الِاقْتِصَارُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ
( أمَّا إِذَا قُطِّعَ ) الْمَتْنُ الْوَاحِدُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى عِدَّةِ أَحْكَامٍ ، كَحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهِ ، ( فِي الْأَبْوَابِ ) الْمُتَفَرِّقَةِ بِأَنْ يُورِدَ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهُ فِي الْبَابِ الْمَعْقُودِ لَهَا ، ( فَهُوَ ) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَابَعَهُ ، يَعْنِي : إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْعَوَارِضِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَسْرِهَا ، ( إِلَى الْجَوَازِ ) مِنَ الْخِلَافِ ( ذُو اقْتِرَابٍ ) ، وَمِنَ الْمَنْعِ ذُو ابْتِعَادٍ . وَصَرَّحَ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ بِالْخِلَافِ فِيهِ ، وَأَنَّ الْمَنْعَ ظَاهِرُ صَنِيعِ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّهُ ج٣ / ص١٤٢لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ مَا قَصَدَهُ الْبُخَارِيُّ مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ يُورِدُ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْطِيعٍ لَهُ وَلَا اخْتِصَارٍ إِذَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ : مِثْلَ حَدِيثِ فُلَانٍ أَوْ نَحْوَهُ . وَلَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ يَبْعُدُ طَرْدُ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، بَلْ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَإِنِ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّشِيدِ خِلَافَهُ ، وَنُسِبَ أَيْضًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ، إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالتَّأْلِيفِ .
وَكَذَا حَكَى الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَن لَّا يَفْعَلَ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الكَرَاهَةٍ . يَعْنِي : فَإِنَّهُ إِخْرَاجٌ لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي أُورِدَ عَلَيْهَا .
لَكِنْ قَدْ نَازَعَهُ النَّوَوِيُّ ؛ فَقَالَ : مَا أَظُنُّ غَيْرَهُ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ بَالَغَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ وَكَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَحَبًّا . قُلْتُ : لَا سِيَّمَا إِذْا كَانَ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ تِلْكَ الْقِطْعَةِ يَدِقُّ ، فَإِنَّ إِيرَادَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِتَمَامِهِ يَقْتَضِي مَزِيدَ تَعَبٍ فِي اسْتِخْلَاصِهِ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِشْهَادِ ، فَفِيهِ تَخْفِيفٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ . وَالتَّحْقِيقُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ( شَرْحِ الْإِلْمَامِ ) التَّفْصِيلُ ، فَإِنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ الْمَحْذُوفُ بِالْبَاقِي فَلَا كَرَاهَةَ ، وَإِنْ نَزَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَرَتَّبَتِ الْكَرَاهَةُ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِ فِي ظُهُورِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَخَفَائِهِ .