كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ
( وَيُكْرَهُ ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ( الْخَطُّ الدَّقِيقُ ) أَوِ الرَّقِيقُ ، لَا سِيَّمَا وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِمَنْ يَقَعُ لَهُ الْكِتَابُ مِمَّنْ يَكُونُ ضَعِيفَ الْبَصَرِ أَوْ ضَعِيفَ الِاسْتِخْرَاجِ مُمْتَنِعٌ أَوْ بَعِيدٌ ، بَلْ رُبَّمَا يَعِيشُ الْكَاتِبُ نَفْسُهُ حَتَّى يَضْعُفَ بَصَرُهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا يَحْكِي أَنَّ الَّذِي يَكْتُبُ الْخَطَّ الدَّقِيقَ رُبَّمَا يَكُونُ قَصِيرَ الْأَمَلِ لَا يُؤَمِّلُ أَنْ يَعِيشَ طَوِيلًا . وَأَقُولُ : بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ طَوِيلَ الْأَمَلِ حَيْثُ تَرَجَّى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنَّهُ وَلَوْ عَمَّرَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْخَطِّ الدَّقِيقِ . ج٣ / ص٢٧ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمُ بِالْكَرَاهَةِ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْحُكَمَاءِ فِي كَوْنِهِ رِيَاضَةً لِلْبَصَرِ وَتَدْمِينًا لَهُ كَمَا يُرَاضُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ بِمَا يَخُصُّهُ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَأَدْمَنَ عَلَى سِوَاهُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ مُعَانَاتُهُ ، فمَنْ يَتْرُكُ الْمَشْيَ أَوْ لَا يَشَمُّ إِلَّا الرَّوَائِحَ الطَّيِّبَةَ ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ تَعَاطَي الْمَشْيَ وَشَمَّ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِخِلَافِ مَنِ اعْتَادَهُ أَحْيَانًا .
وَلَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ لِذَلِكَ حَتَّى بَعْدَ تَقَدُّمِهِمْ فِي السِّنِّ ، مِنْهُمُ الْحَافِظَانِ الشَّمْسُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَالْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ ، وَمِنْهُمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ كَتَبَ " صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ " وَ " مُسْلِمٍ " فِي مُجَلَّدٍ لَطِيفٍ وَبِيعَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، فَالْمَشَقَّةُ بِذَلِكَ هِيَ الْأَغْلَبُ . وَقَدْ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ لِابْنِ عَمِّهِ حَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَرَآهُ يَكْتُبُ خَطًّا دَقِيقًا : لَا تَفْعَلْ ؛ فَإِنَّهُ يَخُونُكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ .رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي " جَامِعِهِ " ، وَسَاقَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَكِيمَةَ ، قَالَ : كُنَّا نَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ بِالْكُوفَةِ فَيَمُرُّ بِنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَيَقُومُ عَلَيْنَا ؛ فَيَقُولُ : أَجْلِ قَلَمَكَ .
قَالَ : فَقَطَطْتُ مِنْهُ ، ثُمَّ كَتَبْتُ ، فَقَالَ : هَكَذَا نَوِّرُوا مَا نَوَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . ( إِلَّا ) أَنْ تَكُونَ دِقَّةُ الْخَطِّ ( لِـ ) عُذْرٍ ج٣ / ص٢٨كَـ ( ضِيقِ رَقٍّ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ الْقِرْطَاسُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْكَاغِدُ أَيْضًا . بِأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا لَا يَجِدُ ثَمَنَهُ أَوْ يَجِدُ الثَّمَنَ وَلَكِنْ لَا يَجِدُ الرَّقَّ ، ( أَوْ لِرَحَّالٍ ) مُسَافِرٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ يُرِيدُ حَمْلَ كُتُبِهِ مَعَهُ ؛ فَيَحْتَاجُ إِمَّا لِفَقْرِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَضْبَطَ ، أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الْحَمْلِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْأَرْغِيَانِيُّ : كُنْتُ أَمْشِي بِمِصْرَ وَفِي كُمِّي مِائَةُ جُزْءٍ ، في كُلِّ جُزْءٍ أَلْفُ حَدِيثٍ . ( فَلَا ) كَرَاهَةَ حَيْثُ اتَّصَفَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ ، كَأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا رَحَّالًا ، وَأَكْثَرُ الرَّحَّالِينَ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ : يَجْتَمِعُ فِي حَالِهِ الصِّفَتَانِ اللَّتَانِ يَقُومُ بِهِمَا الْعُذْرُ فِي تَدْقِيقِ الْخَطِّ ، يَعْنِي كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رُوزْبَه الْفَارِسِيِّ ، وَكَانَ يَكْتُبُ خَطًّا دَقِيقًا حَيْثُ قِيلَ لَهُ : لِمَ تَفْعَلُ ذلك ؟ فَقَالَ : لِقِلَّةِ الْوَرَقِ وَالْوَرِقِ ، وَخِفَّةِ الْحَمْلِ عَلَى الْعُنُقِ . وَلَكِنْ قَالَ الْخَطِيبُ : بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى خَطًّا دَقِيقًا قَالَ : هَذَا خَطُّ مَنْ لَا يُوقِنَ بِالْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى .
يُشِيرُ إِلَى أَنَّ دَاعِيَةَ الْحِرْصِ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْوَرَقِ أَلْجَأَتْهُ لِذَلِكَ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ لَوَسَّعَ .