المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان
عدد الأحاديث: 7
104 - أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد ، شيخي الأستاذ إمام الأئمة الشهاب أبو الفضل الكناني العسقلاني المصري ثم القاهري الشافعي ، ويعرف بابن حجر ، وهو لقب لبعض آبائه ، ولد في ثاني عشري شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر العتيقة ، ونشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه الزكي الخروبي فحفظ القرآن وهو ابن تسع عند الصدر السفطي شارح مختصر التبريزي ، وصلى به على العادة بمكة حيث كان مع وصيه بها ، والعمدة وألفية ابن العراقي والحاوي الصغير ومختصر ابن الحاجب الأصلي والملحة وغيرها ، وبحث في صغره وهو بمكة العمدة على الجمال بن ظهيرة . ثم قرأ على الصدر الأبشيطي بالقاهرة شيئا من العلم ، وبعد بلوغه لازم أحد أوصيائه الشمس بن القطان في الفقه والعربية والحساب وغيرها وقرأ عليه جانبا كبيرا من الحاوي ، وكذا لازم في الفقه والعربية النور الأدمي وتفقه بالأبناسي ، بحث عليه في المنهاج وغيره ، وأكثر من ملازمته أيضا لاختصاصه بأبيه ، وبالبلقيني لازمه مدة وحضر دروسه الفقهية ، وقرأ عليه الكثير من الروضة ومن كلامه على حواشيها ، وسمع عليه بقراءة الشمس البرماوي في مختصر المزني وبابن الملقن ، قرأ عليه قطعة كبيرة من شرحه الكبير على المنهاج ، ولازم العز بن جماعة في غالب العلوم التي كان يقرئها دهرا ، ومما أخذه عنه في شرح المنهاج الأصلي وفي جمع الجوامع وشرحه للعز وفي المختصر الأصلي والنصف الأول من شرحه للعضد وفي المطول ، وعلق عنه بخطه أكثر من شرح جمع الجوامع ، وحضر دروس الهمام الخوارزمي ومن قبله دروس قنبر العجمي ، وأخذ أيضا عن البدر بن الطنبدي وابن الصاحب والشهاب أحمد بن عبد الله البوصيري وعن الجمال المارداني الموقت الحاسب ، واللغة عن المجد صاحب القاموس ، والعربية عن الغماري والمحب بن هشام ، والأدب والعروض ونحوهما عن البدر البشتكي ، والكتابة عن أبي علي الزفتاوي والنور البدماصي ، والقراءات عن التنوخي قرأ عليه بالسبع إلى المفلحون ، وجوده قبل ذلك على غيره ، وجد في الفنون حتى بلغ الغاية ، وحبب الله إليه الحديث وأقبل عليه بكليته ، طلبه من سنة ثلاث وتسعين وهلم جرا ، لكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين ، فعكف على الزين العراقي وتخرج به وانتفع بملازمته وقرأ عليه ألفيته وشرحها ونكته على ابن الصلاح دراية وتحقيقا ، والكثير من الكتب الكبار والأجزاء القصار ، وحمل عنه من أماليه جملة واستملى عليه بعضها ، وتحول إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن ، وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية ، وأكثر جدا من المسموع والشيوخ ، فسمع العالي والنازل ، وأخذ عن الشيوخ والأقران فمن دونهم ، واجتمع له من الشيوخ المشار إليهم والمعول في المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره ؛ لأن كل واحد منهم كان متبحرا في علمه ورأسا في فنه الذي اشتهر به لا يلحق فيه ، فالتنوخي في معرفة القراءات وعلو سنده فيها ، والعراقي في معرفة علوم الحديث ومتعلقاته ، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها ، والبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع ، وابن الملقن في كثرة التصانيف ، والمجد الفيروزآبادي في حفظ اللغة واطلاعه عليها ، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها . وكذا المحب بن هشام كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه ، وكان الغماري فائقا في حفظها ، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة بحيث أنه كان يقول : أنا أقرئ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها . وأذن له جلهم أو جميعهم - كالبلقيني والعراقي - في الإفتاء والتدريس ، وتصدى لنشر الحديث ، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفا وإفتاء ، وشهد له أعيان شهوده بالحفظ ، وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه والأصلين وغير ذلك على مائة وخمسين تصنيفا ورزق فيها من السعد والقبول خصوصا فتح الباري بشرح البخاري الذي لم يسبق نظيره أمرا عجبا بحيث استدعى طلبه ملوك الأطراف بسؤال علمائهم له في طلبه وبيع بنحو ثلثمائة دينار ، وانتشر في الآفاق ، ولما تم لم يتخلف عن وليمة ختمه في التاج والسبع وجوه من سائر الناس إلا النادر ، وكان مصروف ذلك إليهم نحو خمسمائة دينار ، واعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شيوخه وأقرانه فمن دونهم ، وكتبها الأكابر وانتشرت في حياته ، وأقرأ الكثير منها وحفظ غير واحد من الأبناء عدة منها ، وعرضوها على جاري العادة على مشائخ العصر ، وأنشد من نظمه في المحافل وخطب من ديوانيه على المنابر لبليغ نظمه ونثره ، وكان مصمما على عدم دخوله في القضاء حتى أنه لم يوافق الصدر المناوي لما عرض عليه قبل القرن النيابة عنه عليها ، ثم قدر أن المؤيد ولاه الحكم في بعض القضايا ولزم من ذلك النيابة ، ولكنه لم يتوجه إليها ولا انتدب لها إلى أن عرض عليه الاستقلال به ، وألزم من أجابه بقبوله فقبل ، واستقر في المحرم سنة سبع وعشرين بعد أن كان عرض عليه في أيام المؤيد فمن دونه وهو يأبى ، وتزايد ندمه على القبول لعدم فرق أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم ومبالغتهم في اللوم لرد إشاراتهم وإن لم تكن على وفق الحق ، بل يعادون على ذلك ، واحتياجه لمداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومونه على وجه العدل ، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم وأن بعضهم ارتحل للقائه ، وبلغه في أثناء توجهه تلبسه بوظيفة القضاء فرجع ، ولم يلبث أن صرف ثم أعيد ، ولا زال كذلك إلى أن أخلص في الإقلاع عنه عقب صرفه في جمادى الثانية سنة اثنتين وخمسين بعد زيادة مدد قضائه على إحدى وعشرين سنة ، وزهد في القضاء زهدا تاما لكثرة ما توالى عليه من الأنكاد والمحن بسببه ، وصرح بأنه لم تبق في بدنه شعرة تقبل اسمه ، ودرس في أماكن كالتفسير بالحسنية والمنصورية ، والحديث بالبيبرسية والجمالية المستجدة والحسنية والزينية والشيخونية وجامع طولون والقبة المنصورية ، والإسماع بالمحموية ، والفقه بالخروبية البدرية بمصر والشريفية الفخرية والشيخونية والصالحية النجمية والصلاحية المجاورة للشافعي والمؤيدية وولي مشيخة البيبرسية ونظرها ، والإفتاء بدار العدل ، والخطابة بجامع الأزهر ثم بجامع عمرو ، وخزن الكتب بالمحمودية ، وأشياء غير ذلك مما لم يجتمع له في آن واحد ، وأملى ما ينيف على ألف مجلس من حفظه ، واشتهر ذكره وبعد صيته ، وارتحل الأئمة إليه وتبجح الأعيان بالوفود عليه ، وكثرت طلبته حتى كان رءوس العلماء من كل مذهب من تلامذته ، وأخذ الناس عنه طبقة بعد أخرى ، وألحق الأبناء بالآباء والأحفاد ، بل وأبناءهم بالأجداد ، ولم يجتمع عند أحمد مجموعهم ، وقهرهم بذكائه وتفوق تصوره وسرعة إدراكه واتساع نظره ووفور آدابه ، وامتدحه الكبار ، وتبجح فحول الشعراء بمطارحته ، وطارت فتواه التي لا يمكن دخولها تحت الحصر في الآفاق ، وحدث بأكثر مروياته خصوصا المطولات منها ، كل ذلك مع شدة تواضعه وحلمه وبهائه وتحريه في مأكله ومشربه وملبسه وصيامه وقيامه وبذله وحسن عشرته ومزيد مداراته ولذيذ محاضراته ورضى أخلاقه وميله لأهل الفضائل وإنصافه في البحث ورجوعه إلى الحق وخصاله التي لم تجتمع لأحد من أهل عصره ، وقد شهد له القدماء بالحفظ والثقة والأمانة والمعرفة التامة والذهن الوقاد والذكاء المفرط وسعة العلم في فنون شتى ، وشهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث ، وقال كل من التقي الفاسي والبرهان الحلبي : ما رأينا مثله ، وسأله الفاضل تغري برمش الفقيه : أرأيت مثل نفسك ؟ فقال : قال الله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم . ومحاسنه جمة ، وما عسى أن أقول في هذا المختصر ، أو من أنا حتى يعرف بمثله خصوصا ، وقد ترجمه من الأعيان في التصانيف المتداولة بالأيدي التقي الفاسي في ذيل التقييد والبدر البشتكي في طبقاته للشعراء والتقي المقريزي في كتابه العقود الفريدة والعلاء بن خطيب الناصرية في ذيل تاريخ حلب والشمس بن ناصر الدين في توضيح المشتبه والتقي بن قاضي شهبة في تاريخه والبرهان الحلبي في بعض مجاميعه والتقي بن فهد المكي في ذيل طبقات الحفاظ والقطب الخيضري في طبقات الشافعية وجماعة من أصحابنا كابن فهد النجم في معاجيمهم ، وغير واحد في الوفيات ، وهو نفسه في رفع الأصر ، وكفى بذلك فخرا ، وتجاسرت فأوردته في معجمي والوفيات وذيل القضاة ، بل وأفردت له ترجمة حافلة لا تفي ببعض أحواله في مجلد ضخم أو مجلدين كتبها الأئمة عني وانتشرت نسخها ، وحدثت بها الأكابر غير مرة بكل من مكة والقاهرة ، وأرجو كما شهد به غير واحد أن تكون غاية في بابها سميتها الجواهر والدرر ، وقد قرأت عليه الكثير جدا من تصانيفه ومروياته بحيث لا أعلم من شاركني في مجموعها ، وكان رحمه الله يودني كثيرا وينوه بذكري في غيبتي مع صغر سني ، حتى قال : ليس في جماعتي مثله . وكتب لي على عدة من تصانيفي وأذن لي في الإقراء والإفادة بخطه ، وأمرني بتخريج حديث ثم أملاه ، ولم يزل على جلالته وعظمته في النفوس ومداومته على أنواع الخيرات إلى أن توفي في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين ، وكان له مشهد لم ير من حضره من الشيوخ فضلا عمن دونهم مثله ، وشهد أمير المؤمنين والسلطان فمن دونهما الصلاة عليه ، وقدم السلطانُ الخليفةَ للصلاة ، ودفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة ، وتزاحم الأمراء والأكابر على حمل نعشه ، ومشى إلى تربته من لم يمش نصف مسافتها قط ، ولم يخلف بعده في مجموعه مثله ، ورثاه غير واحد بما مقامه أجل منه ، رحمه الله وإيانا ، ومن نظمه مما قرأته عليه وأنشدنيه لفظا : خليليَّ ولَّى العمر منا ولم نتب وننوي فعال الصالحات ولكنَّا فحتى متى نبني بيوتا مَشيدة وأعمارنا منا تهد وما تبنى وقوله : لقد آن أن نتقي خالقا إليه المآب ومنه النشور فنحن لصرف الردى ما لنا جميعا من الموت واق نصير وقوله : سيروا بنا لمتاب إن الزمان يسير إن الدار البلاء ما لنا مجير نضير وقوله : أخي لا تسوف بالمتاب فقد أتى نذير مشيب لا يفارقه الهم وإن فتى من عمره أربعون قد مضت مع ثلاث عدها عمر جم
عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج أبو حفص بن أبي الحسن الأنصاري الوادياشي الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي والد علي الماضي ويعرف بابن الملقن . ولد في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين في ثاني عشريه كما قرأته بخطه وقيل في يوم السبت رابع عشريه والأول أصح بالقاهرة، وكان أصل أبيه أندلسياً فتحول منها إلى التكرور وأقرأ أهلها القرآن وتميز في العربية وحصل مالاً ثم قدم القاهرة فأخذ عنه الأسنوي وغيره ثم مات ولصاحب الترجمة سنة فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي رجل صالح كان يلقن القرآن بجامع طولون فتزوج بأمه ولذا عرف الشيخ به حيث قيل له ابن الملقن وكان فيما بلغني يغضب منها بحيث لم يكتبها بخطه إنما كان يكتب غالباً ابن النحوي وبها اشتهر في بلاد اليمن، ونشأ في كفالة زوج أمه ووصيه فحفظ القرآن والعمدة وشغله مالكياً ثم أشار عليه ابن جماعة أحد أصحاب أبيه أن يقرئه المنهاج الفرعي فحفظه وذكر أنه حصل له منه خير كبير وأنشأ له ربعاً فكان يكتفي بأجرته وتوفر له بقية ماله للكتب وغيرها بحيث قال شيخنا أنه بلغه أنه حضر في الطاعون العام بيع كتب بعض المحدثين فكان الوصي لا يبيع إلا بالنقد الحاضر قال: فتوجهت إلى منزلي فأخذت كيساً من الدراهم ودخلت الحلقة فصببته فصرت لا أزيد في كتاب شيئاً إلا قال: بع له فكان فيما اشتريته مسند الإمام أحمد بثلاثين درهماً، وقال المقريزي في عقوده أنه كان يتحصل له من ريع الربع كل يوم مثقال ذهب مع رخاء الأسعار وعدم العيال، وتفقه بالتقي السبكي والجمال الأسنائي والكمال النشائي والعز بن جماعة وأخذ في العربية عن أبي حيان والجمال بن هشام والشمس محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ وفي القراءات عن البرهان الرشيدي ورافقه في بعض ذلك الصدر سليمان الأبشيطي واجتمع بالشيخ إسماعيل الأنبابي، بل قال البرهان الحلبي أنه اشتغل في كل فن حتى قرأ في كل مذهب كتاباً وأذن له بالإفتاء فيه وكتب المنسوب على السراج محمد بن محمد بن نمير الكاتب وسمع عليه وعلى الحفاظ أبي الفتح بن سيد الناس والقطب الحلبي والعلاء مغلطاي واشتدت ملازمته له وللزين أبي بكر الرحبي حتى تخرج بهما وقرأ البخاري على ثانيهما والحسن بن السديد وكذا سمع على العرضي ونحوه وابن كشتغدي والزين بن عبد الهادي ومما سمعه عليه صحيح مسلم ومحمد ابن غالي والجمال يوسف المعدني والصدر الميدومي وأكثر عن أصحاب النجيب وابن عبد الدائم وأجاز له المزي وغيره من مصر ودمشق وممن أجاز له الشمس العسقلاني المقري ودخل الشام في سنة سبعين فأخذ عن ابن أميلة وغيره من متأخري أصحاب الفخر بن البخاري، واجتمع بالتاج السبكي ونوه به بل كتب له تقريظاً على تخريج الرافعي له أظنه في مدحه وألزم العماد بن كثير فكتب له أيضاً؛ ورافق التقي بن رافع وقرأ في بيت المقدس على العلائي جامع التحصيل في رواة المراسيل من تأليفه ووصفه بالشيخ الإمام الحافظ؛ واشتغل بالتصنيف وهو شاب بحيث قرأت بخطه إجازة كتبها وهو بمكة في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة تجاه الكعبة قال فيها: إن من مروياته الكتب الستة ومسند الشافعي وأحمد الدارمي وعبد وصحيح بن حبان وسنن الدارقطني والبيهقي والسيرة تذيب ابن هشام وأن من مشايخه سماعاً أصحاب الفخر وأصحاب النجيب الحراني وآخرهم الصدر الميدومي ومن أصحاب النجيب الشهاب أحمد بن كشتغدي يروي عن جماعة قدماء بالإجازة منهم ابن مالك النحوي والمحيوي النووي وأن من مشايخه المعدني الحنبلي، أجاز له العز بن عبد السلام ومنهم الحافظ بن سيد الناس والقطب الحلبي شارح البخاري وصاحب تاريخ مصر وغيرهما من المؤلفات المفيدة قال: ووقع لي عدة أحاديث تساعيات ذكرت منها ثلاثة في آخر كتابي المقنع في علوم الحديث وهذا على ما يوجد اليوم، قال: ومن تصانيفي يعني في الحديث تخريج أحاديث الرافعي في سبع مجلدات ومختصره الخلاصة في مجلد ومختصره المنتقى في جزء وتخريج أحاديث الوسيط للغزالي المسمى بتذكرة الأحبار لما في الوسيط من الأخبار في مجلد وتخريج أحاديث المهذب المسمى بالمحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب في مجلدين وتخريج أحاديث المنهاج الأصلي في جزء حديثي وتخريج أحاديث ابن الحاجب كذلك وشرح العمدة المسمى بالأعلام في ثلاث مجلدات عن نظيره وأسماء رجالها في مجلد غريب في بابه وقطعة من شرح البخاري وقطعة من شرح المنتقي في الأحكام للمجد بن تيمية وطبقات الفقهاء الشافعية من زمن الشافعي إلى سنة سبعين وسبعمائة وطبقات المحدثين من زمن الصحابة إلى زمني ومنها في الفقه شرح المنهاج في ست مجلدات وآخر صغير في اثنين ولغاته في واحد والتحفة في الحديث على أبوابه كذلك والبلغة على أبوابه في جزء لطيف والاعتراضات عليه في مجلد وشرح التنبيه في أربع مجلدات وآخر لطيف اسمه هادي النبيه إلى تدريس التنبيه والخلاصة على أبوابه في الحديث في مجلد وهو من المهمات وأمنية النبيه فيما يرد على التصحيح للنووي والتنبيه في مجلد ولخصته في جزء للحفظ سميته إرشاد النبيه إلى تصحيح التنبيه وهو غريب في بابه يتعين على طالب التنبيه حفظه وشرح الحاوي الصغير في مجلدين ضخمين لم يوضع عليه مثله وتصحيحه في مجلد وشرح التبريزي في مجلد قال: وقد شرعت في كتاب جمعت فيه بين كلام الرافعي في شرحيه ومحرره والنووي في شرحه ومنهاجه وروضته وابن الرفعة في كفايته ومطلبه والقمولي في بحره وجواهره وغير ذلك مما أهملوه وأغفلوه مما وقفت عليه من التصانيف في المذهب نحو المائتين سماه جمع الجوامع ثم تجدد له بعد ذلك الكثير فقال له شيخنا أن له في علوم الحديث المقنع، قلت: وقفت عليه وهو في مجلد وله أيضاً التذكرة في كراسة رأيتها، قال شيخنا: وشرح المنهاج في عدة شروح أكبرها في ثمان مجلدات وأصغرها في مجلد والتنبيه كذلك والبخاري في عشرين مجلدة اعتمد فيه على شرح شيخه القطب ومغلطاي وزاد فيه قليلاً وهو في أوائله أقعد منه في أواخره بل هو من نصفه الثاني قليل الجدوى، قلت: وقد قال هو أنه لخصه من شرح شيخه مغلطاي الملخص له من شرح القطب الحلبي وأنه زاد عليهما وأنه شرح زوائد مسلم على البخاري في أربعة أجزاء وزوائد أبي داود على الصحيحين في مجلدين وزوائد الترمذي على الثلاثة كتب منه قطعة صالحة وزوائد النسائي عليها كتب منه جزءاً وزوائد ابن ماجة على الخمسة في ثلاث مجلدات وسماه ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجة وقال في خطبته أنه لم ير من كتب عليه شيئاً وأنه يبين من وافقه من باقي الأئمة الستة وضبط المشكل في الأسماء والكنى وما يحتاج إليه من الغريب والغرائب مما لم يوافق الباقين ابتدأه في ذي القعدة سنة ثمانمائة وفرغه في شوال من التي بعدها وقفت عليه وعلى شرح زوائد أبي داود وليس فيهما كبير أمر مع أنه قد سبقه للكتابة على ابن ماجة شيخه مغلطاي وقفت منه بخطه على أربع مجلدات وقد أشار شيخنا إلى الشروح المعينة وأنه لم يقف منها على غير شرح البخاري وكذا شرح الأربعين النووية في مجلد قال: ومن تصانيفه ومما لم أقف عليه إكمال تهذيب الكمال ذكر فيه تراجم رجال كتب ستة وهي أحمد وابن خزيمة وابن حبان والدار قطني والحاكم، قلت: قد رأيت منه مجلداً وأمره فيه سهل وكذا من تصانيفه الخصائص النبوية مما قرأه عليه البرهان الحلبي وطبقات الشافعية والذيل على كتاب شيخه الأسنوي فيما التقطه من كتاب التاج السبكي من غير إعلام بذلك وطبقات القراء وطبقات الصوفية وقفت على جميعها والناسك لأم المناسك وعدد الفرق وتلخيص الوقوف على الموقوف وتلخيص كتاب ابن بدر في قول ليس يصح شيء في هذا الباب المسمى بالمغني وشرح المنهاج الأصلي وقفت عليهما وشرط فيه جميع مسائل الأصول وكذا شرح ابن الحاجب الأصلي وما لا أنهض لحصره، واشتهرت في الآفاق تصانيفه وكان يقول أنها بلغت ثلثمائة تصنيف وشغل الناس فيها وفي غيرها قديماً، وحدث بالكثير منها وبغيرها من مروياته وانتفع الناس بها انتفاعاً صالحاً من حياته وهلم جرا، قال الجمال بن الخياط:وتوفر له الأجور بسعيه المشكور، وقال شيخنا في شرحه للحاوي أنه أجاد فيه ولكنه قال أنه كان يكتب في كل فن سواء أتقنه أو لم يتقنه قال: ولم يكن بالحديث بالمتقن ولا له ذوق أهل الفن رأيت بخطه غالباً في إجازته الطلبة برواية العمدة يوردها عن القطب الحلبي وابن سيد الناس عن الفخر بن البخاري عن المؤلف؛ وهذا مما ينتقده أهل الفن من وجهين أحدهما أن الفخر لم يوجد له تصريح من المؤلف بالإجازة وإنما قرئ عليه بها بالظن لأن آل الفخر كانوا ملازمين للحافظ عبد الغني فيبعد أن لا يكونوا استجازوه له، ثانيهما أن أهل الفن يقدمون العلو ومن أنواعه تقديم السماع على الإجازة والعناية تقديم السماع، والعمدة فقد سمعها من مؤلفها أحمد بن عبد الدائم وعبد الهادي بن عبد الكريم القيسي وكلاهما ممن أجاز لجمع جم من مشايخ السراج وحدث بها من شيوخه الحسن بن السديد بإجازته من ابن عبد الدائم فكان ذكره له أولى فعدل من عال إلى نازل وعن متفق عليه إلى مختلف فيه فهذا مما ينتقد عليه ومن ذلك أنه كان عنده عوال كثيرة حتى قال لي أنه سمع ألف جزء حديثي ومع ذلك فعقد مجلس الإملاء فأملى الحديث المسلسل ثم عدل إلى أحاديث خراش وأضرابه من الكذابين فرحاً بعلو الأحاديث وهذا مما يعيبه أهل النقد ويرون أن النزول حينئذ أولى من العلو وأن العلو كذلك كالعدم وحدث بصحيح ابن حبان كله سماعاً فظهر بعد أنه لم يسمعه بكماله، هذا مع وصف من تقدم من الأئمة له بما تقدم ولعله كان في ذلك الوقت كذلك لأنا لما شاهدناه لم يكن بالحافظ بل الذين قرءوا عليه ورأوه من سنة سبعين فما بعدها قالوا أنه لم يكن بالماهر في الفتوى ولا التدريس وإنما كانت تقرأ عليه مصنفاته غالباً فيقرر ما فيها، وبالجملة فقد اشتهر اسمه وطار صيته وكانت كتابته أكثر من استحضاره ولهذا كثر الكلام فيه من علماء الشام ومصر حتى قال ابن حجي: كان لا يستحضر شيئاً ولا يحقق علماً وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب الناس، زاد غيره نسبته للعجز عن تقرير ما لعله يضعه فيها ونسبته إلى المجازفة وكلاهما غير مقبول من قائله ولا مرضي، وناب في الحكم ثم أعرض عنه وطلب الاستقلال به وخدعه أصحاب بركة الزيني حتى كتب خطه بمال على ذلك فغضب برقوق على الشيخ لمزيد اختصاصه به وكونه لم يعلمه بذلك حتى كان يأخذه بدون بذل وسلمه لشاد الدواوين ثم سلمه الله وخلص بعناية أكمل الدين الحنفي وجماعة وكان للبلقيني في ذلك يد بيضاء مع أنه سأله برقوق عنه ومن أولى بالحكم أهو أو ابن أبي البقا غض منه في العلم وقال: لا خير فيهما، وناب بعد ذلك أيضاً ثم ترك وأعرض عن قضاء السرقية لولده واقتصر على جهاته كتدريس السابقية والميعاد بها من واقفها وبجامع الحاكم في سنة ثلاث وستين بعد موت الشهاب أبي سعيد أحمد الهكاري ودار الحديث الكاملية وكان استقر فيها بعد سفر الزين العراقي لقضاء المدينة النبوية مع كونه كان رغب عنه لولده الولي وكذا نازعه الولي، وقال يخرج حديثاً وأخرجه ليظهر المستحق منا فتوسل السراج بالبلقيني والأبناسي حتى كف مع كون الولي من طلبته وندم الولي بعد دهر على المنازعة، وترجمه الأكابر سوى من تقدم فمنهم ممن مات قبله العثماني قاضي صفد فقال في طبقات الفقهاء أنه أحد مشايخ الإسلام صاحب المصنفات التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات وسرد منها جملة ذكر أنه كتب إليه بها سنة خمس وسبعين، ووصفه الغماري في شهادة عليه بالشيخ الإمام علم الأعلام فخر الأنام أحد مشايخ الإسلام علامة العصر بقية المصنفين علم المفيدين والمدرسين سيف المناظرين مفتى المسلمين، ومنهم ممن أخذ عنه البرهان الحلبي قال فيه أنه كان فريد وقته في التصنيف وعبارته فيها جلية جيدة وغرائبه كثيرة وكذا خلقه مع التواضع والإحسان لازمته مدة طويلة فلم أره منحرفاً قط، وذكر لي أنه رافقه في رحلته إلى دمشق شيخ حسن الهيئة والسمت فافتقدوه عند جسر الجامع قال: فذكر لي بعد ذلك شيخ من أهل القرافة أنه الخضر قال: وقال لي كنت نائماً بسطح جامع الخطيري فاستيقظت ليلاً فوجدت عند رأسي شاباً فوضعت يدي على وجهه فإذا هو أمرد فاستويت جالساً وطلبته فلم أجده قال: وكان باب السطح مغلقاً قال:وكنت في بعض الأوقات إذا كنت أصنف وأنا في خلوة أسمع حساً حولي ولا أرى أحداً قال وكان منقطعاً عن الناس لا يركب إلا إلى درس أو نزهة وكان يعتكف كل سنة بالجامع الحاكم ويحب أهل الخير والفقر ويعظمهم، وكذا ترجمه ابن خطيب الناصرية وابن قاضي شهبة والمقريزي في غير سلوكه وآخرون، وقال شيخنا في إنبائه أنه كان مديد القامة حسن الصورة يحب المزاح والمداعبة مع ملازمة الاشتغال والكتابة حسن المحاضرة جميل الأخلاق كثير الأنصاف شديد القيام مع أصحابه موسعاً عليه في الدنيا مشهوراً بكثرة التصانيف حتى كان يقال أنها بلغت ثلثمائة مجلدة ما بين كبير وصغير وعنده من الكتب مالا يدخل تحت الحصر منها ما هو ملكه ومنها ما هو من أوقاف المدارس سيما الفاضلية ثم أنها احترقت مع أكثر مسوداته في أواخر عمره ففقد أكثرها وتغير حاله بعدها فحجبه ولده إلى أن مات، وقال في معجمة أنه قبل احتراق كتبه كان مستقيم الذهن. قلت وأنشده من نظمه مخاطباً له:لا يزعجك يا سراج الدين أن لعبت بكتبك ألسن النيران لله قد قربتها فتقلبت والنار مسرعة إلى القربانوحكى لنا مما كان يتعجب منه عن بعض من سماه أنه دخل عليه يوماً وهو يكتب فدفع إليه ذاك الكتاب الذي كان يكتب منه وقال له: أمل على قال: فأمليت عليه وهو يكتب إلى أن فرغ فقلت له: يا سيدي أتنسخ هذا الكتاب فقال: بل أختصره، قال: وهؤلاء الثلاثة العراقي والبلقيني وابن الملقن كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن: الأول في معرفة الحديث وفنونه والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي والثالث في كثرة التصانيف وقدر أن كل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة فأولهم ابن الملقن ثم البلقيني ثم العراقي، وقال الصلاح الأقفهسي: تفقه وبرع وصنف وجمع وأفتى ودرس وحدث وسارت مصنفاته في الأقطار وقد لقينا خلقاً ممن أخذ عنه دراية ورواية وخاتمة أصحابه تأخر إلى بعد السبعين، وهو عند المقريزي في عقوده وقال إنه كان من أعذب الناس ألفاظاً وأحسنهم خلقاً وأعظمهم محاضرة صحبته سنين وأخذت عنه كثيراً من مروياته ومصنفاته. مات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربع ودفن على أبيه بحوش سعيد السعداء، وتأسف الناس على فقده.
104 - إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان أبو إسحاق وأبو محمد الأبناسي ثم القاهري المقسي الشافعي الفقيه. ولد في أول سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريبًا كما كتبه بخطه - وقال مرة حين سئل عنه : لا أدري يعني تحقيقًا - بأبناس وهي قرية صغيرة بالوجه البحري من مصر - وكتبه العراقي الأبنهسي - وقدم القاهرة وهو شاب فحفظ القرآن وكتبًا ، وتفقه بالأسنوي وولي الدين الملوي المنفلوطي وغيرهما في الفقه والعربية والأصول ، وتخرج بالعلاء مغلطاي ، وسمع الحديث على الوادياشي والميدومي ومحمد بن إسماعيل الأيوبي وأبي نعيم الإسعردي والعرضي وطائفة بالقاهرة ، والعفيف عبد الله بن الجمال المطري وخليل بن عبد الرحمن والشهاب أحمد بن قاسم الحراري في آخرين بمكة ، وابن أميلة والمنبجي بالشام، ومما سمعه المسلسل والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي والموطأ والشفا وجزأي البطاقة ، وأكثر ذلك بقراءته، وأجازه جماعة ، وخرج له الولي العراقي مشيخة حدث بها وبالكتب الستة وغيرها ، وتقدم قديما ، وتصدى للإفتاء والتدريس دهرًا ، ولبس عنه غير واحد الخرقة بلباسه لها من البدر أبي عبد الله محمد بن الهمام والسراج أبي حفص عمر بن أبي الحسن الدومراني بلباس كل منهم من أبيه بلباس أبي الأول من أبي عمرو عثمان بن مليك الزفتاوي ، وأبي الثاني من والده ، وأبي الثالث من أبي محمد عبد الله الغماري بلباس الثلاثة من أبي العباس البصير الذي جمع الشيخ مناقبه ، ودرس بمدرسة السلطان حسن وبالآثار النبوية وجامع المقسي مع الخطابة به وغيرها ، وولي مشيخة سعيد السعداء مدة وصرف عنها ، واتخذ بظاهر القاهرة في المقس زاوية فأقام بها يحسن إلى الطلب ويجمعهم على التفقه ، ويرتب لهم ما يأكلون ، ويسعى لهم في الأرزاق حتى كان أكثر فضلاء الطلبة بالقاهرة من تلامذته ، ووقف بها كتبًا جليلة ورتب فيها درسًا وطلبة وحبس عليها رزقه ونحو ذلك ، وممن أخذ عنه الولي العراقي والجمال بن ظهيرة وابن الجزري وشيخنا وقال : اجتمعت به قديمًا وكان صديق أبي ولازمته بعد التسعين وبحثت عليه في المنهاج وقرأت عليه أشياء، والعز محمد بن عبد السلام المنوفي وكتب له إجازة بالتدريس طنانة كما سيأتي في ترجمته والفاسي ، وثنا عنه من لا أحصيه كثرة ، وآخر من تفقه به الشمس البشبيشي والزين الشنواني والبرهان الكلمشاوي ، كل ذلك مع حسن الأخلاق وجميل العشرة ومزيد التواضع والتقشف والتعبد وطرح التكلف وحسن السمت ومحبة الفقراء وتقريبهم ، والمناقب الجمة بحيث قل أن ترى العيون في مجموعه مثله ، وقد عين مدة لقضاء الديار المصرية ، فلما بلغه ذلك توارى ، وذكر أنه فتح المصحف في تلك الحالة فخرج له قال رب السجن أحب إلي مما تدعونني إليه الآية فأطبقه وتوجه إلى منية الميرج فاختفى بها أيامًا حتى ولي غيره فعاد، وقد أشار إلى أصل ذلك القاضي تقي الدين الزبيري فإنه قال في حوادث سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة : لما أراد برقوق صرف البرهان بن جماعة عن القضاء لأنه تخيل منه أنه لا يوافقه على استبداده بالسلطنة طلب من يصلح فذكروا له جماعة منهم الأبناسي ، فأرسل إليه موقعه أوحد الدين وعرفه بسبب الطلب ، فوعده أن يحضر إليه في وقت عينه له ثم تغيب واختفى ، فلما لم يحضر طلب ابن أبي البقاء فاستقر به، وذكره العثماني في الطبقات فقال : الورع المحقق مفتي المسلمين شيخ الشيوخ بالديار المصرية ومدرس الجامع الأزهر ، له مصنفات ، يألفه الصالحون وتحبه الأكابر ، وفضله معروف. وقال المقريزي : إنه صنف في الفقه والحديث والنحو وكان أبر مشايخ مصر بالطلبة طارحًا للتكلف مقبلا على شأنه ، وللناس فيه اعتقاد ووهم ، فزاد في نسبه بين اسمه واسم أبيه الحسن. وقد حج كثيرًا ، وجاور مرة وحدث هناك وأقرأ ثم رجع فمات في الطريق في يوم الأربعاء ثامن المحرم سنة اثنتين بمنزلة كفافة فحمل إلى المويلحة فغسل وكفن وصُلي عليه في يوم تاسوعاء ، ثم حمل إلى عيون القصب فدفن بها وقبره بها يتبرك به الحجيج ، وعملت له قبة. قلت : قد زرته وأصل القبة لبهادر الجمالي الناصري أمير الحج كما قرأته على لوح قبره ، وأنه مات في رجوعه من الحج في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة وهو موافق لما ذكر في ترجمته ، وقبل الدخول إليها مكان آخر وأظنه محل دفن الشيخ ولا قبة تعلوه. ورثاه الزين العراقي بأبيات دالية وكان صديقًا له وهو الذي سعى لولده الولي في غالب ما حصل له من الوظائف. ومن تصانيفه الشذى الفياح في مختصر ابن الصلاح شحنه بزوائد من نكت العراقي ، وشرحه للألفية وغير ذلك ، وشرح ألفية ابن مالك ، ومناقب الشيخ أبي العباس البصير، وحكى الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الله الأسلمي نزيل الجيزة وأحد فضلائها وصلحائها وهو من تلامذته أنه سمعه يقول للبلقيني : إنه سمع كلام الموتى في قبورهم ، وإنه كان في البقيع من المدينة فوقف عند قبر جديد ليسأل عن صاحبه فقال له شخص كان يقرأ عليه من قبر : يا سيدي لِمَ تقف عند قبر هذه الرافضية ؟ قال : فرأيت البلقيني احمر وجهه ونزلت دموعه وقال : آمنت بذلك ، وناهيك بهذه القصة في جلالة البرهان، وبلغني أيضا أنه كان ربما يتردد لابن المقسي لما يرى منه من مزيد الإحسان للزاوية وأهلها بل هو الآخذ له مشيخة سعيد السعداء ، فبينما هو في بعض الأيام داخل عليه إذ سمعه يخاطب آخر بقوله اخلع هذه العمامة والبس عمامة بيضاء وادخل في دينهم وتحكم فيهم أو كما قال ، وأنه دخل فوجد المقول له هذا نصرانيًّا فانزعج ومن ثم لم يصل إليه. وحكى لي الشريف الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الجرواني أنه كان عنده فجاءته فتيا فكتب عليها ، ثم بعد أن أخذها السائل تبين له الخطأ فيها فأرسل من يدركه فما أمكن فتألم لذلك ، فما مضى ألا اليسير وجاء السائل وأخبر بأن الورقة سقطت منه في البحر فحمد الشيخ الله وسر ثم كتب له الجواب. وكذا حكى لي العز السنباطي عن شيخه الشمس البوصيري أن الأبناسي خرج في بعض ليالي طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة من سكنه بالمدرسة الشرابيشية بالقرب من جامع الأقمر ليستضيء فما وجد من يقد منه إلا في الدرب الأحمر لاستيلاء الطاعن على الناس. وهو عند المقريزي في تاريخ مصر مع غلط فيه كما قدمنا وفي العقود باختصار.
(
676 - علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صلح نور الدين ، أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ ، ويعرف بالهيثمي ، كان أبوه صاحب حانوت بالصحراء فولد له هذا في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، ونشأ فقرأ القرآن ، ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ ولم يفارقه سفرا وحضرا ، حتى مات بحيث حج معه جميع حجاته ، ورحل معه سائر رحلاته ، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة ، والحرمين وبيت المقدس ، ودمشق وبعلبك ، وحلب وحماه ، وحمص وطرابلس وغيرها . وربما سمع الزين بقراءته ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابار التقي السبكي وابن شاهد الجيش ، كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن الهادي ، وممن سمع عليه سوى ابن عبد الهادي الميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ، ومحمد بن عبد الله النعماني ، وأحمد بن الرصدي ، وابن القطرواني ، والعرضي ، ومظفر الدين محمد بن محمد بن يحيى العطار ، وابن الخباز ، وابن الحموي ، وابن قيم الضيائية ، وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي ، فمما سمعه على المظفر صحيح البخاري ، وعلى ابن الخباز صحيح مسلم ، وعليه وعلى العرضي مسند أحمد ، وعلى العرضي والميدومي سنن أبي داود وعلى الميدومي وابن الخباز جزء ابن عرفة، وهو مكثر سماعا وشيوخا ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه حتى إنه أرسله مع ولده الولي لما ارتحل بنفسه إلى دمشق وزوجه ابنته خديجة ، ورزق منها عدة أولاد وكتب الكثير من تصانيف الشيخ ، بل قرأ عليه أكثرها ، وتخرج به في الحديث بل دربه في إفراد زوائد كتب كالمعاجم الثلاثة للطبراني ، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى على الكتب الستة ، وابتدأ أولا بزوائد أحمد فجاء في مجلدين ، وكل واحد من الخمسة الباقية في تصنيف مستقل إلا الطبراني الأوسط والصغير فهما في تصنيف ، ثم جمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد سماه مجمع الزوائد ، وكذا أفرد زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين ورتب أحاديث الحلية لأبي نعيم على الأبواب ، ومات عنه مسودة فبيضه وأكمله شيخنا في مجلدين وأحاديث الغيلانيات والخلعيات ، وفوائد أبي تمام والإفراد للدارقطني أيضا على الأبواب في مجلدين، ورتب كلا من ثقات ابن حبان وثقات العجلي على الحروف ، وأعانه بكتبه ثم بالمرور عليها وتحريرها وعمل خطبها ونحو ذلك ، وعادت بركة الزين عليه في ذلك وفي غيره كما أن الزين استروح بعد بما عمله سيما المجمع. وكان عجبا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور والمحبة في الحديث وأهله، وحدث بالكثير رفيقا للزين ، بل قل أن حدث الزين بشيء إلا وهو معه ، وكذلك قل أن حدث هو بمفرده ، لكنهم بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه ، ومع ذلك فلم يغير حاله ولا تصدر ولا تمشيخ ، وكان مع كونه شريكا للشيخ يكتب عنه الأمالي بحيث كتب عنه جميعها ، وربما استملى عليه ويحدث بذلك عن الشيخ لا عن نفسه إلا لمن يضايقه ، ولم يزل على طريقته حتى مات في ليلة الثلاثاء تاسع عشري رمضان سنة سبع بالقاهرة ، ودفن من الغد خارج باب البرقية منها رحمه الله وإيانا ، وقد ترجمه ابن خطيب الناصرية في حلب ، والتقي الفاسي في ذيل التقييد ، وشيخنا في معجمه وأنبائه ، ومشيخة البرهان الحلبي والغرس خليل الأقفهسي في معجم ابن ظهيرة ، والتقي بن فهد في معجمه وذيل الحفاظ ، وخلق كالمقريزي في عقوده . قال شيخنا في معجمه : وكان خيرا ساكنا لينا سليم الفطرة شديد الإنكار للمنكر كثير الاحتمال لشيخنا ولأولاده ، محبا في الحديث وأهله ، ثم أشار لما سمعه منه وقرأه عليه ، وأنه قرأ عليه إلى أثناء الحج من مجمع الزوائد سوى المجلس الأول منه ومواضع يسيرة من أنبائه ، ومن أول زوائد مسند أحمد إلى قدر الربع منه ، قال: وكان يودني كثيرا ويعينني عند الشيخ ، وبلغه أنني تتبعت أوهامه في مجمع الزوائد فعاتبني ، فتركت ذلك إلى الآن ، واستمر على المحبة والمودة ، قال: وكان كثير الاستحضار للمتون يسرع الجواب بحضرة الشيخ ، فيعجب الشيخ ذلك ، وقد عاشرتهما مدة فلم أرهما يتركان قيام الليل ، ورأيت من خدمته لشيخنا وتأدبه معه من غير تكلف لذلك ما لم أره لغيره ، ولا أظن أحدا يقوى عليه ، وقال في أنبائه أنه صار كثير الاستحضار للمتون جدا لكثرة الممارسة ، وكان هينا دينا خيرا محبا في أهل الخير لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث ، سليم الفطرة كثير الخير والاحتمال للأذى خصوصا من جماعة الشيخ ، وقد شهد لي بالتقدم في الفن جزاه الله عني خيرا ، قال: وكنت قد تتبعت أوهامه في كتابه المجمع ، فبلغني أن ذلك شق عليه ، فتركته رعاية له. قلت: وكأن مشقته لكونه لم يعلمه هو بل أعلم غيره ، وإلا فصلاحه ينبو عن مطلق المشقة أو لكونها غير ضرورية بحيث ساغ لشيخنا الإعراض عنها والأعمال بالنيات . وقال البرهان الحلبي : إنه كان من محاسن القاهرة ، ومن أهل الخير غالب نهاره في اشتغال وكتابة مع ملازمة خدمة الشيخ في أمر وضوئه وثيابه ولا يخاطبه إلا بسيدي حتى كان في أمر خدمته كالعبد ، مع محبته للطلبة والغرباء وأهل الخير وكثرة الاستحضار جدا، وقال التقي الفاسي : كان كثير الحفظ للمتون والآثار صالحا خيرا، وقال الأقفهسي : كان إماما عالما حافظا زاهدا متواضعا متوددا إلى الناس ، ذا عبادة وتقشف وورع ، انتهى . والثناء على دينه وزهده وورعه ونحو ذلك كثير جدا بل هو في ذلك كلمة اتفاق ، وأما في الحديث فالحق ما قاله شيخنا أنه كان يدري منه فنا واحدا ، يعني الذي دربه فيه شيخهما العراقي ، قال: وقد كان من لا يدري يظن لسرعة جوابه بحضرة الشيخ أنه أحفظ ، وليس كذلك بل الحفظ المعرفة ، رحمه الله وإيانا مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
إبراهيم بن موسى بن أيوب البرهان أبو إسحاق وأبو محمد الأبناسي ثم القاهري المقسي الشافعي الفقيه . ولد في أول سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريباً كما كتبه بخطه - وقال مرة حين سئل عنه لا أدري يعني تحقيقاً - بأبناس وهي قرية صغيرة بالوجه البحري من مصر - وكتبه العراقي الأبنهسي - وقدم القاهرة وهو شاب فحفظ القرآن وكتباً وتفقه بالأسنوي وولي الدين الملوي المنفلوطي وغيرهما في الفقه والعربية والأصول وتخرج بالعلاء مغلطاي وسمع الحديث على الوادياشي والميدومي ومحمد بن إسماعيل الأيوبي وأبي نعيم الاسعردي والعرضي وطائفة بالقاهرة والعفيف عبد الله بن الجمال المطري وخليل بن عبد الرحمن والشهاب أحمد بن قاسم الحراري في آخرين بمكة وابن أميلة والمنبجي بالشام، ومما سمعه المسلسل والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي والموطأ والشفا وجزءي البطاقة وأكثر ذلك بقراءته، وأجازه جماعة وخرج له الولي العراقي مشيخة حدث بها وبالكتب الستة وغيرها وتقدم قديماً وتصدى للإفتاء والتدريس دهراً ولبس عنه غير واحد الخرقة بلباسه لها من البدر أبي عبد الله محمد بن الهمام والسراج أبي حفص عمر بن أبي الحسن الدومراني بلباس كل منهم من أبيه بلباس أبي الأول من أبي عمرو عثمان بن مليك الزفتاوي وأي الثاني من والده وأبي الثالث من أبي محمد عبد الله الغماري بلباس الثلاثة من أبي العباس البصير الذي جمع الشيخ مناقبه ودرس بمدرسة السلطان حسن وبالآثار النبوية وجامع المقسي مع الخطابة به وغيرها وولي مشيخة سعيد السعداء مدة وصرف عنها واتخذ بظاهر القاهرة في المقس زاوية فأقام بها يحسن إلى الطلب ويجمعهم على التفقه ويرتب لهم ما يأكلون ويسعى لهم في الأرزاق حتى كان أكثر فضلاء الطلبة بالقاهرة من تلامذته ووقف بها كتباً جليلة ورتب فيها درساً وطلبة وحبس عليها رزقه ونحو ذلك وممن أخذ عنه الولي العراقي والجمال بن ظهيرة وابن الجزري وشيخنا وقال اجتمعت به قديماً وكان صديق أبي ولازمته بعد التسعين وبحثت عليه في المنهاج وقرأت عليه أشياء، والعز محمد بن عبد السلام المنوفي وكتب له إجازة بالتدريس طنانة كما سيأتي في ترجمته والفاسي وثنا عنه من لا أحصيه كثرة وآخر من تفقه به الشمس البشبيشي والزين الشنواني والبرهان الكلمشاوي كل ذلك مع حسن الأخلاق وجميل العشرة ومزيد التواضع والتقشف والتعبد وطرح التكلف وحسن السمت ومحبة الفقراء وتقريبهم والمناقب الجمة بحيث قل أن ترى العيون في مجموعه مثله وقد عين مدة لقضاء الديار المصرية فلما بلغه ذلك توارى وذكر أنه فتح المصحف في تلك الحالة فخرج له قال رب السجن أحب إلي مما تدعونني إليه الآية فأطبقه وتوجه إلى منية الميرج فاختفى بها أياماً حتى ولي غيره فعاد، وقد أشار إلى أصل ذلك القاضي تقي الدين الزبيري فإنه قال في حوادث سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة لما أراد برقوق صرف البرهان بن جماعة عن القضاء لأنه تخيل منه أنه لا يوافقه على استبداده بالسلطنة طلب من يصلح فذكروا له جماعة منهم الأبناسي فأرسل إليه موقعه أوحد الدين وعرفه بسبب الطلب فوعده أن يحضر إليه في وقت عينه له ثم تغيب واختفى فلما لم يحضر طلب ابن أبي البقاء فاستقر به، وذكره العثماني في الطبقات فقال الورع المحقق مفتي المسلمين شيخ الشيوخ بالديار المصرية ومدرس الجماع الأزهر له مصنفات يألفه الصالحون وتحبه الأكابر وفضله معروف. وقال المقريزي أنه صنف في الفقه والحديث والنحو وكان أبر مشايخ مصر بالطلبة طارحاً للتكلف مقبلاً على شأنه وللناس فيه اعتقاد ووهم فزاد في نسبه بين اسمه واسم أبيه الحسن. وقد حج كثيراً وجاور مرة وحدث هناك وأقرأ ثم رجع فمات في الطريق في يوم الأربعاء ثامن المحرم سنة اثنتين بمنزلة كفافه فحمل إلى المويلحة فغسل وكفن وصلى عليه في يوم تاسوعاء ثم حمل إلى عيون القصب فدفن بها وقبره بها يتبرك به الحجيج وعملت له قبة. قلت قد زرته وأصل القبة لبهادر الجمالي الناصري أمير الحج كما قرأته على لوح قبره وأنه مات في رجوعه من الحج في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة وهو موافق لما ذكر في ترجمته وقبل الدخول إليها مكان آخر وأظنه محل دفن الشيخ ولا قبة تعلوه. ورثاه الزين العراقي بأبيات دالية وكان صديقاً له وهو الذي سعى لولده الولي في غالب ما حصل له من الوظائف. ومن تصانيفه الشذى الفياح في مختصر ابن الصلاح شحنه بزوائد من نكت العراقي وشرحه للألفية وغير ذلك وشرحاً لألفية ابن مالك ومناقب الشيخ أبي العباس البصير، وحكى الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الله الأسلمي نزيل الجيزة وأحد فضلائها وصلحائها وهو من تلامذته أنه سمعه يقول للبلقيني أنه سمع كلام الموتى في قبورهم وأنه كان في البقيع من المدينة فوقف عند قبر جديد ليسأل عن صاحبه فقال له شخص كان يقرأ عليه من قبر يا سيدي لم تقف عند قبر هذه الرافضية قال فرأيت البلقيني احمر وجهه ونزلت دموعه وقال آمنت بذلك وناهيك بهذه القصة في جلالة البرهان، وبلغني أيضاً أنه كان ربما يتردد لابن المقسي لما يرى منه من مزيد الإحسان للزاوية وأهلها بل هو الآخذ له مشيخة سعيد السعداء فبينما هو في بعض الأيام داخل عليه إذ سمعه يخاطب آخر بقوله اخلع هذه العمامة والبس عمامة بيضاء وادخل في دينهم وتحكم فيهم أو كما قال وأنه دخل فوجد المقول له هذا نصرانياً فانزعج ومن ثم لم يصل إليه. وحكى لي الشريف الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الجرواني. أنه كان عنده فجاءته فتيا فكتب عليها ثم بعد أن أخذها السائل تبين له الخطأ فيها فأرسل من يدركه فما أمكن فتألم لذلك فما مضى ألا اليسير وجاء السائل وأخبر بأن الورقة سقطت منه في البحر فحمد الشيخ الله وسر ثم كتب له الجواب. وكذا حكى لي العز السنباطي عن شيخه الشمس البوصيري أن الأبناسي خرج في بعض ليالي طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة من سكنه بالمدرسة الشرابيشية بالقرب من جامع الأقمر ليستضيء فما وجد من يقد منه إلا في الدرب الأحمر لاستيلاء الطاعن على الناس. وهو عند المقريزي في تاريخ مصر مع غلط فيه كما قدمنا وفي العقود باختصار.
274 - محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن أبي بكر بن أحمد بن محمود بن إدريس بن فضل الله بن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله المجد ، أبو الطاهر وأبو عبد الله بن السراج أبي يوسف بن الصدر أبي إسحق بن الحسام بن السراج الفيروزآبادي الشيرازي اللغوي الشافعي . ولد في ربيع الآخر - وقيل : في جمادى الآخرة - سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون من أعمال شيراز ونشأ بها ، فحفظ القرآن وهو ابن سبع ، وجود الخط ثم نقل فيها كتابين من كتب اللغة ، وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان ، وأخذ اللغة والأدب عن والده ثم عن القوام عبد الله بن محمود بن النجم وغيرهما من علماء شيراز ، وسمع فيها على الشمس أبي عبد الله محمد بن يوسف الأنصاري الزرندي المدني الصحيح ، بل قرأ عليه جامع الترمذي هناك درسا بعد درس في شهور سنة خمس وأربعين، وارتحل إلى العراق فدخل واسط وقرأ بها القراءات العشر على الشهاب أحمد بن علي الديواني ، ثم دخل بغداد في السنة المذكورة فأخذ عن التاج محمد بن السباك والسراج عمر بن علي القزويني خاتمة أصحاب الرشيد بن أبي القاسم ، وعليه سمع الصحيح أيضا ، بل قرأ عليه المشارق للصغاني والمحيوي محمد بن العاقولي ونصر الله بن محمد بن الكتبي والشرف عبد الله بن بكتاش وهو قاضي بغداد ومدرس النظامية ، وعمل عنده معيدها سنين، ثم ارتحل إلى دمشق فدخلها سنة خمس وخمسين فسمع بها من النقي السبكي ، وأكثر من مائة شيخ منهم ابن الخباز وابن القيم ومحمد بن إمعيل بن الحموي وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي وأحمد بن مظفر النابلسي ويحيى بن علي بن مجلي بن الحداد الحنفي وغيرهم ببعلبك وحماة وحلب ، وبالقدس من العلائي والبياني والتقي القلقشندي والشمس السعودي وطائفة ، وقطن به نحو عشر سنين ، وولي به تداريس وتصادير ، وظهرت فضائله وكثر الأخذ عنه ، فكان ممن أخذ عنه الصلاح الصفدي وأوسع في الثناء عليه ، ثم دخل القاهرة بعد أن سمع بغزة والرملة ، فكان ممن لقيه بها البهاء بن عقيل والجمال الأسنوي وابن هشام ، وسمع من العز بن جماعة والقلانسي والمظفر العطار وناصر الدين التونسي وناصر الدين الفارقي وابن نباتة والعرضي وأحمد بن محمد الجزائري ، وسمع بمكة من الضياء خليل المالكي واليافعي والتقي الحرازي ونور الدين القسطلاني وجماعة، وجال في البلاد الشمالية والمشرقية ، ودخل الروم والهند ، ولقي جمعا جما من الفضلاء وحمل عنهم شيئا كثيرا تجمعهم مشيخته تخريج الجمال بن موسى المراكشي ، وقال فيما قرأته بخطه أن من مشايخه من أصحاب الفخر ابن البخاري والنجيب الحراني وابن عبد الدائم ، والشرف الدمياطي الجم الغفير والجمع الكثير من مشايخ العراق والشام ومصر وغيرها ، وأن من مروياته الكتب الستة وسنن البيهقي ومسند أحمد وصحيح ابن حبان ومصنف ابن أبي شيبة ، وقرأ البخاري بجامع الأزهر في رمضان سنة خمس وخمسين على ناصر الدين محمد بن أبي القاسم الفارقي ، وسمعه على الشمس محمد السعودي بقراءة الشهاب أبي محمود الحافظ ، وبدمشق على العز بن الحموي، وقرأ بعضه على التقي إسماعيل القلقشندي والحافظ أبي سعيد العلائي، وقرأ مسلما على البياني بالمسجد الأقصى في أربعة عشر مجلسا وعلى ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن جهبل بدمشق تجاه نعل النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أيام ، وبعضه قراءة وسماعا على ابن الخباز والعز بن جماعة والنجم أبي محمد عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن البارزي وأخيه الزين أبي حفص وناصر الدين الفارقي ، وجميعه سماعا على الجمال أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد المعطي بالمسجد الحرام تجاه الكعبة ، وسمع سنن أبي داود على أبي حفص عمر بن عثمان بن سالم بن خلف وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يونس بن القواس ، وقرأ الترمذي أيضا على ابن قيم الضيائية والنجم أبي محمد بن البارزي ، وابن ماجه ببعلبك على الخطيب الصفي أبي الفضائل عبد الكريم والعز بن المظفر ، والمصابيح على حمزة بن محمد كما أوضحته في التاريخ الكبير ، ثم دخل زبيد في رمضان سنة ست وتسعين ، وبعد وفاة قاضي الأقضية باليمن كله الجمال الريمي شارح التنبيه فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول وبالغ في إكرامه وصرف له ألف دينار سوى ألف كان أمر ناظر عدن بتجهيزه بها ، واستمر مقيما في كنفه على نشر العلم فكثر الانتفاع به ، وبعد مضي سنة وأزيد من شهرين أضاف إليه قضاء اليمن كله ، وذلك في أول ذي الحجة سنة سبع وتسعين بعد ابن عجيل ، فارتفق بالمقام في تهامة ، وقصده الطلبة وقرؤا عليه الحديث ، السلطان فمن دونه ، فاستقرت قدمه بزبيد مع الاستمرار في وظيفته إلى حين وفاته ، وهي مدة تزيد على عشرين سنة بقية حياة الأشرف ثم ولده الناصر أحمد، وكان الأشرف قد تزوج ابنته لمزيد جمالها ونال منه برا ورفعة بحيث أنه صنف له كتابا وأهداه له على الطباق فملأها له دراهم، وفي أثناء هذه المدة قدم مكة أيضا مرارا ، فجاور بها وبالمدينة النبوية والطائف ، وعمل فيها مآثر حسنة لو تمت. وكان يحب الانتساب إلى مكة مقتديا بالرضى الصغاني ، فيكتب بخطه الملتجئ إلى حرم الله تعالى ، ولم يقدر له قط أنه دخل بلدا إلا وأكرمه متوليها وبالغ مثل شاه منصور بن شجاع صاحب تبريز ، والأشرف صاحب مصر ، والأشرف صاحب اليمن ، وابن عثمان ملك الروم ، وأحمد بن أويس صاحب بغداد ، وتمرلنك الطاغية ، وغيرهم، واقتنى من ذلك كتبا نفيسة، حتى نقل الجمال الخياط أنه سمع الناصر أحمد بن إسماعيل يقول أنه سمعه يقول : اشتريت بخمسين ألف مثقال ذهبا كتبا. وكان لا يسافر إلا وصحبته منها عدة أحمال ، ويخرج أكثرها في كل منزلة فينظر فيها ثم يعيدها إذا ارتحل ، وكذا كانت له دنيا طائلة ولكنه كان يدفعها إلى من يمحقها بالإسراف في صرفها بحيث يملق أحيانا ويحتاج لبيع بعض كتبه ، فلذلك لم يوجد له بعد وفاته ما كان يظن به. وصنفت الكثير ، فمن ذلك كما كتبه بخطه مع إدراجي فيه أشياء عن غيره في التفسير بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز مجلدان وتنوير المقياس في تفسير ابن عباس أربع مجلدات وتيسير فاتحة الإياب في تفسير فاتحة الكتاب مجلد كبير والدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن العظيم وحاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص وشرح قطبة الحساف في شرح خطبة الكشاف. وفي الحديث والتاريخ : شوارق الأسرار العلية في شرح مشارق الأنوار النبوية أربع مجلدات ، ومنح الباري بالشيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدة ويخمن تمامه في أربعين مجلدا ، وعمدة الحكام في شرح عمدة الأحكام مجلدان ، وامتضاض السهاد في افتراض الجهاد مجلد ، والإسعاد بالإصعاد إلى درجة الجهاد ثلاث مجلدات ، والنفحة العنبرية في مولد خير البرية ، والصلاة والبشر في الصلاة على خير البشر ، والوصل والمنى في فضل منى ، والمغانم المطابة في معالم طابة ، ومهيج الغرام إلى البلد الحرام ، وإثارة الحجون لزيارة الحجون قال إنه عمله في ليلة كما في خطبته ، وأحاسن اللطائف في محاسن الطائف ، وفصل الدرة من الخرزة في فضل السلامة على الجنزة قريتان بوادي الطائف ، وروضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر ، والمرقاة الوفية في طبقات الحنفية أخذها من طبقات عبد القادر الحنفي ، والبلغة في تراجم أئمة النحاة واللغة ، والفضل الوفي في العدل الأشرفي ، ونزهة الأذهان في تاريخ أصبهان في مجلد ، وتعين الغرفات للمعين على عين عرفات ، ومنية السول في دعوات الرسول ، والتجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح ، وتسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول عمله وكذا الأحاديث الضعيفة وهو في مجلدات للناصر ، وكراسة في علم الحديث ، والدر الغالي في الأحاديث العوالي ، وسفر السعادة ، والمتفق وضعا والمختلف صقعا . وفي اللغة وغيرها : اللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب ، وزيادات امتلأ بها الوطاب واعتلى منها الخطاب ففاق كل مؤلف هذا الكتاب يقدر تمامه في مائة مجلد كل مجلد يقرب من صحاح الجوهري في المقدار ، رأيت بخطه أيضا أنه كمل منه مجاليد خمسة ، والقاموس المحيط ، والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من لغة العرب شماطيط في جزءين ضخمين وهو عديم النظير ، ومقصود ذوي الألباب في علم الإعراب مجلد ، وتحبير الموشين فيما يقال بالسين والشين أخذه عنه البرهان الحلبي الحافظ ونقل عنه أنه تتبع أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضع مع تعظيمه لابن فارس وثنائه عليه ، والمثلث الكبير في خمس مجلدات ، والصغير ، والروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف ، والدرر المبثثة في الغرر المثلثة ، وبلاغ التلقين في غرائب اللعين ، وتحفة القماعيل فيمن يسمى من الملائكة والناس إسماعيل ، وأسماء السراح في أسماء النكاح ، وأسماء الغادة في أسماء العادة ، والجليس الأنيس في أسماء الخندريس في مجلد ، وأنواء الغيث في أسماء الليث ، وأسماء الحمد ، وترقيق الأسل في تصفيق العسل في كراريس ، ومزاد المزاد وزاد المعاد في وزن بانت سعاد وشرحه في مجلد ، والنخب الطرائف في النكت الشرائف ، إلى غيرها من مختصر ومطول. قال التقي الكرماني : كان عديم النظير في زمانه نظما ونثرا بالفارسي والعربي ، جاب البلاد وسار إلى الجبال والوهاد ورحل وأطال النجعة واجتمع بمشايخ كثيرة عزيزة ، وعظم بالبلاد ، أقام بدهلك مدة عظمه سلطانها ، وبالروم مدة وبجله ملكها ، وبفارس وغيرها ، وورد بغداد في حدود سنة أربع وخمسين ، واجتمع بوالدي وقرأ عليه ، ورحل معه إلى الشام ثم إلى مصر ، وسمعا بالقاهرة الصحيح على الفارقي ، وفارقه والدي فحج ورجع إلى بغداد ، وأقام المجد بالقاهرة مدة ثم بالقدس ثم بالشام ، ثم جاور بمكة مدة عشر سنين أو أكثر ، وصنف بها تصانيف منها شرح البخاري سماه منح الباري ، وأظن أنه لم يكمل ، والقاموس مطولا في مجلدات عديدة ثم أمره والدي باختصاره فاختصر في مجلد ضخم وفيه فوائد عظيمة وفرائد كريمة واعتراضات على الجوهري ، وكان كثير الاعتناء بتصانيف الصغاني ويمشي على نهجه ويتبع طريقه ويقتدي بصنيعه حتى في المجاورة بمكة، وفي الجملة كان جملة حسنة ، وفي الآخر ورد بغداد من مكة في حدود نيف وثمانين واجتمع بوالدي أيضا ، ثم ذهب إلى الهند ، ثم رجع إلى مكة وأقام بها مدة ، ثم ورد بغداد سنة نيف وتسعين بعد وفاة والدي ، ولازمته أيضا واستفدت منه شيئا كثيرا ، ثم سافر إلى بلاد فارس ، ثم رجع إلى مكة بعد أن اجتمع بتمرلنك في شيراز وعظمه وأكرمه ووصله بنحو مائة ألف درهم ، ثم توجه إلى مكة من طريق البحر ، ثم دخل بلاد اليمن وأقام بعدن وبتعز وكان ملكه له يكرم ويعز . وقال الخزرجي في تاريخ اليمن أنه لم يزل في ازدياد من علو الوجاهة والمكانة ونفوذ الشفاعة والأوامر على قضاة الأمصار ، ورام في سنة تسع وتسعين التوجه لمكة ، فكتب إلى السلطان ما مثاله : ومما ينهيه إلى العلوم الشريفة أنه غبر خاف عليكم ضعف أقل العبيد ورقة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه ، وقد آل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتقل إذ وهن العظم بل والرأس اشتعل ، وتضعضع السن ، وتقعقع الشن ، فما هو إلا عظام في جراب وبنيان مشرف على خراب ، وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب ، وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بلغ المرء ستين سنة فقد أعذر الله إليه ، فكيف من نَيَّف على السبعين وأشرف على الثمانين ، ولا يجمل بالمؤمن أن تمضي عليه أربع سنين ولا يتجدد له شوق وعزم إلى بيت رب العالمين وزيارة سيد المرسلين ، وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك ، وأقل العبيد له ست سنين عن تلك المسالك ، وقد غلب عليه الشوق حتى جل عمره عن الطوق ، ومن أقصى أمنيته أن يجدد العهد بتلك المعاهد ، ويفوز مرة أخرى بتقبيل تلك المشاهد ، وسؤاله من المراحم الحسنية الصدقة عليه بتجهيزه في هذه الأيام مجردا عن الأهالي والأقوام قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام ، فإن الفصل أطيب ، والريح أزيب ، ومن الممكن أن يفوز الإنسان بإقامة شهر في كل حرم ويحظى بالتملي من مهابط الرحمة والكرم ، وأيضا كان من عادة الخلفاء سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد عمدا قصدا لتبليغ سلامهم إلى حضرة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه مددا ، فاجعلني - جعلني الله فداك - ذاك البريد ، فلا أتمنى شيئا سواه ولا أريد . شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا فاستحمل القلص الوجادة الزادا واستأذن الملك المنعام زيد علا واستودع الله أصحابا وأولادا فلما وصل هذا إلى السلطان كتب في طرة الكتابة ما مثاله: صدر الجمال المصري على لساني ما يحققه لك شفاها أن هذا شيء لا ينطق به لساني ولا يجري به قلمي ، فقد كانت اليمين عميا فاستنارت ، فكيف يمكن أن تتقدم وأنت تعلم أن الله تعالى قد أحيا بك ما كان ميتا من العلم ، فبالله عليك إلا ما وهبت لنا بقية هذا العمر ، والله يا مجد الدين يمينا بارة أني أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك ، أنت اليمن وأهله. وذكره التقي الفاسي فقال: وكانت له بالحديث عناية غير قوية ، وكذا بالفقه ، وله تحصيل في فنون من العلم سيما اللغة ، فله فيها اليد الطولى ، وألف فيها تواليف حسنة منها القاموس ، ولا نظير له في كتب اللغة لكثرة ما حواه من الزيادات على الكتب المعتمدة كالصحاح، قلت : وقد ميز فيه زياداته عليه فكانت غاية في الكثرة بحيث لو أفردت لجاءت قدر الصحاح أو أكثر في عدد الكلمات ، وأما ما نبه عليه من أوهامه فشيء كثير أشار إليه في الهامش بصفر وأعراه من الشواهد اختصارا، ونبه في خطبته على الاكتفاء عن قوله معروف بحرف الميم ، وعن موضع بالعين ، وعن الجمع بالجيم ، وعن جمع الجمع بجج ، وعن القرية بالهاء ، وعن البلد بالدال ، وضبط ذلك بالنظم بعضهم ، بل أثنى على الكتاب الأئمة نظما ونثرا ، وتعرض فيه لأكثر ألفاظ الحديث والرواة ، ووقع له في ضبط كثيرين خطأ ، فإنه كما قال التقي الفاسي في ذيل التقييد : لم يكن بالماهر في الصنعة الحديثية ، وله فيما يكتبه من الأسانيد أوهام . وأما شرحه على البخاري فقد ملأه بغرائب المنقولات سيما أنه لما اشتهرت باليمن مقالة ابن عربي وغلبت على علماء تلك البلاد صار يدخل في شرحه من قبوحاته الهلكية ما كان سببا لشين الكتاب المذكور، ولذا قال شيخنا أنه رأى القطعة التي كملت منه في حياة مؤلفه وقد أكلتها الأرضة بكمالها بحيث لا يقدر على قراءة شيء منها ، قال : ولم أكن أتهمه بالمقالة المذكورة إلا أنه كان يحب المداراة ، ولقد أظهر لي إنكارها والغض منها، ثم ذكر الفاسي أنه ذكر أنه ألف شرح الفاتحة في ليلة واحدة ، فكأنه غير المشار إليه ، وكذا ألف ترقيق الأسل في ليلة عند ما سأله بعضهم عن العسل هل هو قيء النحلة أو خرؤها ، فكأنه غير المتداول لكونه في نحو نصف مجلد ، وأنه وقف على مؤلفه في علم الحديث بخطه ، وأنه ذكر في مؤلفه في فضل الحجون من دفن فيه من الصحابة مع كونهم لم يصرح في تراجمهم من كتب الصحابة بذلك ، بل وما رأيت وفاة كلهم بمكة ، فإن كان في دفنهم به قول من قال أنهم نزلوا مكة فذلك غير لازم لكونهم كانوا يدفنون في أماكن متعددة. وقال أيضا : إن الناس استغربوا منه انتسابه للشيخ أبي إسحاق وكذا لأبي يكر الصديق، ولذا قال شيخنا : لم أزل أسمع مشايخنا يطعنون في انتسابه إلى الشيخ أبي إسحاق مستندين إلى أن أبا إسحاق لم يعقب . قال : ثم ارتقى درجة فادعى بعد أن ولي القضاء باليمن بمدة طويلة أنه من ذرية أبي بكر الصديق ، وصار يكتب بخطه محمد الصديقي ، ولم يكن مدفوعا عن معرفة إلا أن النفس تأبى قبول ذلك. وقال الجمال بن الخياط فيما نقله عن خط الذهبي في الشيخ أبي إسحاق أنه لم يتأهل ظنا ، وكذا أنكر عليه غيره تصديقه بوجود رتن الهندي وإنكاره قول الذهبي في الميزان أنه لا وجود له ، ويقول أنه دخل قريته ورأى ذريته وهم مطبقون على تصديقه . قال الفاسي : وله شعر كثير في بعضه قلق لجلبه فيه ألفاظا لغوية عويصة ، ونثره أعلى ، وكان كثير الاستحضار لمستحسنات من الشعر والحكايات ، وله خط جيد مع الإسراع ، وسرعة حفظ ، بلغني عنه أنه قال : ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر . وقال : إن أول قدومه مكة فيما علم سنة ستين ثم في سنة سبعين ، وأقام بها خمس سنين أو ستا متوالية ، وتكرر قدومه لها وارتحل منها إلى الطائف ، وكان له فيه بستان ، وكذا أنشأ بمكة دارا على الصفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن وقرر بها مدرسين وطلبة ، وفعل بالمدينة كذلك ، ثم أعرض عن ذلك بعد موت الأشرف ، وله بمنى وغيرها دور، وحدث بكثير من تصانيفه ومروياته ، سمع منه الجمال بن ظهيرة وروى عنه في حياته ومات قبله بشهر. وترجمه الصلاح الأقفهسي في معجم الجمال بقوله: كتب عنه الصلاح الصفدي وبالغ في الثناء عليه ، وجال في البلاد ولقي الملوك والأكابر ، ونال وجاهة ورفعة ، وصنف التصانيف السائرة كالقاموس وغيره ، وولي قضاء الأقضية ببلاد اليمن ، وقدم مكة وجاور بها مدة وابتنى بها دارا. وطول المقريزي في عقوده ترجمته وقال : إن آخر ما اجتمع به في مكة سنة تسعين ، وقرأت عليه بعض مصنفاته ، وناولني قاموسه وأجازني وأفادني. وكذا لقيه شيخنا بزبيد في سنة ثمانمائة وتناول منه أكثر القاموس ، وقرأ عليه وسمع منه أشياء ، وأورده في معجمه وأنبائه ، وقرض لشيخنا تعليق التعليق وعظمه جدا والتقي الفاسي وقرأ عليه أشياء وأورده في تاريخ مكة وذيل التقييد ، والبرهان الحلبي أخذ عنه تحبير الموشين ، في آخرين ممن أخذت عنهم كالموفق الأبي والتقي بن فهد ، وأرجو إن تأخر الزمان يكون آخر أصحابه موتا على رأس القرن العاشر، وممن ترجمه ابن خطيب الناصرية لكن باختصار جدا والتقي بن قاضي شهبة وغيرهما. مات وقد متع بسمعه وحواسه في ليلة عشري شوال سنة سبع عشرة بزبيد وقد ناهز التسعين ، وكان يرجو وفاته بمكة فما قدر رحمه الله وإيانا. أنشدني شيخي بالقاهرة والموفق الأبي بمكة ، قال كل منهما : أنشدني المجد لنفسه مما كتبه عنه الصفدي في سنة سبع وخمسين: أحبتنا الأماجد إن رحلتم ولم ترعوا لنا عهدا وإلَّا نُوَدِّعُكُمْ ونُودِعُكُمْ قلوبا لعل الله يجمعنا وإلا وعندي في ترجمته بأول ما كتبته من القاموس فوائد منها قول الأديب المفلق نور الدين علي بن محمد بن العليف العكي العدناني المكي الشافعي وقد قرأ عليه القاموس : مذ مد مجد الدين في أيامه من بعض أبحر علمه القاموسا ذهبت صحاح الجوهري كأنها سحر المدائن حين ألقى موسى /
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-833
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة