حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الرِّوَايَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ

الْفَصْلُ التَّاسِعُ ( الرِّوَايَةُ مِنْ ) أَثْنَاءِ ( النُّسَخِ الَّتِي إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ ) . ( وَالنُّسَخُ ) وَالْأَجْزَاءُ ( الَّتِي ) مُتُونُهَا ( بإِسْنَادٍ ) وَاحِدٍ ( قَطُ ) أَيْ : فَقَطْ ، كَنُسْخَةِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ ، وَنُسْخَةِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَنُسْخَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ( تَجْدِيدُهُ ) أَيِ : الْإِسْنَادِ ( فِي كُلِّ مَتْنٍ ) مِنْهَا ( أَحْوَطُ ) كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ ، بَلْ أَوْجَبَهُ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ . ( وَ ) لَكِنِ ( الْأَغْلَبُ ) أَيِ : الْأَكْثَرُ مِنْ صَنِيعِهِمْ ، ( الْبَدْءُ بِهِ ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ فِي أَوَّلِهَا ، أَوْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ سَمَاعِهَا ، ( وَيُذْكَرُ مَا بَعْدَهُ ) مِنَ الْأَحَادِيثِ ( مَعْ ) بِالسُّكُونِ ، قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا : ( وَبِهِ ) أَيْ : وَبِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ أَوِ السَّنَدِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، ( وَالْأَكْثَرُ ) وَمِنْهُمْ وَكِيعٌ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ ، ( جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا ) مِنْ أَحَادِيثِهَا مِنْ أَيِ مَكَانٍ شَاءَ ( بِالسَّنَدْ ) الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ( لِآخِذٍ كَذَا ) أَيْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِمَنْ سَمِعَهَا كَذَلِكَ .

أَمَّا وَكِيعٌ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ : الْمُحَدِّثُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ . ثُمَّ يَقُولُ فِيمَا بَعْدَهُ : وَعَنْ مَنْصُورٍ . ، فَهَلْ يُقَالُ فِي كُلٍّ ذَلِكَ : ثَنَا فُلَانٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِهِ .

وَأَمَّا ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ : أَحَادِيثُ هَمَّامٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَهَا . وَقَالَ - إِذْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ وَرْقَاءَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ : عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . يَعْنِي ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ تَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْرِجَهَا إِنْسَانٌ فَيَكْتُبَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ : وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ؟ - : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .

وَأَمَّا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : إِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا جُعِلَ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ لِعِدَّةٍ مِنَ الْمُتُونِ أَنْ يُجَدَّدَ الْإِسْنَادُ لِكُلِّ مَتْنٍ . وَمَنَعَ مِنْهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَاينِيُّ فِي الْأَسْئِلَةِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا الْحَافِظُ أَبُو سَعْدِ بْنُ عَلِيَّكَ . وَقَالَ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ الْإِسْنَادُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا لِمَنْ سَمَاعُهُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ .

وَكَذَا مَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَرَآهُ تَدْلِيسًا ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ إِيهَامِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ سَمِعَ بِتَكْرَارِ السَّنَدِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مُكَرَّرًا تَحْقِيقًا لَا حُكْمًا وَتَقْدِيرًا ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ التَّحَمُّلِ . وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ لَهُ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ تَقْطِيعِ الْمَتْنِ الْوَاحِدِ فِي أَبْوَابٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْمَتْنِ ، وَقَرِيبُ الشَّبَهِ بِالنَّقْلِ مِنْ أَثْنَاءِ الْكُتُبِ الَّتِي يَقَعُ إِيرَادُ السَّنَدِ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَوِ الْمَجْلِسِ . وَكَذَا فِي آخِرِهِ غَالِبًا لِأَجْلِ مَنْ يَتَجَدَّدُ مِنَ السَّامِعِينَ ، وَيُكْتَفَى فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا بِقَوْلِهِ : وَبِهِ .

حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ ، بَلْ لَا فَرْقَ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْعُ عَلَى التَّنْزِيهِي وَمَا يُخَالِفُ الْأَوْلَى ، لَا عَلَى التَّحَتُّمِي إِذْ لَا وَجْهَ لِلْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : بَابُ الرِّوَايَةِ اتِّبَاعٌ لَا ابْتِدَاعٌ ، وَهُوَ لَمْ يُرْوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مُبْتَدَعَاتِهَا لَا مِنَ اتِّبَاعَاتِهَا . ( وَالْإِفْصَاحُ ) بِصُورَةِ الْحَالِ وَإِنْ جَازَ مَا تَقَدَّمَ ( أَسَدْ ) بِالْمُهْمَلَةِ ، أَيْ أَقْوَمُ وَأَحْسَنُ ، كَمَا يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيفَةِ هَمَّامٍ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ سِيَاقِ إِسْنَادِهِ إِلَى هَمَّامٍ : إِنَّهُ قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَصُّهُ : .

، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا . ، وَيَسُوقُ الْمَتْنَ الَّذِي يَرُومُ إِيرَادَهُ ، وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْ هَذَا فِيمَا يُورِدُهُ مِنَ النُّسْخَةِ الْمَذْكُورَةِ . وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا قَدَّمَ أَوَّلَ حَدِيثٍ مِنَ الصَّحِيفَةِ ، وَهُوَ حَدِيثُ ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) .

ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ ، وَلِذَا قَلَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى مَقْصِدِ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى التَّكْلِفِ بَيْنَ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَاسْتَعْمَلَ قُوَاهُ فِي ذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يَطَّرِدْ له عَمَلُهُ فِي جَمِيعِ مَا يُورِدُهُ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ ، بَلْ أَوْرَدَ مِنْهَا فِي الطَّهَارَةِ ، وَفِي الْبُيُوعِ ، وَفِي النَّفَقَاتِ ، وَالشَّهَادَاتِ ، وَالصُّلْحِ ، وَقِصَّةِ مُوسَى ، وَالتَّفْسِيرِ ، وَخَلْقِ آدَمَ ، وَالِاسْتِئْذَانِ ، وَفِي الْجِهَادِ فِي مَوَاضِعَ ، وَفِي الطِّبِّ ، وَاللِّبَاسِ ، وَغَيْرِهَا ، فَلَمْ يُصْدِرْ شَيْئًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِالْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، لَكِنْ قَدْ فَعَلَهُ الْبُخَارِيُّ أَحْيَانًا فِي تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ أَيْضًا . وَمِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ لَا تَبُولُوا فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَنَا شُعَيْبٌ ، ثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) .

وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ : ( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ . ) الْحَدِيثَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَتَا فِي ابْتِدَائِهِمَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ فِي إِحْدَاهُمَا إِلَّا وَهُوَ فِي الْأُخْرَى .

وَسَبَقَهُمَا إِلَى نَحْوِهِ مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِي بَابِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَتَمَةِ مِنْ ( مُوَطَّئِهِ ) مُتُونًا بِسَنَدٍ وَاحِدٍ ، أَوَّلُهَا : ( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَوْكٍ ) ، وَآخِرُهَا : ( لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعَتَمَةِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) وَلَيْسَ غَرَضُهُ منها إِلَّا الْأَخِيرَ ، وَلَكِنَّهُ أَدَّاهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمِعَهَا بِهِ . وَكَذَا وَافَقَ عَلَى مُطْلَقِ الْبَيَانِ آخَرُونَ . ( وَمَنْ يُعِيدُ سَنَدَ الْكِتَابِ ) أَوِ الْجُزْءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، ( مَعْ آخِرِهِ ) أَيْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ ، فَقَدِ ( احْتَاطَ ) لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ وَتَضَمُّنِ إِجَازَةٍ بَالِغَةٍ مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَات ، وَلَكِنْ ( خُلْفًا مَا رَفَعَ ) أَيْ : لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ الْخِلَافَ ، مِنْ أَجْلِ عَدَمِ اتِّصَالِ السَّنَدِ بِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا ، بَلِ الْخِلَافُ الْمَاضِي فِي إِفْرَادِ كُلِّ حَدِيثٍ لَمْ يَزُلْ بِذَلِكَ .

موقع حَـدِيث