آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ
( وَاجْتَنِبِ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ ( كَتْمَ السَّمَاعِ ) الَّذِي ظَفِرْتَ بِهِ لِشَيْخٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ ج٣ / ص٣٠٣كَتْمَ شَيْخٍ اخْتُصِصْتَ بِمَعْرِفَتِهِ عَمَّنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِخْوَانِكَ الطَّلَبَةِ ؛ رَجَاءَ الِانْفِرَادِ بِهِ عَنْ أَضَرَابِكَ ، ( فَهْوَ ) ؛ أَيِ : الْكَتْمُ ، ( لُؤْمٌ ) مِنْ فَاعِلِهِ يَقَعُ مِنْ جَهَلَةِ الطَّلَبَةِ الْوُضَعَاءِ كَثِيرًا ، وَيُخَافُ عَلَى مُرْتَكِبِهِ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ ؛ إِذْ بَرَكَةُ الْحَدِيثِ إِفَادَتُهُ ، وَبِنَشْرِهِ يَنْمَي وَيَعُمُّ نَفْعُهُ . قَالَ مَالِكٌ : بَرَكَةُ الْحَدِيثِ إِفَادَةُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : أَوَّلُ مَنْفَعَةِ الْحَدِيثِ أَنْ يُفِيدَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
وَعَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، تَعَجَّلُوا بَرَكَةَ هَذَا الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ لَا تَبْلُغُونَ مَا تَأْمَلُونَ مِنْهُ ، لِيُفِدْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ . بَلْ يُرْوَى كَمَا عِنْدَ الْخَطِيبِ فِي جَامِعِهِ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي ( رِيَاضَةِ الْمُتَعَلِّمِينَ ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : ( يَا إِخْوَانِي تَنَاصَحُوا فِي الْعِلْمِ ، وَلَا يَكْتُمْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ؛ فَإِنَّ خِيَانَةَ الرَّجُلِ فِي عِلْمِهِ كَخِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ ، وَاللَّهُ سَائِلُكُمْ عَنْهُ ) . وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي ( الْحِلْيَةِ ) بِلَفْظِ : ( فَإِنَّ خِيَانَةً فِي الْعِلْمِ أَشَدُّ مِنْ خِيَانَةٍ فِي الْمَالِ ) .
ج٣ / ص٣٠٤وَلِهَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : وَالَّذِي نَسْتَحِبُّهُ إِفَادَةُ الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى الشُّيُوخِ ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى رِوَايَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِي ذَلِكَ النُّصْحُ لِلطَّالِبِ ، وَالْحِفْظُ لِلْمَطْلُوبِ مَعَ مَا يُكْتَسَبُ بِهِ مِنْ جَزِيلِ الْأَجْرِ ، وَجَمِيلِ الذِّكْرِ . وَأَغْرَبَ ابْنُ مُسَدي فَحَكَى عَنِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ سَمَاعَ الْعَالِي لِنَفْسِهِ ، وَأَنَّ أَبَا الرَّبِيعِ بْنِ سَالِمٍ كَتَبَ إِلَى السِّلَفِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَجِيزَ لَهُ بَقَايَا مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ أَصْحَابِ الْخَطِيبِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِانْقِرَاضِهِمْ قَبِلَ السِّتِّمِائَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَآخِرُهُمْ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشَرَةٍ وَسِتِّمِائَةٍ ، قَالَ : وَهَكَذَا رَأَيْتُ نُبَلَاءَ أَصْحَابِهِ بِمِصْرَ وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ يَغَارُونَ عَلَى هَذَا أَشَدَّ الْغَيْرَةِ مَا خَلَا الْأَسْعَدَ بْنَ مُقَرَّبٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مُفِيدًا ، ج٣ / ص٣٠٥وَعِنْدِي فِي هَذَا تَوَقُّفٌ كَبِيرٌ ، وَقَدْ أَشَرْتُ لِرَدِّ مَا نَسَبَهُ ابْنُ مَسْدَي إِلَيْهِمَا أَيْضًا مِمَّا يُشْبِهُ هَذَا فِي كِتَابَةِ التَّسْمِيعِ . وَكَذَا اجْتَنِبْ مَنْعَ عَارِيَةِ الْجُزْءِ أَوِ الْكِتَابِ الْمَسْمُوعِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ أَوِ السَّمَاعِ وَالْكِتَابَةِ مِنْهُ ، لَا سِيَّمَا حَيْثُ لَمْ تَتَعَدَّدْ نُسَخُهُ فَإِنَّهَا تَتَأَكَّدُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ) ، فَهُوَ شَامِلٌ لِهَذَا ، وَهَذِهِ الْعَارِيَةُ غَيْرُ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابَةِ التَّسْمِيعِ فَتِلْكَ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا مَعَ الْحِكَايَةِ عَنْ كُلٍّ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ قَالَ : قَدْ رَأَيْنَا أَقْوَامَا مَنَعُوا هَذَا السَّمَاعَ ، فَوَاللَّهِ مَا أَفْلَحُوا وَلَا أَنْجَحُوا .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ أَيْضًا : وَلَقَدْ شَاهَدْنَا جَمَاعَةً كَانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِالسَّمَاعِ ، وَيُخْفُونَ الشُّيُوخَ ، وَيَمْنَعُونَ الْأَجْزَاءَ وَالْكُتُبَ عَنِ الطَّلَبَةِ ، فَحَرَمَهُمُ اللَّهُ قَصْدَهُمْ ، وَذَهَبُوا وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ . وَكَذَا أَقُولُ : وَكَيْفَ لَا ؟ وَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ : أَوَّلُ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِعَارَةُ الْكُتُبِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكْتُمَ عَمَّنْ لَمْ يَرَهُ أَهْلًا ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الصَّوَابَ إِذَا أُرْشِدَ إِلَيْهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ . ج٣ / ص٣٠٦وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ : مَنْ أَدَّاهُ - لِجَهْلِهِ - فَرْطُ التِّيهِ وَالْإِعْجَابِ إِلَى الْمُحَامَاة عَنِ الْخَطَأِ ، وَالْمُمَارَاةِ فِي الصَّوَابِ ، فَهُوَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ مَذْمُومٌ ومَأْثُومٌ ، وَمُحْتَجِرُ الْفَائِدَةِ عَنْهُ غَيْرُ مُؤَنَّبٍ وَلَا مَلُومٍ .
وَسَاقَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى : لَا تَرُدَّنَ عَلَى مُعْجَبٍ خَطَأ فَيَسْتَفِيدَ مِنْكَ عِلْمًا ، وَيَتَّخِذَكَ بِهِ عَدُوًّا . وَقَدْ قِيلَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا ) ، هُوَ عَرْضُكَ كَلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ . وَإِذَا أَفَادَكَ أَحَدٌ مِنْ رُفَقَائِكَ وَنَحْوِهِمْ شَيْئًا فَاعْزُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَلَا تُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِيمَا رُوِّينَاهُ فِي ( الْمَدْخَلِ ) لِلْبَيْهَقِيِّ وَ ( الْجَامِعِ ) لِلْخَطِيبِ : إِنَّ مِنْ شُكْرِ الْعِلْمِ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ الرَّجُلِ فَتُذَاكِرَهُ بِشَيْءٍ لَا تَعْرِفُهُ فَيَذْكُرُهُ لَكَ ، ثُمَّ تَرْوِيهِ وَتَقُولُ : إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عِنْدِي فِي هَذَا شَيْءٌ حَتَّى سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا ، فَتَعَلَّمْتُهُ ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ شَكَرْتَ الْعِلْمَ .
وَسَأَلَ إِنْسَانٌ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا ) ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَقَّ ، إِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ صَاحِبَ ذَا ، ج٣ / ص٣٠٧سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِهِ : يُقَالُ ، وَذَكَرَهُ . وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ رَغْبَةُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُجَرَّدِ الْإِرْشَادِ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِعَزْوِهِ إِلَيْهِمْ ؛ كَالشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ .