إِبْدَالُ الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ وَعَكْسُهُ
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ ( إِبْدَالُ الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ وَعَكْسُهُ ) . ( وَإِنْ رَسُولٌ ) وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ بِأَنْ قِيلَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِنَبِيٍّ ) أَيْ : بِلَفْظِ النَّبِيِّ ( أُبْدِلَا ) وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَوِ الْأَدَاءِ أَوِ الْكِتَابَةِ ، ( فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ ) مِنْهُ ، وَالتَّقَيُّدُ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ ( كَعَكْسٍ فُعِلَا ) بِأَنْ يُبْدَلَ مَا الرِّوَايَةُ فِيهِ بِلَفْظِ النَّبِيِّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ جَازَتِ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُنَا مُخْتَلِفٌ . يَعْنِي بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَسَاوِي مَفْهُومَيْهِمَا .
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبَ مِنْ كِتَابِهِ نَبِيَّ اللَّهِ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ بَدَلَهُ . لَكِنْ قَالَ الْخَطِيبُ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ ، بَلْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي اتِّبَاعِ الْمُحَدِّثِ فِي لَفْظِهِ . ( وَقَدْ رَجَى جَوَازَهُ ابْنُ حَنْبَلِ ) نَفْسُهُ حَيْثُ قَالَ - إِذْ سَأَلَهُ ابْنُهُ صَالِحٌ : إنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ رَسُولُ اللَّهِ فَيَجْعَلُ الْإِنْسَانُ بَدَلَهُ النَّبِيَّ - : أَرْجُو أَن لَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .
وَكَذَا جَوَّزَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، بَلْ قَالَ لِعَفَّانَ وَبَهْزٍ لَمَّا جَعَلَا يُغَيِّرَانِ النَّبِيَّ - يَعْنِي الْوَاقِعَ فِي الْكِتَابِ - بِـ رَسُولِ اللَّهِ - يَعْنِي الْوَاقِعَ مِنَ الْمُحَدِّثِ - : أَمَّا أَنْتُمَا فَلَا تَفْقَهَانِ أَبَدًا . وَالْإِمَامُ ( النَّوَوِي ) بِالسُّكُونِ ، أَيْضًا ( صَوَّبَهُ ) أَيِ الْجَوَازَ ( وَهْوَ جَلِي ) وَاضِحٌ ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ . وَقَوْلُ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ .
لَا يَمْنَعُهُ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّفَتَيْنِ ، وَلَيْسَ الْبَابُ بَابَ تَعَبُّدٍ بِاللَّفْظِ لَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَعَنِ الْبَدْرِ ابْنِ جَمَاعَةَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالْجَوَازِ فِي إِبْدَالِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ خَاصَّةً لَمَا بَعُدَ ؛ لَأَنَّ فِي الرَّسُولِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ الرِّسَالَةُ ، إِذْ كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا عَكْسَ ، وَبَيَانُهُ أَنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ النَّبَأِ ، وَهُوَ الْخَبَرُ ، فَالنَّبِيُّ فِي الْعُرْفِ هُوَ الْمُنَبَّأُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي تَكْلِيفًا ، فَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ رَسُولٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ نَبِيٌّ غَيْرُ رَسُولٍ . وَحِينَئِذٍ فَالنَّبِيُّ وَالرَّسُولُ اشْتَرَكَا فِي أَمْرٍ عَامٍّ وَهُوَ النَّبَأُ ، وَافْتَرَقَا فِي الرِّسَالَةِ ، فَإِذَا قُلْتَ : فُلَانٌ رَسُولٌ .
تَضَمَّنَ أَنَّهُ نَبِيٌّ رَسُولٌ ، وَإِذَا قُلْتَ : فُلَانٌ نَبِيٌّ . لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنَّهُ رَسُولٌ . وَلَكِنْ قَدْ نَازَعَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي قَوْلِهِمْ : كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ .
حَيْثُ قَالَ : هُوَ كَلَامٌ يُطْلِقُهُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُكْرَمِينَ بِالرِّسَالَةِ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ . قُلْتُ : وَلِذَا قَيَّدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ بِالرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ . وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي تَعَلُّيمِ مَا يُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ ، إِذْ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْدَالَهُ لَفْظَ النَّبِيِّ بِـ الرَّسُولِ ، فَقَالَ : ( لَا ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِجَوَازِ تَغْيِيرِ النَّبِيِّ خَاصَّةً ، بَلِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِمُجَرَّدِ الْمَنْعِ مَمْنُوعٌ بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ ، فَلَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ ، بَلْ تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ ، إِذْ رُبَّمَا كَانَ فِيهِ خَاصِّيَّةٌ وَسِرٌّ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ ، أَوْ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ .
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، فَهُوَ إِذَا أَكْمَلُ فَائِدَةً ، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَوْلِهِ : ( وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) . وَأَيْضًا فَالْبَلَاغَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ لِعَدَمِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ لِوَصْفٍ وَاحِدٍ فِيهِ . زَادَ بَعْضُهُمْ : أَوْ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ ( بِرَسُولِكَ ) يُدْخِلُ جِبْرِيلَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ .