حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

التَّصْحِيحُ وَالتَّمْرِيضُ

التَّصْحِيحُ وَالتَّمْرِيضُ وهو التضبيب ( التَّصْحِيحُ ) وَهُوَ كِتَابَةُ ( صَحَّ ) ( وَالتَّمْرِيضُ ) وَهُوَ التَّضْبِيبُ . ( وَكَتَبُوا ) أَيْ : مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَهْلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ : ( صَحَّ ) تَامَّةً كَبِيرَةً ، أَوْ صَغِيرَةً وَهُوَ أَحْسَنُ ( عَلَى ) أَيْ : فَوْقَ ( الْمُعَرَّضِ ) مِنْ حَرْفٍ فَأَكْثَرَ ( لِلشَّكِّ ) أَوِ لْخِلَافِ فِيهِ لِأَجْلِ تَكْرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ ( إِنْ نَقَلَا ) أَيْ : رِوَايَةً ( وَمَعْنًى ارْتُضِي ) الْمُصَحَّحُ عَلَيْهِ إِشَارَةً بِهَا إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَغْفُلْ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ قَدْ ضُبِطَ وَصَحَّ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِئَلَّا يُبَادِرَ الْوَاقِفَ ممَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ إِلَى تَخْطِئَتِهِ . وَقَالَ يَاقُوتٌ الرُّومِيُّ ثُمَّ الْحَمَوِيُّ الْكَاتِبُ : بَلْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِيهِ ؛ فَبَحَثَ فِيهِ إِلَى أَنْ صَحَّ ؛ فَخَشِيَ أَنْ يُعَاوِدَهُ الشَّكُّ ؛ فَكَتَبَهَا لِيَزُولَ عَنْهُ الشَّكُّ فِيمَا بَعْدُ .

ثُمَّ إِنَّ كَوْنَهَا تُكْتَبُ عْلَى الْحَرْفِ هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَحْسَنُ ، وَإِلَّا فَلَوْ كُتِبَتْ عِنْدَهُ بِالْحَاشِيَةِ مَثَلًا لَا بِجَانِبِهِ لِئَلَّا يُلْتَبَسَ ، كَفَى . لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ : كِتَابَةُ ( صَحٍّ ) عَلَى الْكَلَامِ أَوْ عِنْدَهُ ، كَمَا أَنَّ كِتَابَتَهَا عَلَى الْمُكَرَّرِ مِنَ الْمُعَرَّضِ هُوَ الْأَشْهَرُ أَيْضًا . وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ إِذَا تَكَرَّرَتْ كَلِمَاتٌ أَوْ كَلِمَةٌ يَكْتُبُ عَدَدَهَا فِي الْحَاشِيَةِ بِحُرُوفِ الْجُمَلِ .

( وَ ) كَذَا ( مَرَّضُوا فَضَبَّبُوا ) مَا مَرَّضُوهُ حَيْثُ جَعَلُوا ( صَادًا ) مُهْمَلَةً مُخْتَصَرَةً مِنْ صَحَّ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْجَمَةً مِنْ ( ضَبَّة ) ( تُمَدْ ) بِدُونِ تَجْوِيفٍ لِلْمَدِّ ، بَلْ هَكَذَا صَـ ( فَوْقَ الَّذِي صَحَّ ) مِنْ حَرْفٍ فَأَكْثَرَ ، ( وُرُودًا ) أَيْ : مِنْ جِهَةِ الْوُرُودِ فِي الرِّوَايَةِ ، ( وَ ) لَكِنْ ( فَسَدْ ) مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَائِزٍ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ ، أَوْ شَاذًّا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِهَا ، أَوْ مُصَحَّفًا أَوْ نَاقِصًا لِكَلِمَةٍ فَأَكْثَرَ ، أَوْ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا ، أَوْ أَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ لِلْإِشَارَةِ بِالْمُمَرَّضِ ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِخَطِّ الضَّرْبِ الْآتِي ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِغَرِ فَتْحَتِهَا إِشَارَةً بِنِصْفِ صَحَّ إِلَى أَنَّ الصِّحَّةِ لَمْ تَكْمُلْ فِي ذَاكَ الْمَحَلِّ مَعَ صِحَّةِ نَقْلِهِ وَرِوَايَتِهِ كَذَلِكَ ، وَتَنْبِيهًا بِهِ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مُتَثَبِّتٌ فِي نَقْلِهِ غَيْرُ غَافِلٍ ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ التَّمْرِيضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ تَحَتُّمِ الْخَطَأِ فِي الْمُعَلَّمِ عَلَيْهِ ، بَلْ لَعَلَّ غَيْرَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِمَّنْ يَقِفُ عَلَيْهِ يُخَرِّجُ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا . يَعْنِي : وَيَتَّجِهُ الْمَعْنَى كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ ، أَوْ يَظْهَرُ لَهُ هُوَ بَعْدُ فِي تَوْجِيهِ صِحَّتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْآنَ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ تَكْمِيلُهَا ( صَحَّ ) الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الْمُعَرَّضِ لِلشَّكِّ . وَوَجَدْتُ فِي كَلَامِ يَاقُوتٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الضَّبَّةُ - وَهِيَ بَعْضُ ( صَحَّ ) - تُكْتَبُ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ شَكٌّ ؛ لِيُبْحَثَ فِيهِ ، فَإِذَا تَحَرَّرَ لَهُ أَتَمَّهَا بِالْحَاءِ فَتَصِيرُ ( صَحَّ ) ، وَلَوْ جَعَلَ لَهَا عَلَامَةً غَيْرَهَا لَتَكَلَّفَ الْكَشْطَ لَهَا ، وَكَتَبَ ( صَحَّ ) مَكَانَهَا .

انْتَهَى . وَكَوْنُ الضَّبَّةِ لَيْسَتْ لِلْجَزْمِ بِالْخَطَأِ مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ الصَّوَابُ مِنْ سَدِّ بَابِ الْإِصْلَاحِ خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ تَوْجِيهِ مَا ظُنَّ خَطَؤُهُ . وَقَدْ تَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ - وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُحَدِّثِينَ كَمَا أَفَادَهُ عِيَاضٌ - كَأَبِي الْوَلِيدِ هِشَامِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَقْشِيِّ أَحَدِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ .

فَكَانَ كَمَا قَالَ تِلْمِيذُهُ عِيَاضٌ : إِذَا مَرَّ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ وَجْهُهُ أَصْلَحَهُ بِمَا يَظُنُّ اعْتِمَادًا عَلَى وُثُوقِهِ بِعِلْمِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ ، وَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ ، وَأَنَّ مَا غَيَّرَهُ إِلَيْهِ خَطَأٌ فَاسِدٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي إِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ . وَإِنْ كَانَ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ خَطَأً مَحْضًا عِنْدَ كُلِّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ ، كَتَبَ فَوْقَهُ ( كَذَا ) صَغِيرَةً ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ ، وَبَيَّنَ الصَّوَابَ بِالْهَامِشِ كَمَا سَيَأْتِي فِي إِصْلَاحِ اللَّحْنِ . وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الضَّبَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ إِمَّا مِنْ ضَبَّةِ الْقَدَحِ الَّتِي تُجْعَلُ لِمَا يَكُونُ بِهِ مِنْ كَسْرٍ أَوْ خَلَلٍ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَلَا يُخْدَشُ فِيهِ بِأَنَّ ضَبَّةَ الْقَدَحِ لِلْجَبْرِ وَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ جَابِرَةً ، فَالتَّشْبِيهُ فِي كَوْنِهَا جُعِلَتْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ خَلَلٌ .

وَإِمَّا مِنْ ضَبَّةِ الْبَابِ لِكَوْنِ الْحَرْفِ مُقْفَلًا لَا يَتَّجِهُ لِقِرَاءَةٍ ، كَمَا أَنَّ الضَّبَّةَ يُقْفَلُ بِهَا ، أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ ، عُرِفَ بِابْنِ الْإِفْلِيلِيِّ بِكَسْرَةِ الْهَمْزَةِ وَفَاءٍ ، نِسْبَةً إِلَى إِفْلِيلَ قَرْيَةٍ بِرَأْسِ عَيْنٍ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ ، لِكَوْنِ سَلَفِهِ نَزَلُوها ، يَرْوِي عَنِ الْأُصَيْلِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ أَبُو مَرْوَانَ الطُّبْنِيُّ ، مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً . قَالَ التِّبْرِيزِيُّ فِي ( مُخْتَصَرِهِ ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِشَارَةً إِلَى صُورَةِ ضَبَّةٍ لِيُوَافِقَ صُورَتُهَا مَعْنَاهَا . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا مَا حَاصِلُهُ : مُقْتَضَى تَسْمِيَتِهَا ضَبَّةً أَنْ تَكُونَ ضَادُهَا مُعْجَمَةً ، وَمُقْتَضَى تَتْمِيمِهَا بِحَاءِ ( صَحَّ ) أَنْ تَكُونَ مُهْمَلَةً .

قَالَ : لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ مُعْجَمَةً . ( وَ ) لَمْ يَخُصُّوا الضَّبَّةَ بِمَا تَقَدَّمَ ، بَلْ ( ضَبَّبُوا ) أَيْضًا ( فِي ) مَوْضِعِ ( الْقَطْعِ وَالْإِرْسَالِ ) لِيَشْتَرِكَ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ السَّقْطِ الْعَارِفُ وَغَيْرُهُ ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا يُدْرِكُهُ الْعَارِفُ إِلَّا بِالنَّظَرِ ، فَيُكْفَى بِمَا يَثِقُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مُؤْونَةَ التَّعَبِ بِالتَّفْتِيشِ . ( وَبَعْضُهُمْ فِي الْأَعْصُرِ الْخَوَالِي ) حَسْبَمَا وُجِدَ فِي الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ ( يَكْتُبُ ) أَيْضًا ( صَادًا عِنْدَ عَطْفِ الِاسْمَا ) بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ حَيْثُ يُقَالُ مَثَلًا : حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ .

فـَ ( تُوهِمُ ) مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ كَوْنَهَا ( تَضْبِيبًا ) وَلَيْسَتْ بِضَبَّةٍ ، بَلْ كَأَنَّهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : عَلَامَةُ وَصْلٍ فِيمَا بَيْنَها ، أُثْبِتَتْ تَأْكِيدًا لِلْعَطْفِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَ الْخَبِيرِ مَكَانَ الْوَاوِ عَنْ . ( كَذَاكَ إِذْ ) أَيْ : حَيْثُ ( مَا يَخْتَصِرُ التَّصْحِيحَ بَعْضٌ ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الصَّادِ . ( يُوهِمُ ) أَيْضًا كَوْنَهُ تَضْبِيبًا ، بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيهَامِ مِمَّا قَبْلَهُ ، ( وَإِنَّمَا يُمَيِّزُهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ ( مَنْ يَفْهَمُ ) ؛ فَالْفِطْنَةُ وَالْإِتْقَانُ مِنْ خَيْرِ مَا أُوتِيَهُ الْإِنْسَانُ .

موقع حَـدِيث