آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ
وَ ( كَذَاكَ ) رَأَى الْأَئِمَّةُ كَرَاهَةً ( الْإِخْرَاجِ ) مِمَّنْ يُصَنِّفُ لِشَيْءٍ مِنْ تَصْنِيفِهِ إِلَى النَّاسِ ( بِلَا تَحْرِيرِ ) وَتَهْذِيبٍ وَتَكْرِيرٍ لِنَظَرٍ فِيهِ وَتَنْقِيبٍ . قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ : لَحْظَةُ الْقَلْبِ أَسْرَعُ خُطْرةً مِنْ لَحْظَةِ الْعَيْنِ ، وَأَبْعَدُ غَايَةً ، وَأَوْسَعُ مَجَالًا ، وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي أَعْمَاقِ أَوْدِيَةِ الْفِكْرِ ، وَالْمُتَأَمِّلَةُ لِوُجُوهِ الْعَوَاقِبِ ، وَالْجَامِعَةِ بَيْنَ مَا غَابَ وَحَضَرَ ، وَالْمِيزَانُ الشَّاهِدُ عَلَى مَا نَفَعَ وَضَرَّ ، وَالْقَلْبُ كَالْمُمْلِي لِلْكَلَامِ عَلَى اللِّسَانِ إِذَا نَطَقَ ، وَالْيَدِ إِذَا كَتَبَتْ ، فَالْعَاقِلُ يَكْسُو الْمَعَانِيَ وَشْيَ الْكَلَامِ فِي قَلْبِهِ ، ثُمَّ يُبْدِيهَا بِأَلْفَاظٍ كَوَاس فِي أَحْسَنِ زِينَةٍ ، وَالْجَاهِلُ يَسْتَعْجِلُ بِإِظْهَارِ الْمَعَانِي قَبْلَ الْعِنَايَةِ بِتَزْيِينِ مَعَارِضِهَا ، وَاسْتِكْمَالِ مَحَاسِنِهَا . وَلْيَعْلَمْ كَمَا قَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ : أنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى عَقْلِ الْمَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِتَصْنِيفِهِ ، أَوْ شِعْرِهِ ، أَوْ رِسَالَتِهِ .
وَكَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ مَا لَمْ يَضَعْ كِتَابًا أَوْ يَقُلْ شِعْرًا ) . وَكَمَا قَالَ الْعَتَّابِيُّ : ( إِنَّ مَنْ صَنَّفَ فَقَدِ اسْتَشْرَفَ للْمَدِيحَ وَالذَّمَّ ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدِ اسْتَهْدَفَ لِلْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلشَّتْمِ ، وَاسْتَقْذَفَ بِكُلِّ لِسَانٍ ) . وَنَحْوُهُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ابْنُ الْفَرَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُقَفَّعِ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ صَنَّفَ فَقَدِ اسْتَهْدَفَ ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدِ اسْتَعْطَفَ ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدَ اسْتَقْذَفَ ) .