الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ الِاسْتِعَاذَةِ
] ، فَجَعَلَ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ ، مِثْلَ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الْجِنِّ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَرَكِبَ بِرْذَوْنًا فَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بِهِ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا تَبَخْتُرًا ، فَنَزَلَ عَنْهُ ، وَقَالَ : مَا حَمَلْتُمُونِي إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ! مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي . 136 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُتَمَرِّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْطَانًا ، لِمُفَارَقَةِ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ أَخْلَاقَ سَائِرِ جِنْسِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ أُخِذَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : شَطَنَتْ دَارِي مِنْ دَارِكَ - يُرِيدُ بِذَلِكَ : بَعُدَتْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا رَهِينُ وَالنَّوَى : الْوَجْهُ الَّذِي نَوَتْهُ وَقَصَدَتْهُ .
وَالشَّطُونُ : الْبَعِيدُ . فَكَأَنَّ الشَّيْطَانَ - عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ - فَيْعَالُ مِنْ شَطَنَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ : أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالْأَكْبَالِ وَلَوْ كَانَ فَعْلَانَ ، مَنْ شَاطَ يَشِيطُ ، لَقَالَ : أَيُّمَا شَائِطٍ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا شَاطِنٍ ، لِأَنَّهُ مِنْ شَطَنٍ يَشْطُنُ ، فَهُوَ شَاطِنٌ .
تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( الرَّجِيمِ ) . وَأَمَّا الرَّجِيمُ فَهُوَ : فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : كَفٌّ خَضِيبٌ ، وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ ، وَرَجُلٌ لَعِينٌ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ : مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ وَمَلْعُونٌ . وَتَأْوِيلُ الرَّجِيمِ : الْمَلْعُونُ الْمَشْتُومُ .
وَكُلُّ مَشْتُومٍ بِقَوْلٍ رَدِيءٍ أَوْ سَبٍّ فَهُوَ مَرْجُومٌ . وَأَصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ ، بِقَوْلٍ كَانَ أَوْ بِفِعْلٍ . وَمِنَ الرَّجْمِ بِالْقَوْلِ قَوْلُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 46 ] .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لِلشَّيْطَانِ رَجِيمٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ طَرَدَهُ مِنْ سَمَاوَاتِهِ ، وَرَجَمَهُ بِالشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ الِاسْتِعَاذَةَ . 137 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ اسْتَعِذْ ، قُلْ : أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، ثُمَّ قَالَ : قُلْ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، ثُمَّ قَالَ : ( ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [ الْعَلَقُ : 1 ] . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ .
فَأَمْرَهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ دُونَ خَلْقِهِ .