الرِّوَايَةُ مِنَ الْأَصْلِ
الْفَصْلُ الثَّانِي ( الرِّوَايَةُ مِنَ الْأَصْلِ ) أَوِ الْفَرْعِ الْمُقَابَلِ ، وَوُجُوبُ ذَلِكَ ، وَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنَ الْحِفْظِ وَالْكِتَابِ عِنْدَ تَخَالُفِهِمَا . ( وَلْيَرْوِ ) الْمُحَدِّثُ إِذَا رَامَ أَدَاءَ شَيْءٍ مِمَّا تَحَمَّلَهُ بِالسَّمَاعِ أَوِ الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا . ( مِنْ أَصْلٍ ) تَحَمَّلَ مِنْهُ ، ( أَوْ ) مِنَ الْفَرْعِ ( الْمُقَابَلِ ) الْمُقَابَلَةَ الْمُتْقَنَةَ ( بِهِ ) أَيْ : بِالْأَصْلِ ، وَهُوَ شَرْطٌ ( وَلَا يَجُوزُ ) الْأَدَاءُ ( بِالتَّسَاهُلِ ) بِأَنْ يَرْوِيَ ( مِمَّا ) لَمْ يَكُنْ سَمَاعُهُ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ أَصْلًا ( بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ ) يَعْنِي سَمَاعَهُ ( أَوْ ) كَانَ فَرْعًا ( أَخَذَا عَنْهُ ) أَيْ : عَنِ الشَّيْخِ مِنْ ثِقَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ بِحَيْثُ تَسْكُنُ نَفْسُهُ إِلَى صِحَّتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ ( لَدَى ) أَيْ : عِنْدَ ( الْجُمْهُورِ ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَمَا حَكَّاهُ الْخَطِيبُ ، وَقَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ ابْنُ الصَّبَّاغِ الْفَقِيهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَقَطْ .
حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْهُ بَلَاغًا ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا زَوَائِدُ لَيْسَتْ فِي نُسْخَةِ سَمَاعِهِ . ( وَ ) لَكِنْ قَدْ ( أَجَازَ ذَا ) أَيِ : الْأَدَاءَ مِنْ كِلَيْهِمَا ( أَيُّوبُ ) بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ . ( وَ ) أَبُو عُثْمَانَ أَوْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ( الْبُرْسَانُ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، وَسِينٌ مُهْمَلَةٌ ، مَعَ حَذْفِ يَاءِ النِّسْبَةِ ، نِسْبَةً لِقَبِيلَةٍ مِنَ الْأَزْدِ ، الْبَصْرِيُّ ( قَدْ أَجَازَهُ ) أَيْضًا تَرَخُّصًا مِنْهُمَا .
قَالَ الْخَطِيبُ : ( وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّهُ مَتَى عُرِفَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا النُّسْخَةُ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ الشَّيْخِ ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهَا إِذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ لَهَا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْمُقَابَلَةِ مِنْ جَوَازِ الرِّوَايَةِ مِنْ فَرْعٍ كُتِبَ مِنْ أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُقَابَلْ ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ حِينَ الرِّوَايَةِ . وَإِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيُّوبُ وَالْبُرْسَانِيُّ جَنَحَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ) . ( وَ ) كَذَا ( رَخَّصَ ) فِيهِ أَيْضًا ( الشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ لَكِنْ ( مَعَ ) وُقُوعِ ( الْإِجَازَهْ ) مِنَ الْمُسْمِعِ لَهُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ ، أَوْ بِسَائِرِ مَرْوِيَّاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كُلِّ سَمَاعٍ عَنْهَا احْتِيَاطًا لِيَقَعَ مَا يَسْقُطُ فِي السَّمَاعِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلِمَةٍ فَأَكْثَرَ مَرْوِيًّا بِالْإِجَازَةِ .
قَالَ : ( وَلَيْسَ فِيهِ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ بِالْإِجَازَةِ بِلَفْظِ أَنَا أَوْ : ثَنَا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلْإِجَازَةِ فِيهَا ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ التَّسَامُحِ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي النُّسْخَةِ سَمَاعُ شَيْخِ شَيْخِهِ ، أَوْ هِيَ مَسْمُوعَةٌ عَلَى شَيْخِ شَيْخِهِ ، أَوْ مَرْوِيَّةٌ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ ، فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ ، وَلِشَيْخِهِ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ ) . قَالَ : ( وَهَذَا تَيَسُّرٌ حَسَنٌ - هَدَانَا اللَّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَهُ . وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ مَاسَّةٌ فِي زَمَانِنَا جِدًّا ) .
يَعْنِي لِمَزِيدِ التَّوَسُّعِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بَقَاءُ السِّلْسِلَةِ خَاصَّةً ، حَتَّى إِنَّهُ صَارَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ : هَذَا الْكِتَابُ ، أَوِ هذا الْجُزْءُ مِنْ رِوَايَتِكَ . يُمَكِّنُهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا نَظَرٍ فِي النُّسْخَةِ وَلَا تَفَقُّدِ طَبَقَةِ سَمَاعٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْبَحْثِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى حُصُولِ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ أَصْلِ السَّمَاعِ فَضْلًا عَنِ الْمَسْمُوعِ . ( وَإِنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتَابَهُ ) وَقُلْنَا بِالْمُعْتَمَدِ مِنَ أن الِاكْتِفَاءِ فِي الرِّوَايَةِ بِكِتَابِهِ الْمُتْقَنِ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا ، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَفِظَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى ، ( وَ ) إِنْ يَكُنْ ( لَيْسَ ) حَفِظَ ( مِنْهُ ) وَإِنَّمَا حَفِظَ مِنْ فَمِ الْمُحَدِّثِ أَوْ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ .
( فَـ ) قَدْ رَأَوْا ) أَيْ : أَهْلُ الْحَدِيثِ ( صَوَابَهُ الْحِفْظَ ) ؛ أَيِ : اعْتِمَادَ الْحِفْظِ إِذَا كَانَ ( مَعَ تَيَقُّنٍ ) وَتَثَبُّتٍ فِي حِفْظِهِ ، أَمَّا مَعَ الشَّكِّ أَوْ سُوءِ الْحِفْظِ فَلَا ، ( وَالْأَحْسَنُ ) مَعَ التَيَقُّنِ ( الْجَمْعُ ) بَيْنَهُمَا ؛ فَيَقُولُ : حِفْظِي كَذَا ، وفي كِتَابِي كَذَا . كَمَا فَعَلَ هَمَّامٌ وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى حُلَّةً بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ نَاقَةً ، فَقَالَ : هَكَذَا فِي حِفْظِي ، وَفِي كِتَابِي ثَوْبَيْنِ . هَذَا مَعَ عَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا ، فَالْحُلَّةُ لَا تُسَمَّى كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَفَعَلَهُ شُعْبَةُ حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ : ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ : هَكَذَا فِي حِفْظِي ، وَهُوَ سَاقِطٌ فِي كِتَابِي فِي آخَرِينَ مِنَ الْحُفَّاظِ . وَذَلِكَ ( كَالْخِلَافِ مِمَّنْ يُتْقِنُ ) مِنَ الْحُفَّاظِ لَهُ فِيمَا حَفِظَهُ حَيْثُ يَحْسُنُ فِيهِ أَيْضًا - كَمَا كَانَ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا يَفْعَلُونَ - بَيَانُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ، فَيَقُولُ : فِي حِفْظِي كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ فِيهِ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ . بَلْ قِيلَ لِشُعْبَةَ حِينَ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ قَالَ : إِنَّهُ فِي حِفْظِهِ كَذَلِكَ ، وَفِي زَعْمِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ خِلَافُهُ - : يَا أَبَا بِسْطَامَ ، حَدِّثْنَا بِحِفْظِكَ وَدَعْنَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ .
فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ عُمْرِيَ فِي الدُّنْيَا عُمُرُ نُوحٍ ، وَأَنِّي حَدَّثْتُ بِهَذَا وَسَكَتُّ عَنْ هَذَا . وَرُبَّمَا ذَكَرَ مَا قَدْ يَتَرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ، كَقَوْلِهِ : وَقَالَ فِيهِ فُلَانٌ وَكَانَ أَحْفَظَ مِنِّي وَأَكْثَرَ مُجَالَسَةً لِشَيْخِهِ مِنِّي .