( وَلَا تَكُنْ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ ( مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا ) الْحَدِيثَ وَنَحْوَهُ ، ( وَكَتْبَهُ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ؛ أَيْ : لَا تَقْتَصِرْ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ ( مِنْ دُونِ ) [ معرفة و ] ( فَهْمٍ ) لِمَا فِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ [ من العلل والأحكام ] ( نَفَعَا ) ؛ أَيْ : نَافِعٍ ، [ ليخرج مع أنه من الزيادات الفهم من غير ملاحظة للقواعد والضوابط ] فَتَكُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : قَدْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَظْفَرَ بِطَائِلٍ ، وَلَا تَحْصُلَ بِذَلِكَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْأَمَاثِلِ ، بَلْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَنْ صِرْتَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ الْمَنْقُوصِينَ الْمُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ : إِنَّ الَّذِي يَرْوِي وَلَكِنَّهُ يَجْهَلُ مَا يَرْوِي وَمَا يَكْتُبُ كَصَخْرَةٍ تَنْبُعُ أَمْوَاهُهَا تَسْقِي الْأَرَاضِيَ وَهْيَ لَا تَشْرَبُ وَقَدْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ : الرِّئاسَةُ فِي الْحَدِيثِ بِلَا دِرَايَةٍ رِئاسَةُ نَذلَةٍ . قَالَ الْخَطِيبُ : هِيَ اجْتِمَاعُ الطَّلَبَةِ عَلَى الرَّاوِي لِلسَّمَاعِ عِنْدَ عُلُوِّ سِنِّهِ ، يَعْنِي فَإِنَّ سَنَدَهُ لَا يَعْلُو وَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ غَالِبًا إِلَّا حِينَ تَقَدُّمِهِ فِي السِّنِّ ، قَالَ : فَإِذَا تَمَيَّزَ الطَّالِبُ بِفَهْمِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَجَّلَ بَرَكَةَ ذَلِكَ فِي شَبِيبِتهِ . قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَخْلِيدِهِ الصُّحُفَ دُونَ التَّمْيِيزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ إِلَّا تَلْقِيبَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ بِالْحَشْوِيَّةِ - يَعْنِي بِإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا ، فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ حَشْوِ الطَّلَبَةِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِمْ ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَشُّونَ فِي حَاشِيَةِ حَلْقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الْأَنَفَةُ لِنَفْسِهِ ، وَدَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ . انْتَهَى . وَيُرْوَى كَمَا لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي ( تَارِيخِ أَصْبَهَانَ ) مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ آبَائِهِ مَرْفُوعًا : ( كُونُوا دُرَاةً وَلَا تَكُونُوا رُوَاةً ، حَدِيثٌ تَعْرِفُونَ فِقْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ تَرْوُونَهُ ) . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ( الْحِلْيَةِ ) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ : ( كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعَاةً ) . وَكَذَا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْأَدِيبِ الْفَاضِلِ فَارِسِ بْنِ الْحُسَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ : يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَة كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا الْعِنَايَة بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَة وَارْوِ الْقَلِيلَ وَرَاعِهِ فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَة وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ : وَاظِبْ عَلَى جَمْعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ وَاجْهَدْ عَلَى تَصْحِيحِهِ فِي كُتْبِهْ وَاسْمَعْهُ مِنْ أَرْبَابِهِ نَقْلًا كَمَا سَمِعُوهُ مِنْ أَشْيَاخِهِمْ تَسْعَدْ بِهِ وَاعْرِفْ ثِقَاتَ رُوَاتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ كَيْمَا تُمَيِّزَ صِدْقَهُ مِنْ كِذْبِهِ فَهُوَ الْمُفَسِّرُ لِلْكِتَابِ وَإِنَّمَا نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَتَفَهَّمِ الْأَخْبَارَ تَعْرِفْ حِلَّهُ مِنْ حُرْمِهِ مَعَ فَرْضِهِ مِنْ نَدْبِهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِلْعِبَادِ بِشَرْحِهِ سِيَرَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مَعَ صَحْبِهِ وَتَتَبَّعِ الْعَالِيَ الصَّحِيحَ فَإِنَّهُ قُرَبٌ إِلَى الرَّحْمَنِ تَحْظَ بِقُرْبِهِ وَتَجَنَّبِ التَّصْحِيفَ فِيهِ فَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَحْرِيفِهِ بَلْ قَلْبِهِ وَاتْرُكْ مَقَالَةَ مَنْ لَحَاكَ بِجَهْلِهِ عَنْ كَتْبِهِ أَوْ بِدْعَةٍ فِي قَلْبِهِ فَكَفَى الْمُحَدِّثَ رِفْعَةً أَنْ يُرْتَضَى وَيُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحِزْبِهِ
المصدر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-83/h/833035
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة