَكْمَامِي قِصَارٌ ، وَذَيْلِي بِمِقْدَارٍ ، وَنَعْلِي كَآذَانِ الْفَارِ ، أَخْتَلِفُ إِلَى عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِثْلِ الزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، أَجْلِسُ بَيْنَهُمْ كَالْمِسْمَارِ ، وَمِحْبَرَتِي كَالْجَوْزَةِ ، وَمِقْلَمَتِي كَالْمَوْزَةِ ، وَقَلَمِي كَاللَّوْزَةِ ، فَإِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ قَالُوا : أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ الصَّغِيرِ ، أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ الصَّغِيرِ . ثُمَّ تَبَسَّمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَضَحِكَ ، وَاتَّصَلَ تَسَلْسُلُهُ بِالضَّحِكِ وَالتَّبَسُّمِ إِلَى الْخَطِيبِ ، مَعَ مَقَالٍ فِي السَّنَدِ ، لَكِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ صَحِيحٌ .
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ تَهْذِيبِهِ : وَرُوِّينَا عَنْ سَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : قَرَأْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ ، وَكَتَبْتُ الْحَدِيثَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ . [ ثُمَّ إِنَّ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِتَمْيِيزِ الصَّغِيرِ ] أَنْ يَعِدَّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عِشْرِينَ ، ذَكَرَهُ شَارِحُ للتَّنْبِيهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مِنْ مَنْقُولِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ ، أَوْ يُحْسِنُ الْوُضُوءَ أَوِ الِاسْتِنْجَاءَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا . أَوْ بنحو مَا اتَّفَقَ لِأَبِي حَنِيفَةَ حِينَ اسْتَأْذَنَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فَإِنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي دِهْلِيزِهِ يَنْتَظِرُ الْإِذْنَ ; إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِ صَبِيٌّ خُمَاسِيٌّ مِنَ الدَّارِ .
فقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْبِرَ عَقْلَهُ ، فَقُلْتُ : أَيْنَ يَضَعُ الْغَرِيبُ الْغَائِطَ مِنْ بَلَدِكُمْ يَا غُلَامُ ؟ قَالَ : فَالْتَفَتَ إِلَيَّ مُسْرِعًا فَقَالَ : تَوَقَّ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ ، وَمَسَاقِطَ الثِّمَارِ ، وَأَفْنِيَةَ الْمَسَاجِدِ ، وَقَوَارِعَ الطُّرُقِ ، وَتَوَارَ خَلْفَ جِدَارٍ ، وَأَشْلُ ثِيَابَكَ ، وَسَمِّ بِاسْمِ اللَّهِ ، وَضَعْهُ أَيْنَ شِئْتَ . فَقُلْتُ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ . أَوْرَدَهَا ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانِ مِنْ تَارِيخِهِ .
أَوْ بِتَمْيِيزِ الدِّينَارِ مِنَ الدِّرْهَمِ ، كَمَا رُوِّينَا فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الرَّعْدِ مِنْ تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : وُلِدْتُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَأَوَّلُ مَا سَمِعْتُ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيِّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ إِلَى رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، قَالَ : وَكَانَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَ سَمَاعِي لِصِغَرِي ، وَأَبِي يَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِلَى أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطُونِي دِينَارًا وَدِرْهَمًا ، فَإِنْ مَيَّزْتُ بَيْنَهُمَا يُثْبِتُونَ سَمَاعِي حِينَئِذٍ ، قَالَ : فَأَعْطُونِي دِينَارًا وَدِرْهَمًا وَقَالُوا : مَيِّزْ بَيْنَهُمَا ، فَنَظَرْتُ وَقُلْتُ : أَمَّا الدِّينَارُ فَمَغْرِبِيٌّ ، فَاسْتَحْسَنُوا فَهْمِي وَذَكَائِي ، وَقَالُوا : أَخْبَرَ بِالْعَيْنِ وَالنَّقْدِ . ( وَقِيلَ ) أَيْضًا ( مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ ) أَوِ الدَّابَّةِ ( وَالْبَقَرْ فَرَّقَ ) فَهُوَ ( سَامِعٌ ) لِتَمْيِيزِهِ ( وَمَنْ لَا ) يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ( فـ ) يُقَالُ لَهُ ( حَضَرْ ) ، وَلَا يُسَمَّى سَامِعًا ( قَالَ بِهِ ) يَعْنِي : بِالطَّرَفِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً ، مُوسَى بْنَ هَارُونَ ( الْحَمَّالُ ) بِالْمُهْمَلَةِ ، جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ : مَتَى يُسْمَعُ لِلصَّبِيِّ ؟ فَقَالَ : إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ ، وَفِي لَفْظٍ : إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالْبَقَرَةِ . وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِاللَّفْظَيْنِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلطَّرَفِ الثَّانِي أَيْضًا ; لِلِاكْتِفَاءِ بِمَا فُهِمَ مِنْهُ .
وَجَنَحَ لَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ ، فَكَانَ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، وَأَنَا فِي الثَّالِثَةِ سَامِعٌ فَهِمٌ . وَيُحْتَجُّ بِتَمْيِيزِهِ بَيْنَ بَعِيرِهِ الَّذِي كَانَ رَاكِبَهُ حِينَ رَحَلَ بِهِ أَبُوهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ مَا طَعَنَ فِي السَّن الْمَذْكُورَةِ ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ قد يَشْمَلُهَا فَهْمُ الْخِطَابِ وَرَدُّ الْجَوَابِ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَعْلَى ، وَكَأَنَّ لِعَدَمِ التَّسَاوِي أُشِيرَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ هِيَ عِبَارَةَ ابْنِ الصَّلَاحِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : رُوِّينَا عَنْ مُوسَى إِلَى آخِرِهِ ، بَلْ صَدَّرَ بِهِ أَوَّلَ زَمَنٍ يُسَمَّى فِيهِ الصَّغِيرُ سَامِعًا ، وَحِينَئِذٍ فَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا حِكَايَةُ الْقَوْلِ لَا التَّمْرِيضُ ، وَالشَّرْحُ يَشْهَدُ لَهُ .
[ وقد ذكر الرافعي .. . أنه سمع في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة على .. . جزءا بقراءة أبيه .. .
في الثالثة .. . ] . ( وَ ) الْإِمَامُ الْحَافِظُ مُسْنِدُ أَصْبَهَانَ أَبُو بَكْرِ ( ابْنُ الْمُقْرِي ) ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ زَاذَانَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمَائِةٍ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً ; لِكَوْنِهِ اعْتَبَرَ التَّمْيِيزَ وَالْفَهْمَ ( سَمِعَ ) أَيْ : أَفْتَى بِإِثْبَاتِ السَّمَاعِ ( لِابْنِ أَرْبَعٍ ) مِنَ السِّنِينَ ( ذِي ذُكْرِ ) ، بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيْ : صَاحِبِ حِفْظٍ وَفَهْمٍ .
فَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ : حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَلِي خَمْسُ سِنِينَ ، وَحُمِلْتُ إِلَى أَبِي بَكْرِ ابْنِ الْمُقْرِئِ لِأَسْمَعَ مِنْهُ وَلِي أَرْبَعُ سِنِينَ ، فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ : لَا تَسْمَعُوا لَهُ فِيمَا قُرِئَ ; فَإِنَّهُ صَغِيرٌ ، فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُقْرِي : اقْرَأْ سُورَةَ الْكَافِرُونَ ، فَقَرَأْتُهَا ، فَقَالَ : اقْرَأِ التَّكْوِيرَ ، فَقَرَأْتُهَا ، فَقَالَ لِي غَيْرُهُ : اقْرَأْ وَالْمُرْسَلَاتِ ، فَقَرَأْتُهَا ، وَلَمْ أَغْلَطْ فِيهَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقْرِئِ : سَمِّعُوا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيَّ . ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ صَاحِبَ الْحَافِظِ أَبِي مَسْعُودٍ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ : أَتَعَجَّبُ مِنْ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ الْمُرْسَلَاتِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَلَا يَغْلَطُ فِيهَا . هَذَا مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ أَصْبَهَانَ وَلَمْ تَكُنْ كُتُبُهُ مَعَهُ ، فَأَمْلَى كَذَا كَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْكُتُبُ إِلَيْهِ قُوبِلَتْ بِمَا أَمْلَى فَلَمْ تَخْتَلِفْ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ .
[ ولكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون هو يحفظها ] . قَالَ الْخَطِيبُ : وَمِنْ أَطرَفِ شَيْءٍ سَمِعْنَاهُ فِي حِفْظِ الصَّغِيرِ مَا أَنَا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ الْوَرَّاقِ ، أنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ النَّجَّارُ ، ثَنَا الصَّاغَانِيُّ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : رَأَيْتُ صَبِيًّا ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ يَبْكِي - انْتَهَى . وَفِي صِحَّتِهَا نَظَرٌ .
وَأَغْرَبُ مَا ثَبَتَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُحِبَّ ابْنَ الْهَائِمِ حَفِظَ الْقُرْآنَ بِتَمَامِهِ ، وَ ( الْعُمْدَةَ ) ، وَجُمْلَةً مِنَ ( الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ ) ، وَقَدِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ ، وَكَانَ تُذْكَرُ لَهُ الْآيَةُ وَيُسْأَلُ عَمَّا قَبْلَهَا فَيُجِيبُ بِدُونِ تَوَقُّفٍ . وَرُوِّينَا عَنِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَفِيدِهِ أَبِي مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ : إِنَّهُ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَعْلَمُ الْفَرَائِضَ ، وَأَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ أَخْطَأَ فِيهَا بَعْضُ قُضَاتِنَا ، كُلُّ ذَلِكَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ . وَهَلِ الْمُعْتَبَرُ فِي التَّمْيِيزِ وَالْفَهْمِ الْقُوَّةُ أَوِ الْفِعْلُ ؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ شَيْخَنَا سُئِلَ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَلِمَةً ، فَأَمَرَ بِإِثْبَاتِ سَمَاعِهِ ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ عَنْ كُلٍّ مِنِ ابْنِ رَافِعٍ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَابْنِ الْمُحِبِّ ، بَلْ حَكَى ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ الْمِزِّيَّ كَانَ يَحْضُرُ عِنْدَهُ مَنْ يَفْهَمُ وَمَنْ لَا يَفْهَمُ ، يَعْنِي مِنَ الرِّجَالِ ، وَيَكْتُبُ لِلْكُلِّ السَّمَاعَ ، وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَاضِي : وَمَتَى لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ فَهْمَ الْخِطَابِ وَرَدَّ الْجَوَابِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ [ بَلِ ابْنَ خَمْسِينَ ] ، عَلَى انْتِفَاءِ الْقُوَّةِ مَعَ الْفِعْلِ أَيْضًا .
وَبَقِيَ هُنَا شَيْءٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ : إِنَّ الصَّغِيرَ إِذَا حَضَرَ [ إِنْ أُجِيزَ ] لَهُ صَحَّ التَّحَمُّلُ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ ، إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُسَمِّعُ حَافِظًا ، ليَكُونُ تَقْرِيرُهُ لِكِتَابَةِ اسْمِ الصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ مِنْهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ .