حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ

وَحِينَئِذٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْقِيقُ الْخَطِّ ، وَهُوَ أَنْ يُمَيِّزَ كُلَّ حَرْفٍ بِصُورَتِهِ الْمُمَيِّزَةِ لَهُ بِحَيْثُ لَا تَشْتَبِهُ الْعَيْنُ الْمَوْصُولَةُ بِالْفَاءِ أَوِ الْقَافِ ، وَالْمَفْصُولَةُ بِالْحَاءِ أَوِ الْخَاءِ . وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَاتِبِهِ : أَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ ، وَأَسْمِنْهَا ، وَأَيْمِنْ قِطَّتَكَ وَحَرِّفْهَا ، وَأَسْمِعْنِي طَنِينَ النُّونِ ، وَخَرِيرَ الْخَاءِ ، أَسْمِنِ الصَّادَ ، وَعَرِّجِ الْعَيْنَ ، وَاشْقُقِ الْكَافَ ، وَعَظِّمِ الْفَاءَ ، وَرَتِّلِ اللَّامَ ، وَأسْلُسِ الْبَاءَ وَالتَّاءَ وَالثَّاءَ ، وَأَقِمِ الْوَاوَ عَلَى ذَنَبِهَا وَاجْعَلْ قَلَمَكَ خَلْفَ أُذُنِكَ فَهُوَ أَجْوَدُ لَكَ . رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ .

وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَصْرِفَ زَمَنَهُ فِي مَزِيدِ تَحْسِينِهِ وَمَلَاحَةِ نَظْمِهِ ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِدُونِهِ ، بَلِ الزَّمَنُ الَّذِي يَصْرِفُهُ فِي ذَلِكَ يَشْتَغِلُ فِيهِ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَرِ ، وَلَيْسَتْ رَدَاءَةُ الْخَطِّ الَّتِي لَا تُفْضِي إِلَى الِاشْتِبَاهِ بِقَادِحَةٍ ، إِنَّمَا الْقَادِحُ الْجَهْلُ . وَلِذَا بَلَغَنَا عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الرَّبَّانِيِّ الشِّهَابِ الْحِنَّاوِيِّ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَآهُ يُلَازِمُ بَعْضَ الْكِتَابِ فِي تَعَلُّمِ صِنَاعَتِهِ ؛ فَقَالَ لَهُ : أَرَاكَ حَسَنَ الْفَهْمِ ، فَأَقْبِلْ عَلَى الْعِلْمِ ، وَدَعْ عَنْكَ هَذَا ، فَإِنَّ غَايَتَكَ فِيهِ أَنْ تَصِلَ لِشَيْخِكَ ، وَهُوَ - كَمَا تَرَى - مُعَلِّمُ كِتَابٍ ، أَوْ نَحْوُ هَذَا ، وَأَوْشَكَ إِنِ اشْتَغَلْتَ بِالْعِلْمِ تَسُودُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ . قَالَ : فَنَفَعَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ ، مَعَ بَرَاعَتِهِ فِي الْكِتَابَةِ أَيْضًا .

وَنَحْوُهُ : مَنْ رَأَى الْبَدْرَ الْبَشْتَكِيَّ عِنْدَ بَعْضِ الْكُتَّابِ ، وَرَأَى قُوَّةَ عَصَبِهِ وَسُرْعَةَ كِتَابَتِهِ ؛ فَسَأَلَهُ : كَمْ تَكْتُبُ مِنْ هَذَا كُلَّ يَوْمٍ ؟ فَذَكَرَ لَهُ عِدَّةَ كَرَارِيسَ ، فَقَالَ لَهُ : الْزَمْ هَذَا ، وَاتْرُكْ عَنْكَ الِاشْتِغَالَ بِقَانُونِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّكَ وَلَوِ ارْتَقَيْتَ لَا تَنْهَضُ فِي الْكِتَابَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِمَا تُحَصِّلُهُ مِنْ كِتَابَتِكَ الْآنَ . فَأَعْرَضَ عَنِ التَّعَلُّمِ فَفَاقَ فِي سُرْعَةِ الْكِتَابَةِ . وَمَحَلُّ مَا زَادَ عَلَى الْغَرَضِ مِنْ ذَلِكَ مَحَلُّ مَا زَادَ عَلَى الْكَلَامِ الْمَفْهُومِ ، مِنْ فَصَاحَةِ الْأَلْفَاظِ ، وَلِذَلِكَ قَالَتِ الْعَرَبُ : حُسْنُ الْخَطِّ إِحْدَى الْفَصَاحَتَيْنِ .

وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ : اعْذُرْ أَخَاكَ عَلَى رَدَاءَةِ خَطِّهِ وَاغْفِرْ رَدَاءَتَهُ لِجَوْدَةِ ضَبْطِهِ وَالْخَطُّ لَيْسَ يُرَادُ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَنِظَامِهِ إِلَّا إِقَامَةُ سَمْطِهِ فَإِذَا أَبَانَ عَنِ الْمَعَانِي خَطُّهُ كَانَتْ مَلَاحَتَهُ زِيَادَةُ شَرْطِهِ وَلْيَتَجَنَّبْهَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، لِمَا ثَبَتَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ . وَالْكِتَابَةُ بِالْحِبْرِ أَوْلَى مِنَ الْمِدَادِ ، بَلْ وَمِنْ مَاءِ الذَّهَبِ وَمِنَ الْأَحْمَرِ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : إِنَّ الْكِتَابَةَ بِالْأَحْمَرِ شِعَارُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَجُوسِ . وَيَكُونُ الْحِبْرُ بَرَّاقًا جَارِيًا ، وَالْقِرْطَاسُ نَقِيًّا صَافِيًا .

قَالُوا : وَلَا يَكُونُ الْقَلَمُ صُلْبًا جِدًّا ، فَلَا يَجْرِي بِسُرْعَةٍ ، وَلَا رَخْوًا جِدًّا فَيَحْفَى سَرِيعًا ، وَلْيَكُنْ أَمْلَسَ الْعُودِ مُزَالَ الْعُقُودِ ، فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي بِآخِرِهِ عُقْدَةٌ يُورِثُ الْفَقْرَ . حَكَاهُ صَاحِبُ تَارِيخِ إِرْبَلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ ، وَاسِعَ الْفَتْحَةِ ، طَوِيلَ الْجِلْفَةِ ، مُحَرَّفَ الْقِطَّةِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ عَادَتُهُ الْكِتَابَةُ بِالْمُدَوَّرِ ، وَمَا يُقَطُّ عَلَيْهِ صُلْبًا جِدًّا ، وَيُحْمَدُ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ وَخَشَبُ الْآبَنُوسِ النَّاعِمِ ، وَسِكِّينُ قَلَمِهِ أَحَدُّ مِنَ الْمُوسَى ، صَافِيَةُ الْحَدِيدِ ، وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا فِي غَيْرِهِ . كَمَا بَيَّنَ أَكْثَرَهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ .

وَلَا يَتَوَرَّعُ منْ كِتَابَةِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ مَحْبَرَةِ غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ ، إِلَّا إِنْ عَلِمَ عَدَمَ رِضَاهُ ، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو جَعْفَرٍ الْأَنْمَاطِيُّ مِرْبَعٌ : كُنْتُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَحْبَرَةٌ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا ؛ فَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَكْتُبَه مِنْهَا ، فَقَالَ لِي : اكْتُبْ يَا هَذَا ، فَهَذَا وَرَعٌ مُظْلِمٌ . وَلِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ الِاحْتِيَاجِ لِضَبْطِ الْفَوَائِدِ وَنَحْوِهَا ؛ قِيلَ : مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ بِلَا مَحْبَرَةٍ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْكُدْيَةِ . وَعنِ الْمُبَرِّدِ قَالَ : رَأَيْتُ الْجَاحِظَ يَكْتُبُ شَيْئًا ، فَتَبَسَّمَ ؛ فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ ؟ فَقَالَ : إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقِرْطَاسُ صَافِيًا ، وَالْمِدَادُ نَامِيًا ، وَالْقَلَمُ مُوَاتِيًا ، وَالْقَلْبُ خَالِيًا ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ عانِيًا .

وَكَمَا يُهْتَمُّ بِضَبْطِ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي انْجَرَّ الْكَلَامُ إِلَيْهَا - بِالنَّقْطِ - : كَذِلِكَ يُهْتَمُّ بِضَبْطِ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ جَلِيِّهَا وَخَفِيِّهَا ، أَوْ خَفِيِّهَا فَقَطْ كَمَا اتَّضَحَ هُنَاكَ بِعَلَامَةٍ لِلْإِهْمَالِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِعْجَامِهَا ؛ إِذْ رُبَّمَا يَحْصُلُ بِإِغْفَالِهِ خَلْطٌ . كَمَا يُحْكَى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَمَرَ عَامِلًا لَهُ فِي رِسَالَةٍ أَنْ يُحْصِيَ مَنْ قِبَلَهُ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ وَيَأْمُرَهُمْ بِكِيتَ وَكِيتَ ، فَقَرَأَهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، إِلَى أَنْ وَقَفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ .

موقع حَـدِيث