النَّوْعُ الثَّامِنُ الْإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ
( وَ ) النَّوْعُ ( الثَّامِنُ ) مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ : ( الْإِذْنُ بِمَا ) أَيِ : الْإِجَازَةُ بِمَعْدُومٍ ( سَيَحْمِلُهُ الشَّيْخُ ) الْمُجِيزُ مِنَ الْمَرْوِيِّ مِمَّا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحَمُّلِ لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ ( وَالصَّحِيحُ ) بَلِ الصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ عِيَاضٌ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ( أَنَّا نُبْطِلُهْ ) ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مَا يَكُونُ الْمَعْدُومُ فِيهِ مُنْعَطِفًا عَلَى ج٢ / ص٤٤١مَوْجُودٍ كَأَنْ يَقُولَ : أَجَزْتُ لَكَ مَا رَوَيْتُهُ وَمَا سَأَرْوِيهِ ، أَوْ لَا ، كَمَا قِيلَ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ . وقد قال حكيم بن حزام : قلت : يا رسول الله ، يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي ، أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه ؟ فقال : لا تبع ما ليس عندك . ( وَبَعْضُ عَصْرِيِّي عِياضٍ ) [ قَدْ ( بَذَلَهْ ) بِالْمُعْجَمَةِ ; أَيْ : أَعْطَى مَنْ سَأَلَهُ الْإِجَازَةَ كَذَلِكَ مَا سَأَلَهُ ] كَمَا حَكَاهُ فِي إِلْمَاعِهِ ; حَيْثُ قَالَ : وَهَذَا النَّوْعُ لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنَ الْمَشَايِخِ ، قَالَ : وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْعَصْرِيِّينَ يَصْنَعُونَهُ ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ أَكْثَرُ مَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْأَدَاءِ لَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ ، وَحِينَئِذٍ فَسَوَاءٌ تَحَمَّلَهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ أَوْ قَبْلَهَا إِذَا ثَبَتَ حِينَ الْأَدَاءِ أَنَّهُ تَحَمَّلَهُ .
وهو توجيه ساقط ، فالمجيز غير متأهل الآن . ( وَ ) لَكِنْ ( ابْنُ مُغِيثٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ ، وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرْطُبِيُّ قَاضِي الْجَمَاعَةِ ، وَصَاحِبُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بِهَا ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الصَّفَّارِ ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، وَالْوَافِرُ الْحَظِّ مِنَ اللُّغَةِ والْعَرَبِيَّةِ ، كَتَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَشْرِقِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْ تَصَانِيفِهِ ( التَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا بِتَأْمِيلِ خَيْرِ الْآخِرَةِ ) ، جَاءَهُ إِنْسَانٌ - حَسْبَمَا حَكَاهُ ج٢ / ص٤٤٢تِلْمِيذُهُ أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زِيَادَةِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ الطُّبُنِيُّ الْقُرْطُبِيُّ فِي فِهْرِسَتِهِ - فَسَأَلَهُ الْإِجَازَةَ لَهُ بِجَمِيعِ مَا رَوَاهُ إِلَى تَارِيخِهَا ، وَمَا يَرْوِيهِ بَعْدُ ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَ ( لَمْ يُجِبْ ) فِيهِ ( مَنْ سَأَلَهْ ) ، فَغَضِبَ السَّائِلُ ، فَنَظَرَ يُونُسُ إِلَى الطُّبُنِيِّ كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ الطُّبُنِيُّ : فَقُلْتُ لَهُ ; أَيْ : لِلسَّائِلِ : يَا هَذَا ، يُعْطِيكَ مَا لَمْ يَأْخُذْ ، هَذَا مُحَالٌ ، فَقَالَ يُونُسُ : هَذَا جَوَابِي .
قَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ سِيَاقِهِ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ; فَإِنَّ هَذَا يُخْبِرُ بِمَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ ، وَيَأْذَنُ لَهُ بِالتَّحْدِيثِ بِمَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ بَعْدُ ، وَيُبِيحُ لَهُ مَا لَا يَعْلَمُ هَلْ يَصِحُّ لَهُ الْإِذْنُ فِيهِ ، فَمَنْعُهُ الصَّوَابُ.
قَالَ غَيْرُهُ : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ أَنَّ ذَاكَ دَاخِلٌ فِي دَائِرَةِ حَصْرِ الْعِلْمِ بِأَصْلِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَرْوِهِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَنْحَصِرْ . لَكِنْ
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ ، يَعْنِي صِحَّةً وَعَدَمًا ، عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ هَلْ هِيَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ بِالْمُجَازِ جُمْلَةً أَوْ هِيَ إِذْنٌ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَصِحْ ; إِذْ كَيْفَ يُخْبِرُ بِمَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصْحِيحِ الْإِذْنِ فِي الْوَكَالَةِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْآذِنُ بَعْدُ ، كَأَنْه يُوَكَّلَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، وَكَذَا فِي عِتْقِهِ إِذَا اشْتَرَاهُ ، وَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، كَمَا زَادَهُمَا ابْنُ أَبِي الدَّمِ ، وَكَمَا إِذَا أَذِنَ الْمَالِكُ لِعَامِلِهِ فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ مِنَ الْعُرُوضِ ، أَوْ أَوْصَى بِمَنَافِعِ عَيْنٍ يَمْلِكُهَا قَبْلَ وُجُودِهَا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي هَاتَيْنِ ، وَوَجْهٌ فِي مَا قَبْلَهُمَا ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ كَذَا ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ كَذَا عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ ، أَوْ فِي بيع ثَمَرِ نَخْلِهِ قَبْلَ إِثْمَارِهَاكَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الْأَصْحَابِ ، أَوْ ج٢ / ص٤٤٣فِي اسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ مِنْ حُقُوقِهِ وَمَا سَيَجِبُ ، أَوْ فِي بَيْعِ مَا مَلَكَهُ وَمَا سَيَمْلِكُهُ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ لِلرَّافِعِيِّ فِي الْأَخِيرَةِ ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ : إِنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ ; لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ فِي الْبَيَانِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوَيهُ ، بَلْ أَفْتَى بِأَنَّهُ إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ دَخَلَ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْهَا . وَبِالنَّظَرِ لِهَذِهِ الْفُرُوعِ صِحَّةً وَإِبْطَالًا حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مَسْأَلَتِنَا ، عَلَى أَنَّ الْمُرَجَّحَ فِي جُلِّهَا إِنَّمَا يُنَاسِبُهُ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ فِي الْمُنْعَطِفِ فَقَطْ ، وَصَنِيعُ ابْنِ الصَّلَاحِ مُشْعِرٌ بِفَرْضِهَا فِي غَيْرِهِ ، وَلِذَا سَاغَ تَنْظِيرُهُ بِالتَّوْكِيلِ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي سَيَمْلِكُهُ مُجَرَّدًا ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَإِذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ فَالْإِجَازَةُ أَوْلَى ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ إِجَازَةِ الطِّفْلِ دُونَ تَوْكِيلِهِ .
وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ ، فَيَتَعَيَّنُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ شَّيْخِ بِالْإِجَازَةِ ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا يَرْوِيهِ عَنْهُ مِمَّا تَحَمَّلَهُ شَيْخُهُ قَبْلَ إِجَازَتِهِ لَهُ - انْتَهَى . وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَتَجَدَّدُ لِلْمُجِيزِ بَعْدَ صُدُورِ الْإِجَازَةِ مِنْ نَظْمٍ أَوْ تَأْلِيفٍ ، وَعَلَى هَذَا يَحْسُنُ لِلْمُصَنِّفِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ تَوْرِيخُ صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُ . ( وَ ) إِمَّا ( إِنْ يَقُلْ ) الشَّيْخُ : ( أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ ) أَيْ : حَالَ الْإِجَازَةِ ( أَوْ سَيَصِحُّ ) أَيْ : وَيَصِحُّ عِنْدَهُ بَعْدَهَا أَنَّنِي أَرْوِيهِ ( فـ ) ذَاكَ ( صَحِيحٌ ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُجِيزُ عَرَفَ أَنَّهُ يَرْوِيهِ حِينَ الْإِجَازَةِ أَمْ لَا ; لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ ، وَقَدْ ( عَمِلَهْ ) الْحَافِظُ ( الدَّارَقُطْنِيُّ وَسِوَاهُ ) مِنَ الْحُفَّاظِ ، ج٢ / ص٤٤٤وَلَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ حِينَ الْإِجَازَةِ وَبَعَّدَهَا أَنَّهُ تَحَمَّلَهُ قَبْلَهَا ، سَوَاءٌ جَمَعَ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ( أَوْ ) اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : صَحَّ ، وَ ( حَذَفْ ) قَوْلَهُ : ( يَصِحُّ ) [ يَعْنِي : بَعْدَهَا ] ( جَازَ الْكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفَ الطَّالِبُ ) حَالَةَ الْأَدَاءِ أَنَّهُ مِمَّا تَحَمَّلَهُ شَيْخُهُ قَبْلَ صُدُورِ الْإِجَازَةِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ هُنَاكَ لَمْ يَرْوِ بَعْدُ ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَقَدْ رَوَى ، وَلَكِنْ تَارَةً يَكُونُ عَالِمًا بِمَا رَوَاهُ ، وَهَذَا لَا كَلَامَ فِيهِ ، وَتَارَةً لَا يَكُونُ عَالِمًا ، فَيُحِيلُ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْمُجَازِ .