آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَلِلْحَدِيثِ رَتِّلِ ) اسْتِحْبَابًا إِنْ لَمْ يُخَفْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا تَسْرُدْهُ سَرْدًا ، أَيْ لَا تُتَابِعِ الْحَدِيثَ اسْتِعْجَالًا ، بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ أَوْ يَمْنَعَ السَّامِعَ مِنْ إِدْرَاكِ بَعْضِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ( لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرْدَكُمْ ) . زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : ( إِنَّمَا كَانَ حَدِيثُهُ فَهْمًا تَفْهَمُهُ الْقُلُوبُ ) . وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فيمَّا قَالَ : إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ : ( وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ ) .
ج٣ / ص٢٤٦وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَسْرُدُونَ الْحَدِيثَ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ بَعْضُهُ ، بَلِ اعْتُذِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ ، بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْمَحْفُوظِ ، لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَهْلِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَدِيثِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيِّ . وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ . فَإِذَا خَفِيَ الْبَعْضُ فَأَوْلَى أَنْ يُنْكَرَ ، وَلِذَا قِيلَ كَمَا سَلَفَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ : ( شَرُّ الْقِرَاءَةِ الْهَذْرَمَةُ ) .
وَقَدْ قَالَ النَّحَّاسُ فِي ( صِنَاعَةِ الْكِتَابِ ) : قَوْلُهُمْ : سَرَدَ الْكَاتِبُ قِرَاءَتَهُ . مَعْنَاهُ : أَحْكَمَهَا . مُشْتَقٌّ مِنْ سَرَدَ الدِّرْعَ إِذَا أَحْكَمَهَا ، وَجَعَلَ حِلَقَهَا وَلَاءً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَحْسَنَ صَنْعَةَ الْمَسَامِيرِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرَّاءَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ ، بَلْ وَحَكَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، أَيْضًا قَدْ تَسَامَحُوا فِي ذَلِكَ ، وَصَارَ الْقَارِئُ يَسْتَعْجِلُ اسْتِعْجَالًا يَمْنَعُ السَّامِعَ مِنْ إِدْرَاكِ حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ بَلْ كَلِمَاتٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خَامِسِ الْفُرُوعِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ . وَلَا تُطِلِ الْمَجْلِسَ ، بَلِ اجْعَلْهُ مُتَوَسِّطًا ، وَاقْتَصِدْ فِيهِ حَذَرًا مِنْ سَآمَةِ السَّامِعِ وَمَلَلِهِ ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى فُتُورِهِ عَنِ الطَّلَبِ وَكَسَلِهِ ، إِلَّا إِنْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَاضِرِينَ لَا يَتَبَرَّمُونَ بِطُولِهِ ، فَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ : إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ .
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : مَنْ أَطَالَ الْحَدِيثَ وَأَكْثَرَ الْقَوْلَ ، فَقَدْ ج٣ / ص٢٤٧عَرَّضَ أَصْحَابَهُ لِلْمَلَالِ وَسُوءِ الِاسْتِمَاعِ ، وَلَأَنْ يَدَعَ مِنْ حَدِيثِهِ فَضْلَةً يُعَادُ إِلَيْهَا ، أَصْلَحُ مِنْ أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُ مَا يَلْزَمُ الطَّالِبَ اسْتِمَاعُهُ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ فِيهِ وَلَا نَشَاطٍ لَهُ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ : قَلِيلُ الْمَوْعَظَةِ مَعَ نَشَاطِ الْمُوعَوظِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ وَافَقَ مِنَ الْأَسْمَاعِ نَبْوَةً ، وَمِنَ الْقَلْبِ مَلَالَةً.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : كُلُّ كَلَامٍ كَثُرَ عَلَى السَّمْعِ وَلَمْ يُطَاوِعْهُ الْفَهْمُ ، ازْدَادَ بِهِ الْقَلْبُ عَمًى ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السَّمْعُ فِي الْآذَانِ إِذَا قَوِيَ فَهْمُ الْقَلْبِ فِي الْأَبْدَانِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ الْبَيْرُوتِيُّ : الْمُسْتَمِعُ أَسْرَعُ مَلَالَةً مِنَ الْمُتَكَلِّمِ ، وَصَحَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمَهُ وَإِنُ قَلَّ ) .